مايك بومبيو صقر ترامب الذي يستعد للانقضاض

السبت 2017/02/04
مايك بومبيو مدير الـ"سي آي إيه" الجديد يواجه العالم القديم

واشنطن- اختاره دونالد ترامب ليكون مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الـ”سي أي إيه” المؤسسة الأمنية الأقوى في العالم، رغم أنه لم يعمل يوماً في أحد فروع المخابرات الأميركية الرئيسية. ولم تشكل مهنة المخابرات بتعقيداتها عامل جذب لمايك بومبيو، بل إن مزاجه أخذه ومنذ بداية حياته المهنية إلى العمل في الجيش وفي المجال القانوني، وأيضاً في الاستثمار الاقتصادي.

ويبدو أن ترامب لا يعتمد كثيراً على خبرة رجال فريقه السابقة في المجالات التي يكلّفهم بها، ولعله يتخذ من نفسه مثالاً على ذلك. ويبدو أنه يبحث غالباً عن أشباهه في مواقف التطرف ضد الأقليات الدينية والعرقية وخصوصاً الإسلامية كما هو حال بومبيو الذي اشتهر بمثل تلك المواقف، والذي يشارك ترامب أيضاً رفضه للاتفاق النووي مع إيران، وكراهيته لسياسة الصين التي قال عنها “هذا البلد يسبب القلق للعالم”.

ثري آخر لموقع قوي

في سيرة مايك بومبيو الذاتية يمكن استقراء حيوية الرجل ومتابعته الحثيثة لسياسة بلده الخارجية وفهم موقعه وأهميته بالنسبة إلى العالم. أما عن مؤهلاته فهي كثيرة ومتنوعة أهمها نزعته العسكرية. فهو اختار لدراسته الجامعية أكاديمية ويست بوينت العسكرية العريقة وتخرج فيها مهندساً ميكانيكياً وكان الأول على دفعته في العام 1986 ثم عمل في الجيش فترة طويلة قبل أن يرحل إلى مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس، حيث جامعة هارفارد الشهيرة ليدرس في كلية الحقوق وليصبح لاحقاً محررا لدوريتها القانونية “هارفارد لو ريفيو”.

وبعد تخرجه التحق بالعمل القانوني مدة ثلاث سنوات ثم انتقل إلى تأسيس شركة اقتصادية ربحية متخصصة في المجال الفضائي. وفي عام 2010 استطاع احتلال كرسيّ في مجلس النواب الأميركي عن ولاية كنساس. وهكذا صار بومبيو أحد أعضاء لجنة التحقيق في الكونغرس، الذي يهيمن عليه الحزب الجمهوري، والتي شُكّلت للبحث في الهجوم الذي تعرضت له البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي بليبيا وأدى إلى مقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريس ستيفنز. اتهمت تلك اللجنة في تقريرها المؤلف من 800 صفحة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية آنذاك بأنها قللت من التهديدات التي وجهت لتلك البعثة من ليبيين معارضين لأميركا.

بعد ست سنوات من ذلك التاريخ سيرشحه ترامب ليرأس وكالة الاستخبارات الأميركية الـ”سي أي إيه” ذائعة الصيت، والتي تركت بصماتها في معظم أنحاء العالم منذ تأسيسها على يد الرئيس هاري ترومان في العام 1947. وفي الـ24 من يناير 2017 يثبّت مجلس الشيوخ الأميركي تعيين بومبيو ليكون بذلك ثالث عضو في إدارة ترامب يوافق الكونغرس على تعيينه.

بومبيو يتفق مع ترامب في معارضته للاتفاق الذي أبرم عام 2015 والذي أقر رفع العقوبات عن إيران مقابل الحد من برنامجها النووي، وقد وعد بدعم ترامب لإلغائه، وكان اقترح في اجتماع مائدة مستديرة عقد في 2014 مع الصحافيين أن تقصف الولايات المتحدة المنشآت النووية في إيران

وهكذا انتقل بومبيو إلى ضاحية لانغلي بولاية فرجينيا التي تبعد 15 كيلومترا عن واشنطن، ليجلس في مكتبه بمبنى الـ”سي آي إيه” هائل المساحة (125 ألف متر مربع) والمحصن بسور يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار تعلوه الأسلاك الشائكة، إضافة إلى الحراسة المشددة على مدار الساعة والكاميرات التلفزيونية التي تلتقط أيّ حركة مشبوهة على بعد المئات من الأمتار فضلاً عن نهر بوتوماك الذي يشكل عائقاً مائياً مثالياً.

قبل أن يولد مايك بومبيو في الـ30 من ديسمبر العام 1963 في ولاية كاليفورنيا بـ17 عاماً كان قد جلس في مكتب مدير الـ”سي أي إيه” الذي تأسس حديثاً ألن دالاس أهم مؤسسي الجاسوسية الأميركية ليخلفه الجنرال فالتر ميث، ثم ليعود ألن مرة أخرى مع مجيء الرئيس دوايت أيزنهاور وتعيين شقيقه جون فوستر دالاس وزيرا للخارجية، تلاه الجنرال جون ماكون ثم الأميرال وليم رايون، وبعده ريتشار دماكجاراه هيلمز وبعده جيمس شلينغر ثم وليم كوربي وأخيرا جون بريتان.

في العام 2013 بلغ عدد موظفي الوكالة ما يفوق الـ21 ألف موظف وميزانيتها 14.7 مليار دولار. يمتد نشاط الوكالة إلى مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى نشاطها داخل الولايات المتحدة. فهي كانت وراء العديد من الانقلابات العسكرية والتصفيات الفردية والجماعية في أميركا الوسطى والجنوبية وغرب أفريقيا والشرقين الأدنى والأوسط.

على الصعيد الداخلي تلعب الوكالة دوراً مهماً في التنظيمات النقابية والثقافية وحركة الطلاب في الجامعات، وهي تستخدم شخصيات ذات كفاءة عالية لتسويق أفكارها ومعتقداتها خدمةً للسياسة الأميركية. كما أنها تملك أحدث وسائل التنصت والتجسس والمراقبة المستمرة فوق الدول المستهدفة مثل الاتحاد السوفييتي سابقاً من خلال طائرات التجسس التي اكتشفت على سبيل المثال أماكن الصواريخ الروسية في كوبا. توظف الـ”سي أي إيه” الدبلوماسيين في سفاراتها وغيرهم من العملاء المحليين بغية الحصول على المعلومات التي تريدها في إطار مخططات عملها.

كلهم إرهابيون

مايك بومبيو يعاني، بحسب وصف مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية، من الإسلاموفوبيا

دلالات مواقف بومبيو السابقة يمكن أن ترشحه لمهمات خطيرة ضد الأقليات الإثنية والعرقية، وخاصة المسلمين، فهو يعاني بحسب وصف مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية من الإسلاموفوبيا، حيث أنه اعتبر زعماء المسلمين في الولايات المتحدة متواطئين مع الجماعات الإرهابية.

أعلن بومبيو بوضوح موقفه ضد الإسلام كدين وضد المسلمين كأشخاص متطرفين في العام 2013 حين قال في أعقاب هجمات بوسطن التي وقعت في شهر أبريل من نفس السنة وأدت إلى مصرع ثلاث ضحايا وسقوط مئتين وستين مصاباً من المدنيين الأميركيين “عندما تأتي الهجمات الإرهابية الأشد إيذاء لأميركا في العشرين عاماً الأخيرة من قبل أتباع دين واحد، ويتم تنفيذها باسم ذلك الدين، فإن هنالك التزاماً خاصاً يقع على عاتق قادة ذلك الدين، لكنهم بدلاً من أن يردّوا بإدانة الهجمات، فإنهم سكتوا، وسكوت هؤلاء القادة الإسلاميين في مختلف أنحاء أميركا يجعل منهم متواطئين مع هذه الأفعال، والأهم من ذلك الأحداث (الإرهابية) التي ستليها”.

تلك التصريحات الخطيرة لعضو مجلس النواب بومبيو آنذاك، وصفها مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في رسالة بعث بها إليه يوم الـ12 من يونيو 2013 بأنها خاطئة وغير مسؤولة. وأكد أن القادة الإسلاميين في الولايات المتحدة أدانوا هجمات بوسطن بعد ساعات من وقوعها. وعلى الرغم من أن بومبيو أصدر لاحقا تصريحات تميز بين المسلمين والتطرف، فإن الحقوقيين ما فتئوا يعبّرون عن مخاوفهم مما قد يقدم عليه بومبيو بحق المسلمين والمهاجرين بعد ترؤسه الاستخبارات المركزية الأميركية.

هذه الوكالة التي سيناط بها تنفيذ أوامر ترامب الخاصة بترحيل الملايين من المهاجرين غير الشرعيين، إضافة إلى مراقبة كل نشاط للمسلمين في الولايات المـــتحدة والتـعامل معهم بصرامة، وكذلك منع المسلمين القادمين من خارج أميركا من دخولها حتى لو تم ذلك تحت مظلة القانون والدستور الأميركيين. زد على ذلك منع وصول المزيد من اللاجئين الفارين من جحيم بلدانهم، وستكون على بومبيو مراقبة تنفيذ بناء الجدار العازل على حدود المكسيك إلى أن يصير أمرا واقعا في حال مضى ترامب في تنفيذ وعده الانتخابي وأقره الكونغرس.

لنقصف إيران

النفوذ الذي تتمتع به الـ«سي آي إيه» داخل أميركا لا يقل خطورة عن ذاك الذي منح لها في الخارج، فعلى الصعيد الداخلي تلعب الوكالة دورا مهما في التنظيمات النقابية والثقافية وحركة الطلاب في الجامعات، وهي تستخدم شخصيات ذات كفاءة عالية لتسويق أفكارها ومعتقداتها خدمة للسياسة الأميركية

بومبيو كان من أشد المعترضين على أوباما في إغلاق سجن غوانتنامو في كوبا الذي أقامه جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر في العام 2001. لكنه أيّد أوباما في قراره المتشدد من استخدام الأسد للسلاح الكيميائي، وطالب يومها بضرب رأس النظام إن رفض تسليم الأسلحة الكيميائية التي بحوزته.

وهو يتفق مع ترامب في معارضته للاتفاق الذي أبرم العام 2015 والذي أقرَّ رفع العقوبات عن إيران مقابل الحد من برنامجها النووي، ووعد بدعم ترامب لإلغائه، وكان اقترح في اجتماع مائدة مستديرة عقد في 2014 مع الصحافيين أن تقصف الولايات المتحدة المنشآت النووية في إيران.

كما يتفق بومبيو مع ترامب في معارضتة لتنظيم الانبعاثات المتسببة في الاحتباس الحراري للحد من توسع ثقب الأوزون في الغلاف الجوي وتأثيره على المناخ، بينما شكلت وكالة المخابرات الأميركية في عهد أوباما مركز مهمات للقضايا الدولية يرصد الاحتباس الحراري بصفته تهديدا للأمن الأميركي.

لا يمكن في النهاية أن نجزم بأن بومبيو سيستمر في مواقفه السابقة، كما حال ترامب أيضاً، فهناك دائماً من يلجم الاندفاعات الخطيرة التي تتعارض مع الدستور الأميركي سواء عن طريق مجلسي الشيوخ والنواب، أو بواسطة المحكمة العليا، وأيضاً من خلال مواقف الملايين من الشعب الأميركي الذي عبّر ويعبر عن غضبه من بعض قرارات ترامب والتي يرى فيها خطورة على القيم والمبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة.

13