مايك بنس يميني هادئ يعكس اضطراب الجمهوريين

السبت 2016/10/15
مايك بنس ضد ترامب وفي الوقت ذاته مرشحه لمنصب نائب الرئيس

واشنطن- أزمة كبيرة وتاريخية تعصف بالحزب الجمهوري مع مرشحه لمنصب الرئاسة دونالد ترامب بعد فضيحة مدوية على الإعلام الأميركي و العالمي إثر نشر الواشنطن بوست شريطاً تسجيلاً مسرباً يظهر فيه المرشح ترامب وهو يتلفظ بعبارات بذيئة ومشينة ضد النساء. على إثر ذلك التسريب، تعالت أصوات قيادات الحزب الجمهوري البارزة وأعضائه بمطالبة المرشح ترامب بالانسحاب من السباق. طلب الانسحاب هذا يأتي قبل أسابيع من يوم الانتخابات وبدء عملية الاقتراع المبكر لدى عدد من الولايات الأميركية. طلبٌ لم يشهده القانون ولا حتى الدستور من قبل. فما تشهده الساحة الأميركية اليوم يعتبر حادثة فريدة من نوعها في تاريخ البلاد.

بعد صمت دام أكثر من إحدى وعشرين ساعة بعد فضيحة ترامب، أصدر الحاكم وعضو الكونغرس السابق والمرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس مايك بنس بيانه محاولا أن يصلح ما دمره شريكه ترامب. في البيان الذي اعتبره الكثير محاولة إصلاح فاشلة عن إثم كبير، قال بنس إن “شريكه قد قدم اعتذاراً للشعب الأميركي وأنه يعلم أنه قد أخطأ”. بيان ولقاءات مع الإعلام تُظهر ارتباك الشريك المسيحي المتفاخر بيمينيته وآرائه المحافظة.

هذا الشريك رجل متدين جدا يُعرّف نفسه على أنه مسيحي إنجيلي يُدخل الإيمان بالدين والتعاليم الدينية المحافظة في كل مجال حياته، حتى في السياسة والقيادة. هادئ ومتوازن، ويميني في حزبه الجمهوري اليميني أصلاً. داعم لحزب الشاي الذي يحاول الانشقاق عن الحزب الجمهوري للرجوع إلى اليمينية المتطرفة.

مايكل ريتشارد بنس هو محام ورجل سياسة في سن السابعة والخمسين. ورغم أنه عمل في السياسية منذ العام 2000، لكن الكثير من العامة لا يعرفونه. ولد بنس ونشأ في مدينة كولومبوس في ولاية إنديانا، حيث تخرج من كلية بنس هانوفر، وحصل على شهادة في القانون من كلية ماكيني. بعد خسارته مرتين للحصول على مقعد في الكونغرس الأميركي في عامي 1988 و1990، عمل بنس في الإعلام اليميني كمحاور ومذيع في التلفزيون والراديو. كان يتناول القضايا التي تهم الجمهور المحافظ. وفي بداية الألفية فاز أخيراً بانتخابات الكونغرس ليصبح ممثلا لولايته إنديانا. لمع اسمه أكثر في عام 2009 حيث ترأس مؤتمر مجلس النواب في الحزب الجمهوري. وقبل ثلاثة أعوام تم انتخابه ليصبح حاكم ولاية إنديانا.

شراكة صعبة

اختيار ترامب لبنس يعده الخبراء خيارا موفقا، لأنه عمل على المزج بين شخصية بنس اللطيفة والدبلوماسية والمحترمة من قبل الجمهوريين وترامب العدائي والعاصف، ليتم تسويق تلك الشخصية بين الفئات المحافظة والتقليدية، ولكي تكون همزة الوصل بين الحزب والبيت الأبيض "الجمهوري" في حال فاز ترامب بالانتخابات العامة

بنس المحترم في أوساط الجمهوريين، نجح في حكم ولاية إنديانا وعمل على تطويرها وخاصة في مجال التعليم وتخفيف الضرائب. نجاحه هذا جعل نمو فائض ميزانية ولايته كبيراً. اشتهر أكثر بعد دعمه لمشروع “قانون الحرية الدينية” في العام 2015، والذي أُقرّ قانوناً فيما بعد.

موقف بنس من هذا القانون جاء دعماً لرجال الأعمال وحماية الشركات الصغيرة، حيث قال حينها إن قانون الحماية الدينية سيحمي رجال الأعمال في حال أرادوا عدم إبرام الصفقات أو التعامل مع المجتمع المثلي. تصريح آثار غضب المعارضين لهذا الخط السياسي المحافظ، واعتبره الكثيرون تمييزاً عنصرياً ضد فئة من المجتمع الأميركي تم الاعتراف بحقوقها كاملة من قبل المحكمة العليا.

رغم أنه دعّم السيناتور تيد كروز عن ولاية تكساس في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري، إلا أن ترامب كان عليه أن يبحث عن شخص مقرب من الحزب ومن الدائرة الجمهورية التقليدية. وبعد دراسة دقيقة لما ورد من أسماء في لائحة السيناتور جون ماكين السابقة في انتخابات 2008 واعتذار المرشح الأكبر لهذا المنصب حاكم ولاية أوهايو جون كيزتش، الذي قال بشكل غير مباشر لابن ترامب إنه يوجد اختلاف بينه وبين أبيه وخاصة في مقاربة الأمور وفلسفتها، واعتذار آخر لرئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش عن المنصب، لم يبق من خيارات في جعبة ترامب سوى مايك بنس.

ترامب نجح وكلينتون انتصرت

هذا الاختيار جاء عبر دراسة طويلة وعميقة من قبل مستشاري ومحاميي ترامب. حيث حلل الكثير من الخبراء أن هذا الاختيار كان موفقاً، بمعنى المزج بين شخصية بنس اللطيفة والدبلوماسية والمحترمة من قبل جميع أعضاء الحزب الجمهوري وترامب العدائي والعاصف، ليتم تسويق تلك الشخصية بين الفئات المحافظة والتقليدية، ولكي تكون همزة الوصل بين الحزب والبيت الأبيض “الجمهوري” في حال فاز ترامب بالانتخابات العامة. بحسب استطلاعات الرأي بعد فضيحة الشريط المسرب والمناظرة الرئاسية الثانية ورغم نجاح المرشح ترامب فيها بحسب رأي الخبراء، تظهر الاستطلاعات تقدم المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بأكثر من عشر نقاط عليه.

هذا التهاوي في شعبية ترامب لدى الناخب الأميركي، تزامن مع ارتفاع أصوات اليمين المتطرف التي تطالب بنس بأن يتَحضر لترشيح نفسه في انتخابات العام 2020. وهذا يعني اعترافاً ضمنياً مسبقاً بخسارة الحزب الجمهوري بالانتخابات قبل أربعة أسابيع من موعدها الرسمي.

التهاوي في شعبية ترامب لدى الناخب الأميركي، يتزامن مع ارتفاع أصوات اليمين المتطرف التي تطالب بنس بأن يتَحضر لترشيح نفسه في انتخابات العام 2020. وهذا يعني اعترافا ضمنيا مسبقا بخسارة الحزب الجمهوري للانتخابات قبل أربعة أسابيع عن موعدها الرسمي

والسؤال الذي يطرحه مراقبون في الانتخابات، لماذا تجري مطالبة بنس بترشيح نفسه إذن؟ ويعلل بعض الاستراتيجيين الجمهوريين أن بنس أثبت قدرته ومهنيته في هذه الانتخابات الغريبة من نوعها والتي سادتها الكثير من السلبية والتشهير.

استطاع بنس بالفعل الظهور بشكل متوازن وهادئ ويدير أزمات ترامب بطريقة مقنعة لأوساط الجمهوريين، رغم أنه تراجع عن تصريحات أدلى بها من قبل وخاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية والقضية السورية. ويبدو أن ترامب ونائبه بنس على خلاف كبير في الرؤية والاستراتيجية بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية. يقول بنس إن ترامب تراجع عن موقفه العدائي من المسلمين ووضع القيود على منح الفيزا لهم. إلا أن هذا الموقف مازال منشوراً على موقع حملة ترامب الرسمي على الإنترنت.

عارض بنس موقف ترامب هذا منذ البداية، محاولاً اليوم تجميل ما قاله، حيث أكد في المناظرة التي جرت بينه وبين المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس تيم كين، إن “ترامب لن يمنع المسلمين من الدخول إلى أميركا”. الخلاف الأكبر والذي ظهر في المناظرة نفسها حول التدخل العسكري في سوريا والسياسة المتعلقة بروسيا والرئيس بوتين.

قال بنس عند سؤاله عن الأزمة الإنسانية السورية والقصف الروسي لمدينة حلب، متجاهلا تصريحات سابقة لترامب في ما يتعلق بالملف السوري، حيث دعا بشكل واضح وصريح للتدخل ضد نظام بشار الأسد، وإنشاء مناطق آمنة في سوريا، وظهر بموقف أكثر تشدداً حتى من المرشحة الديمقراطية كلينتون. وهذا ما ناقضه ورفضه المرشح ترامب في المناظرة الرئاسية الثانية عندما قال للإعلام والشعب الأميركي “أنا لم أتكلم مع بنس، وأنا لا أوافق على ما طرحه”.

روسيا صديق أم عدو

من المواقف المتشددة لبنس موقفه الحاد والمعارض بشكل جوهري لروسيا والرئيس بوتين، وهو كثيراً ما وصف بوتين بالزعيم الصغير والبلطجي الذي يملي شروطه على الولايات المتحدة أقوى بلد في العالم. محملاً سياسة أوباما في سوريا والشرق الأوسط المسؤولية عن تلك النتائج. قال بنس إنه عندما انسحبت أميركا “أعظم دولة في العالم” من مفاوضات وقف إطلاق النار، قام بوتين بوضع منظومة صواريخ دفاعية في سوريا. هذا الموقف المعادي لبوتين وسياسته في سوريا قابله ترامب بتناقض كبير، حيث طالب بتحسين العلاقات مع روسيا، رافضاً أن ينسب حوادث القرصنة الأخيرة للروس، مضيفاً أنه لا وجود لأدلة كبيرة من أجهزة الاستخبارات حول هذه القضية، رغم أن وزارة العدل الأميركية صرحت مؤخراً أن هناك أدلة كبيرة تظهر روسيا متورطة في عمليات القرصنة وإشاعة الفوضى في فترة الانتخابات.

بنس يرى أنه عندما انسحبت أميركا "أعظم دولة في العالم" من مفاوضات وقف إطلاق النار، قام بوتين بوضع منظومة صواريخ دفاعية في سوريا. هذا الموقف المعادي لبوتين وسياسته في سوريا قابله ترامب بتناقض كبير، مطالباً بتحسين العلاقات مع روسيا

لم يقف ترامب عند هذا الحد، بل مدح الرئيس بوتين قائلاً إنه أعاد مجد روسيا وأنه يقوم على إعادة إعمارها، مضيفاً أن روسيا والأسد يعملان على محاربة داعش في سوريا. الأمر المثير للدهشة هو خروج بنس بعد المناظرة الرئاسية الثانية على الإعلام متراجعاً ومتنصلا من كل مواقفه الخاصة حول هذه القضايا.

اضطراب الجمهوريين

يتفق بنس مع ترامب حول قضايا خارجية أخرى منها المعاهدات التجارية والمطالبة بإلغاء الاتفاق التجاري “نافتا”، وكلاهما يعارض الاتفاق النووي مع إيران ويعتبره اتفاقاً يقوي من طهران ولا يصب في مصلحة أميركا ولا حليفتها إسرائيل. يعرف عن بنس أنه كان من الداعمين للحرب على العراق وأنه طالب بالمزيد من التدخل في الشرق الأوسط وزيادة ميزانية وزارة الدفاع والجيش. وفي العام 2005 طالب بنس، والذي كان عضواً في الكونغرس آنذاك، بعدم وضع موعد “ملزم” لانسحاب القوات الأميركية من العراق حتى تكتمل مهمتها وعملية إعادة إعمار وبناء الدولة العراقية.

يتمتع بنس بعلاقة وثيقة مع رئيس مجلس النواب الحالي بول راين والذي يعتبر من أكثر المنتقدين لترامب وخاصة بعد فضيحته الأخيرة. ولكن راين صديق مقرب من بنس وقد صرح في العديد من المناسبات أنه “صديقه الشخصي”. لكن ورغم تخلي أكثر من أحد عشر عضوا بارزاً في الحزب الجمهوري عن ترامب ومطالبتهم إياه بالانسحاب لصالح بنس، فإن الأخير لا يزال متمكساً بشريكه في الانتخابات، وإن كانت حظوظ ذلك الشريك ضعيفة جدا بالفوز بالبيت الأبيض بحسب استطلاعات الرأي.

12