مايكل شيمينو الذي هجر هوليوود إلى الأبد

الأحد 2015/11/22
مايكل شيمينو.. تكريمه في مهرجان لوكارنو أخيرا أعاده إلى دائرة الضوء

كثير من التساؤلات كانت تدور حول مصير المخرج السينمائي الأميركي -من أصل إيطالي- مايكل شيمينو (76 سنة). هل هو مستمر في العمل السينمائي أم خرج نهائيا من السينما؟ هل صحيح أنه فضّل الإقامة بشكل دائم، في أوروبا بعد أن هجر بلاده؟ وهل صحيح أنه خضع لعملية جراحية جعلته يتحول من رجل إلى “امرأة” كما قيل؟

ظهور شيمينو الأخير في مهرجان لوكارنو السينمائي (أغسطس 2015) حيث حصل على “الفهد الذهبي” تقديرا لإسهامه السينمائي، حسم الكثير من التكهنات، خاصة وأن شيمينو كان يرفض بإصرار، مواجهة الصحفيين، وقد رفض أن يصوّره أحد أثناء سيره فوق البساط الأحمر في لوكارنو، لكنه قَبِلَ الإجابة عن أسئلة الصحفيين في مؤتمر صحفي حاشد استغرق أكثر من ساعتين.

رغم أن مايكل شيمينو لم يخرج سوى سبعة أفلام روائية طويلة فقط، إلا أنه من أكثر السينمائيين إثارة للجدل، ربما في تاريخ السينما الأميركية منذ إريك فون شتروهايم، ذلك النمساوي العنيد الذي عرف بجموحه الشديد، كما وصف بالجنون، وهو الذي أخرج الفيلم الصامت الشهير “الجشع″ (1924) بعد أن قام بتصوير 85 ساعة من المشاهد واللقطات، وجاءت النسخة النهائية فيلما يتجاوز تسع ساعات ممّا أصاب شركة الإنتاج بالجنون، فقامت باختصاره إلى نحو ساعتين ونصف فقط.

وكما اتهم فوت شتروهايم بالتجاوز جريا وراء تحقيق حلمه الشخصي المجنون، والتسبب بالتالي في خراب الشركة المنتجة ولاقى مصيره بالطرد من العمل لحساب “مترو غولدوين ماير”، اعتبر فيلم شيمينو “بوابة الجنة” (1980) باب خروج شيمينو من سينما الشركات الكبيرة في هوليوود، بعد أن تسبب في تعريض شركة يونيتد أرتستس لما يقرب من الإفلاس. فقد بلغت تكاليفه 44 مليون دولار، ولم يحقق سوى ثلاثة ملايين ونصف مليون دولار فقط من عروضه الأميركية!

رغم أن مايكل شيمينو لم يخرج سوى سبعة أفلام روائية طويلة فقط، إلا أنه من أكثر السينمائيين إثارة للجدل، ربما في تاريخ السينما الأميركية

نموذج للسينما الحرة

أعد شيمينو النسخة الأولى من الفيلم في خمس ساعات و25 دقيقة، ثم اختصرها إلى 3 ساعات و45 دقيقة، قبل أن تختصره الشركة إلى نحو ساعتين ونصف فقط. ولكن الفيلم الذي واجه تلك المذبحة صمد ليصبح اليوم من كلاسيكيات هوليوود الحديثة، ويظل -في رأي كاتب هذا المقال- من أبرز علامات “السينما الحرة” في هوليوود، ونقصد بـ”السينما الحرة” تلك الأفلام التي يسخّر مخرجوها إمكانيات الإنتاج الهوليوودي الكبير والميزانيات الضخمة، لصنع أفلامهم “الشخصية” التي تعبّر عن رؤيتهم للعالم ضاربين عرض الحائط بقواعد “السوق”، كما فعل برتولوتشي عندما أخرج “1900” (1976) بميزانية تجاوزت 35 مليون دولار وجاءت نسخته الأولى في 6 ساعات!

شيمينو هو مخرج الفيلم الشهير “صائد الغزلان” (1978) الذي حصل على خمس من جوائز الأوسكار، منها أحسن فيلم وأحسن مخرج. وقد أصبح “صائد الغزلان” واحدا من أكثر الأفلام الأميركية شهرة، وقد حقق أرباحا بلغت نحو 55 مليون دولار في عروضه الأميركية فقط، ولكنه تلقّى رغم ذلك هجوما نقديا شديدا من طرف نقاد اليسار في أميركا والعالم، واتُهم بالعنصرية وإهانة نضال الشعب الفيتنامي.

كان كلينت إيستوود هو من أتاح الفرصة أمام شيمينو-الذي بدأ حياته مهندسا معماريا ثم اتجه الى إخراج الإعلانات التلفزيونية- لإخراج فيلمه الأول “ثندربولت ولايتفوت” (1974) الذي يصور من خلال الانتقال من الكوميديا إلى الدراما العنيفة، علاقة صداقة تجمع بين مجرم سابق (إيستوود) ومغامر صعلوك (جيف بريدجز)، يلتقيان مع رجلين من عصابة الأول (إيستوود) واللذين يطاردانه من أجل استعادة ثروة سبق أن اشتركوا جميعا في سرقتها من أحد البنوك وقام إيستوود بإخفائها وراء سور مدرسة، لكنهم يكتشفون أن المدرسة قد زالت من الوجود، فيصبح عليهم إعادة تكرار السرقة.

أبرز الفيلم قدرة شيمينو على صنع فيلم من أفلام الطريق، يتميز بالطرافة والمرح، ويوجه تحية الى أبطال سينما الأكشن من الخمسينات والستينات في أفلام شهيرة مثل “العصبة المتوحشة”، كما طرح اسم شيمينو على الساحة كمخرج يجيد تحريك الممثلين، والقدرة على استخراج أفضل ما لديهم (حصل جيف بريدجز على أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في هذا الفيلم).

أثار مشهد لعبة "الروليت الروسية" في فيلم "صائد الغزلان" غضب الكثيرين

بعد نجاح هذا الفيلم أسندت لشيمينو مهمة إخراج “صائد الغزلان” الذي يدور حول الصداقة التي تجمع ثلاثة من أبناء المهاجرين الروس من عمّال الصلب في ولاية بنسلفانيا الأميركية، يتم تجنيدهم، ويذهبون إلى الحرب في فيتنام، حيث يقعون في أسر قوات الفيت كونغ الشيوعية، ويتعرضون للتعذيب في أحد معسكرات الاعتقال.

لعبة الروليت

كان المشهد الذي أثار احتجاجا كبيرا من جانب النقاد، هو مشهد لعبة “الروليت الروسية” حيث يرغم جنود الفيت كونغ الأسرى الثلاثة على تصويب مسدس محشو برصاصة واحدة الى رؤوسهم، والضغط على الزناد، فربما تصيبه الرصاصة أو لا تنطلق أصلا، مع كل ما يسببه هذا من دمار نفسي. وقد أكد كثير من النقاد أن مثل هذه اللعبة الجهنمية لم يكن لها وجود في فيتنام، ولم يتعرض لها أيّ من الجنود الأميركيين هناك، واعتبرت بالتالي تبريرا لممارسات القوات الأميركية التي ارتكبت الكثير من المذابح المعروفة في فيتنام.

لكنّ الفيلم كان من الناحية الفنية عملا متميزا سواء في تصويره المؤثر وسلاسة وانسيابية صوره وتدفقها واستخدام أسلوب الانتقال في الزمن دون أيّ خلل في مسار السرد، مع إبراز المشاعر بصورة نادرة في السينما الأميركية دون مغالاة أو جنوح، كما أبرز الفيلم موهبة الممثلين الذين شاركوا فيه: ميريل ستريب، روبرت دي نيرو، كريستوفر والكن، جون كازال، جون سافاج.

في المؤتمر الصحفي بمهرجان لوكارنو توجه صحفي بسؤال إلى شيمينو حول ماذا يمكن أن يفعل اليوم إذا ما أراد إخراج فيلم عن حرب فيتنام، هل سيصنع عملا مختلفا عن “صائد الغزلان”؟ فقال إن ما أصبح واضحا اليوم، هو مأساة الحرب، مضيفا أنه لم يكن يرغب في صنع فيلم عن حرب فيتنام، ولم يكن مهتما بالسياسة وقتها، وأن فيلمه عن صدمة الحرب وما تركته من تأثير على الأسرة، لأن الأصدقاء في الفيلم كانوا بمثابة أسرة. وأضاف أن “كل الأفلام العظيمة عن الحرب هي ضد الحرب، لأن الصدق في تصوير الحرب يجعل المرء يرى جنونها”. وحذّر من أن هناك المزيد من المآسي قادمة في الطريق، مناشدا الشباب الاعتراض على الحروب كما فعلوا مع حرب فيتنام.

هل هو شخصية مثيرة للجدل؟ شيمينو يبدو غير مبال بهذا الأمر. وهو يقول إنه تعرض لنعته بالكثير من الصفات “بعد فيلمي الأول ‘ثندربولت ولايتفوت’ قالوا إنني معاد للمثليين، وبعد فيلمي الثاني ‘صائد الغزلان’ وصفت بأنّي يميني فاشي، وبعد فيلمي الثالث ‘بوابة الجنة’ قيل إنني ماركسي، وبعد فيلمي التالي ‘عام التنين’ أصبحت عنصريا!”.

فيلم "بوابة الجنة" يتميز بالمناظر البديعة لاحتفالات المهاجرين

بوابة الجنة

يروي فيلم “بوابة الجنة” قصة حقيقية وقعت في ولاية وايومنغ الأميركية عام 1892عندما أراد كبار ملاك الماشية قتل مئات من المهاجرين من بلدان أوروبا الشرقية، وكان هؤلاء يقيمون في أراضيهم خلال انتقالهم عبر الأراضي الأميركية، إلا أن الشريف “جيمس أفريل” (يقوم بالدور كريس كريستفرسون) يتصدى لهم مدافعا عن المهاجرين. وينازعه أحد بارونات الماشية (كرستوفر والكن) في حب إيلا واطسون (إيزابيل أوبير).

ربما لا تبدو مفاصل القصة متماسكة تماما من خلال أسلوب السرد، فقد أراد شيمينو أن يفلت من قيود “النوع” السينمائي أي “الويسترن”، وهو ما جعله يستطرد كثيرا في مشاهد بديعة، مستلهما من جون فورد وهاوارد هوكس، في مشاهد ليس من الممكن نسيانها، منها مشاهد تصور احتفالات المهاجرين بالرقص والغناء، وخصوصا مشهد مشاركة كريستفرسون رقصة الفالتز مع إيزابيل أوبير.

ويتميز الفيلم بمناظره الساحرة الممتدة التي تعكس جمال الريف الأميركي، وواقعية تصويره لحياة المهاجرين القادمين من شرق أوروبا، بتقاليدهم الخاصة وتميزهم عن ملاّك الأراضي الأثرياء المتّصفين بالجفاف والغلظة. ويعتبر الفيلم من أبرز أفلام مدير التصوير الكبير فيلموس زيغموند، باستخدامه المميز للمصادر الطبيعية للضوء والألوان، واستغلاله البارع لعدسة “سكوب” للتعبير عن الجوّ الملحمي للفيلم، وتصميمات الملابس الدقيقة، وموسيقى ديفيد مانسفيلد المميزة بنغمات الفيولين الناعمة التي تمتزج بشكل ساحر مع الصور.

كثيرون أيضا رفضوا فكرة استخدام شيمينو الترجمة المطبوعة على الفيلم في المشاهد التي يتحدث فيها المهاجرون بلغاتهم الأصلية وهي الألمانية والبلغارية والروسية والأوكرانية، خاصة وأن المتفرج الأميركي لا يرحّب عادة بالأفلام غير الناطقة بالإنكليزية.

فيلم "بوابة الجنة" يتميز بمناظره الساحرة الممتدة التي تعكس جمال الريف الأميركي، وواقعية تصويره لحياة المهاجرين القادمين من شرق أوروبا

يقول ستيفن باش في كتابه “القطع الأخير”، الذي يروي الوقائع التي أحاطت بالفيلم، إن مديري الشركة بعد أن شاهدوا النسخ السريعة من المادة المصورة أصبحوا على قناعة بأنهم أمام “ديفيد لين” جديد، وأنه سيأتيهم بعمل شبيه بـ”لورنس العرب”. غير أن من كانوا ينتظرون فيلما كبيرا من أفلام “الويسترن” التي تمتلئ عادة بالحركة والأحداث المنطقية، صدموا لخروج الفيلم عن هذا “النوع”، وشنّوا حملة شرسة ضده وعلى رأسهم فنسنت كانبي ناقد “نيويورك تايمز” الذي كتب يقول: إن “بوابة الجنة” يفشل تماما حتى أنك تشك في أن شيمينو قد باع روحه للشيطان للحصول على نجاح مماثل لما حققه “صائد الغزلان”، وأن الشيطان أخذ لكنه لم يمنح!

في مهرجان لوكارنو عندما سئل شيمينو مؤخرا عمّا تعرض له الفيلم من نقد عنيف أجاب قائلا “لقد مات الرجل الذي حاول تدمير ‘بوابة الجنة’.. لقد اختفى.. لكني مازلت هنا”. ولاشك أنه كان يقصد فنسنت كانبي!

عام التنين

كتب أوليفر ستون سيناريو فيلم “عام التنين”-الذي أخرجه شيمينو عام 1986- عن رواية لروبرت دال، بطلها ضابط يتولى قيادة الشرطة في الحيّ الصيني بنيويورك، يتصدى للمافيا الصينية من تجار المخدرات مما يعرّضه ويعرض المحيطين به للكثير من الأهوال. الضابط “ستانلي هوايت” (يقوم بالدور ميكي رورك) كان جنديا سابقا في فيتنام، وهو لا يتورّع عن اللجوء للتصفية الجسدية خارج القانون لأعضاء المافيا الصينية إيمانا منه بضرورة “التطهير”، وهو ما دفع البعض لوصم الفيلم بالفاشية، خصوصا وأن البطل المتمسك بالدين، يدير المعركة لكي يثبت لرؤسائه استحقاقه لمنصبه، ويجعلها حربا أخرى على غرار فيتنام!

لم يخرج شيمينو أفلاما منذ فيلمه الأخير “مطارد الشمس” عام 1996، وفيه يقوم وودي هارلسون بدور طبيب ثري يختطفه شاب مصاب بالسرطان ليس أمامه سوى شهر قبل أن يودّع الحياة، وخلال تلك “المحنة” يقترب الإثنان من بعضهما البعض، ويصبح كلاهما أكثر فهما لمسارات الحياة واستعدادا لقبولها. لم يلق الفيلم نجاحا يذكر، واعتبر فيلما نمطيا عقيما.

منذ تلك الفترة خرج شيمينو من السينما، أما عن احتمال عودته للإخراج فهو يقول إنه لن يعود للعمل في هوليوود مرة أخرى، لكنه لايزال يكتب السيناريوهات ويناقش المنتجين، مؤكدا أنه لن يتوقف. ويشعر شيمينو بالزهوّ وهو يردد مقولة الكاتب الإيطالي جيوسيبي توماسي -مؤلف رواية “الفهد” التي أخرج عنها فيسكونتي تحفته الشهيرة- “لقد كنا نحن الفهود والأسود.. والذين أخذوا مكاننا ليسوا سوى مجموعة من الضباع”!

16