مايك لي.. تعرية حالة العصاب الاجتماعي

الأحد 2015/08/23
مايك لي.. الواقعي الملتزم بالقضايا الاجتماعية

ينتمي مايك لي إلى جيل من المخرجين البريطانيين يوصف بأنه “جيل الالتزام بالقضايا الكبرى”، يضم كن لوتش وبيتر غريناواي ونيكولاس روج وستيفن فريرز وآلان باركر ورولاند جوفي وغيرهم. هذه “القضايا الكبرى” يمكن أن تأتي على المستوى الاجتماعي- السياسي، أو على المستوى الفلسفي، يفصل بين المستويين خيط رفيع، يسمح بالتداخل أحيانا والانتقال من الواقع إلى الفلسفة، ومن التعبير الفلسفي إلى الوصف الاجتماعي، يتخذ عند غريناواي مثلا سمة البحث الشاق عن تلك الصلة الغامضة بين الجنس والموت، وعند مايك لي البحث عن معنى الوجود ومغزى الانتماء في ظل واقع اجتماعي وسياسي يشي بالتدهور، حيث يصبح الاغتراب الطبقي معادلا للاغتراب الروحي وموازيا له.

من ناحية الأسلوب، يلتزم مايك لي بالواقعية التي تعتمد على سيناريوهات محكمة، أساسها الشخصيات المرسومة جيدا، مع بعض لمحات من الكوميديا السوداء، وأحيانا أيضا لمسة ميلودرامية، تتفجر الكوميديا من التناقض بين الشخصيات، وتبدو الميلودراما دائما محكومة، يمكن قبولها والاستمتاع بها في إطار اكتشاف حالة “العصاب” الاجتماعي التي يعرّيها مايك لي عادة في معظم أفلامه.

آمال كبيرة

عاد مايك لي إلى الأضواء عام 1988 بفيلم “آمال كبيرة” حينما كانت السينما البريطانية تواجه أسوأ أزماتها، بعدما تعرضت له من إهمال كبير خلال سنوات حكم حزب المحافظين تحت زعامة مرغريت تاتشر، وكانت قد فقدت جمهورها، واتجهت، خلال محاولتها لاستعادة الجمهور، إلى إنتاج الأفلام الهروبية. وكان الفيلم هو الأول الذي يخرجه مايك لي للسينما منذ عام 1971.

كان معظم المخرجين البريطانيين في الثمانينات، قد هجروا السينما إلى التليفزيون الذي كان يدعم إنتاج أفلام “طليعية” تتحرر من الشروط المعقدة لشركات الإنتاج السينمائي، وهي شروط “تجارية” تسعى إلى إخضاع الجماليات لمقتضيات السوق، إلا أن مايك لي قطع الطريق العكسي، فبعد أن أخرج أول أفلامه السينمائية عام 1971 وهو فيلم “لحظات تشاؤمية” اتجه للعمل في التليفزيون لسنوات طويلة، لكن قبل أن يعود للسينما عام 1988 بفيلمه “آمال كبيرة” الذي برزت فيه ملامح أسلوبه، قبل أن يمد تجربته على استقامتها ويقدم بعد ذلك فيلمه الشهير “الحياة حلوة (1990)، ثم “عاري” (1993)، ثم “أسرار وأكاذيب” (1996)، ثم تتوالى أفلامه وصولا إلى التحفة الكبرى التي يصل فيها إلى ذروة أعماله كمخرج وفنان متميز في التعامل مع الممثلين بوجه خاص، أي فيلم “عام آخر” (2010).

الفيلم يعد المرجعية الأولى لكل أفلام مايك لي، وفيه يتناول الذاتي والاجتماعي، ولكن على صعيد يتجاوز محاولة برتولوتشي في التوفيق بين الفرويدية والماركسية

في “آمال كبيرة” يبحث لي تلك التناقضات الكامنة تحت قشرة المجتمع البريطاني في ذروة سنوات التاتشرية، مبرزا كيف شوهت تقاليد الطبقة العاملة وأفكارها وأصبحت أكثر اغترابا، وكيف بدأ زحف القيم الجديدة للأثرياء الجدد (أثرياء حقبة تاتشر)، تهدد الفقراء وتدفع بهم إلى الهامش أكثر فأكثر، وكيف يتبدى الحرمان، ويلوح التطلع اليائس إلى مكان ما على خريطة المجتمع، وكيف ينعكس هذا التشتت على التماسك النفسي والاجتماعي، ويصبح البحث عن الحب الحقيقي معادلا للتماسك النفسي واليقين الروحي، ثم كيف ينعكس ضياع الحلم الاشتراكي القديم في إقامة الجنة العادلة بعد غروب “الماركسية” على أبنـاء الطبقـة العاملـة، ولكن دون فقدان الأمل.

يعد هذا الفيلم المرجعية الأولى لكل أفلام مايك لي، وفيه يتناول الذاتي والاجتماعي، ولكن على صعيد يتجاوز محاولة برتولوتشي في التوفيق بين الفرويدية والماركسية. فمايك لي يبحث فيما وراء الفرويدية والماركسية معا، في فكر اليسار الأوروبي الجديد بعد 1968، أي بعد انتحار الأفكار الماركسية التقليدية الجامدة، وبعد أن برزت الحاجة الملحة إلى البدء من الداخل أولا، من الذات ومن الفرد ومن النفس البشرية بمكوناتها الأولية في علاقتها بمحيطها البسيط، أي الأسرة. وسيعود جوهر فكرة الأسرة لكي يشغل لي في أفلامه التالية وأبرزها “أسرار وأكاذيب” (1996).

في “آمال كبيرة” سبع شخصيات رئيسية هي سيريل وشيرلي، وأمّ سيريل وشقيقته، وزوجها، وجار الأم وزوجته. سيريل وشيرلي ثنائي يقيم معا بإحدى شقق البلدية الباردة العارية من الأثاث تقريبا في أحد أحياء لندن التي كانت تعد من الأحياء العمالية الشهيرة تاريخيا. لكن الاثنان يشعران بالدفء بفضل الحب الكبير الذي يجمعهما.

وينتمي الاثنان إلى جيل الهامشيين الجدد في المجتمع البريطاني، أي ذلك الجيل الذي استيقظ فجأة ليجد ثورته قد توقفت أو سرقت منه، وأن حلمه قد أصبح في مهبّ الريح بعد أن أًصبح محاصرا من قبل أولئك الذين صعدوا بفضل السياسة التاتشرية التي تمثلت في تدمير الحركة العمالية والنقابية، ورسّخت فكرة التملك بأيّ وسيلة، وقلصت دور الدولة في حماية الفرد.

فيلم "عاري" أكثر أفلام مايك لي بلاغة في الأسلوب

الحياة حلوة

في عام 1990 يفاجئنا مايك لي بفيلم آخر من أكثر الأفلام البريطانية شجاعة وجرأة وتميزا في الأسلوب والأداء هو فيلم “الحياة حلوة”، وهو عنوان ساخر، فالفيلم يدور في أوساط الطبقة العاملة التي تقاوم كل أشكال الهدم التي فرضت عليها فرضا في مجتمع كان يتجه خلال الحقبة الطويلة التي سيطر فيها المحافظون على الحكم، نحو تمجيد القيم الفردية والإعلاء من شأنها، وتكريس فكرة الكسب بشتى الطرق، والتملك بأيّ ثمن، وشحن أفكار الناس بأحلام الصعود من خلال “المشروع الخاص” أو “البيزنس″، وإهمال التعليم، وتجاهل الجيل الجديد الذي بلغ بالفعل أعتاب اليأس.

ورغم القسوة الشديدة التي يتناول من خلالها المخرج واقع أسرة من الطبقة العاملة البريطانية ويوجه لها نقدا حادا، إلا أنه يبدي تعاطفا واضحا مع شخصيتي الزوج والزوجة، خاصة الزوجة التي يرمز من خلالها إلى بقايا القيم الأصيلة التي تميز الطبقة العاملة. ولا ينتهي الفيلم بانفراج أزمة الشخصيات بل بما يوحي باستمرار الفشل في مجتمع فقد البوصلة وفقد اليقين بالحاضر.

تعرية جيل جديد

كان فيلم “عاري” (1993) نقلة كبرى في مسيرة مايك لي السينمائية، إنه فيلم واقعي ومضاد للواقعية في آن. وهو عن البطل- الفرد، لكنه البطل-اللابطل، أو نقيض البطل وعن لندن-المدينة، لكنه أيضا فيلم عن العالم، وعن ذلك الإنسان الجديد في العالم الجديد الذي أصبح يتشكل بعد سقوط الكثير من المفاهيم بعد زوال حلم الاشتراكية مع انهيار الاتحاد السوفيتي. لكن الفيلم يعبّر أيضا عن البحث الشاق عن بناء كيان جديد على أنقاض القديم.

مايك لي يستمد أفكاره من المسرح والشعر ومن الأدب والفلسفة العدمية “الكلبية”، يجسد الحلم وانهيار الحلم، وهنا يصبح اهتزاز الكاميرا وتلك الطبيعة الشاحبة بألوانها الباهتة، تعبيرا عن صورة الواقع الكئيب كما يراها. إن هذا الفيلم امتداد إلى التسعينات من فيلم “تكبير الصورة” لأنتونيوني من الستينات، و”يالك من رجل محظوظ” للندساي أندرسون من السبعينات.

رؤية مايك لي رؤية أصيلة تميز كل أفلامه بواقعيتها الصارمة إنه يجيد رسم دقائق وتفاصيل الحياة في الأسرة الإنكليزية بكل تناقضاتها وعذاباتها

إنه يرصد رحلة بطله العدمي الذي ينتقل من مدينة مانشستر إلى لندن، هربا من السجن، وبحثا عن التحرر المطلق لا لكي يفعل شيئا بل لكي يدمر نفسه والآخرين من حوله إذا أمكن. إنه سباستيان ابن التسعينات.. الذي يرتضي بالسقوط، لا يهمه أن يدفع مصيره بيده نحو الهاوية. إنه نتاج مجتمع البطالة والتشرد والحرمان، انتهازي حتى النخاع، على العكس من بطل أنتونيوني في “تكبير الصورة” الذي كان نتاجا لمجتمع الوفرة، باحثا بلا جدوى عن الحقيقة. سباستيان أيضا مثقف هجر مهنة التعليم واختار طواعية السقوط عن طريق الإغراق في الأكل والجنس والمخدرات ومعاشرة كائنات العالم السفلي. وهو سينقل عدوى السقوط إلى غيره أيضا مستهينا بكل أشكال العمل وقيم لم بعد يؤمن بها. لكن ليس أفضل من ابن الطبقة الجديدة في مجتمع تاتشر الذي لا يتميز عنه سوى بامتلاكه المال وقدرته على ابتزاز من هم أقل منه.

فيلم “العاري” تحفة ربما لم يبلغها مايك لي من قبل ولا من بعد، وهو على المستوى البصري عمل شيق يغوي أي باحث في السينما بسينمائياته المدهشة. إنه رحلة “أبوكاليبسية” تجمع في طياتها كل شيء: الفرد والمجتمع، الطبقة والطبقة الجديدة، والقيم الجديدة-القديمة، الضحك والبكاء، المرض والإيذاء الجسدي والنفسي، البدء والمنتهى معا. ويصبح انهيار العالم في النهاية ناتجا -ليس عن قوة سحرية جبارة- بل عن انهيار الإنسان نفسه كما يؤكد مايك لي، ولن يصبح ممكنا إصلاح الأمر سوى بعد أن يستيقظ الإنسان من غيبوبته الطوعية!

أسرار وأكاذيب

في عام 1996 حصد مايك لي السعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه “أسرار وأكاذيب”، وكان قد حصل على جائزة الإخراج عن “عاري”. “أسرار وأكاذيب” مزيج من الكوميديا والتراجيديا من خلال الواقعية الرصينة التي تتوقف أيضا أمام التيمة الأثيرة لدى المخرج، أي “تيمة” العائلة، باعتبارها الأصل، أصل المجتمع الكبير. إنها صورة مصغرة لهذا المجتمع. وفي القلب من الأسرة هناك شخصية الأم سينثيا (بريندا بليثين) وهي امرأة في الأربعينات من عمرها تعاني من العصاب الذي يصيب النساء بعد عبور منتصف العمر، متوترة، تدخن بشراهة، يتحاشاها الجميع بسبب تعليقاتها وتدخلها فيما يعنيها ولا يعنيها.

فيلم "أسرار وأكاذيب" وصدمة معرفة الحقيقة الغائبة
هذه أسرة مضطربة، مفككة، غير سعيدة، تعاني من عدم التحقق. ولدى سنثيا ابنة شابة فاشلة في العمل والحب. الشخصية المحورية التي تقلب الدراما رأسا على عقب، هي “هورتنس” الفتاة السوداء المتعلمة، التي تتمتع بوظيفة جيدة، وهي تكتشف أن أمها الحقيقية “سينثيا”، أنجبتها من علاقة عابرة في الماضي البعيد.

من هذا المأزق العبقري، تتفجر الدراما، تظهر كل تناقضات الأسرة وضعفها وهشاشة العلاقات في داخلها. فنموذج هورتنس الناجح المتماسك الأكثر تحققا -رغم الافتراض المسبق بضرورة أن تكون هي “الأدنى” بسبب لونها- يكشف الخلل الكامن، ويتناقض مع تلك الهالة السطحية التي تجعل الشخصية الإنكليزية تتباهى بتفوقها على سائر الأجناس. إنها معالجة عصرية لموضوع العنصرية ولكن من داخل الذهنية السائدة في الأسرة الإنكليزية.

عام آخر

وتتبدى حالة العصاب كأوضح ما يكون، في فيلم “عام آخر”. هنا، مرة أخرى، من وسط الطبقة الوسطى الإنكليزية، يلتقط مايك لي شخصيات عدة، تجسد هواجس النجاح والفشل، النجاح الذي يخلق علاقة طبيعية صحية بين جيل الآباء وجيل الأبناء، والفشل الذي يجعل هذه العلاقة يشوبها التوتر وانعدام الثقة بل وقدر من العداء.

رؤية مايك لي، رؤية أصيلة تميز كل أفلامه بواقعيتها الصارمة، إنه يجيد رسم دقائق وتفاصيل الحياة في الأسرة الإنكليزية، بكل تناقضاتها وعذاباتها ومشاعرها المعلنة والخفية، يريد أن يؤكد على نغمة أساسية هي أن التحقق يكمن أساسا في قيمة ما يقدمه المرء للآخر، من مساعدة ومساهمة في المجتمع، وما يضيفه من عطاء للعالم.

ولذا فإنه يجعل الطبيبة النفسية، هي الأقدر على فهم لحظات الضعف الإنساني والأكثر قدرة على مدّ يد العون والمساعدة، دون أن يعني هذا أنها بذلك تخلي الفرد من مسؤوليته. مايك لي الذي تجاوز الثانية والسبعين، سيظل ملهما لأجيال كاملة من السينمائيين البريطانيين الشباب، فهو قد حافظ على ذلك التوازن الدقيق بين الفكر السينمائي المتقدم، واللغة الرفيعة، والقدرة على التأثير. وذلك ليس بالأمر الهين ولا البسيط!

16