ماينوتور جديد يحكي تاريخ لبنان الحديث

"فطير الشرق".. رواية عن جسد العروبة المُسجّى في متاهات عبثية.
الأربعاء 2020/04/01
بطل مركب في واقع غريب (لوحة للفنان باسم دحدوح)

يُمكن أن تحمل الرواية رؤية مستقبلية أو تُمعِن النظر في الحاضر وجذوره التاريخية لتستقرئ أبعاده، فالعمل الروائي الجيّد لا يُكتب بغية تزجية الوقت، وإنما تكمن وراء الحيوات الروائية نظرة مُتمعنة تخبرنا عن أنفسنا، وتكون سبيلنا لإحراز العين الأخرى والأسلوب المتجرد لرؤية أنفسنا كما تقول الروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

في روايته “فطير الشرق” يُسائل الروائي والشاعر اللبناني سامي معروف جُملة من الأزمات التي تُكبِّل الجسد العربي منذ عقود لاسيّما تلك المُنطلقة من مُقدّسات دينية، ومن خلال قصة بطل الرواية “غازي” يستعرض الكاتب فصولًا من تاريخ لبنان الحديث منذ السبعينات بالتركيز على الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومن قبله مجزرة تل الزعتر، وما فعلته الطائفية المقيتة بجسد وطنه لبنان.

من خلال عنوان روايته “فطير الشرق”، الصادرة حديثًا عن دار سائر المشرق للنشر والتوزيع، يُحيل الكاتب إلى قصة الفطير المقدس “فطير صهيون”، الذي يشير إلى التقليد اليهودي المقتضي عجن دقيق عيد الفصح بدم ضحية بشرية من أبناء الديانات المُخالفة، وهو الفطير ذاته الذي يُنتجه الشرق في الوقت الحالي مُختلطًا بدماء المشاحنات والاختلافات المُنطلِقة من مُقدسات دينية.

ماينوتور جديد

يشرع الكاتب في تأسيس روايته عبر بداية بوليسية مشوقة؛ قصة حب سرعان ما تنتهي نهاية مأساوية على إثرها يتقرر مصير بطل الرواية ومسار حياته برُمّتها؛ قصة حب ريمان أخت البطل غازي لزهير الطويل ذلك الشاب العصاميّ، والتي تنتهي بواقعة اغتصابه لها وانتحارها لاحقًا بعد فترة مأساوية قصيرة. جراء تلك الحياة المغدورة والمصير المأساوي الذي انتهت إليه ريمان يُنذر غازي موسى حياته للانتقام من قاتل ومُغتصِب أخته مهما كلفه الأمر.

سيرة حياة بطل الرواية غازي التي تنتهي بالسجن بعد قتله لزهير الطويل هي صورة لتحولات ذلك الوطن؛ لبنان، منذ السبعينات وما تأسس فيه من صراعات مذهبية وما شهده ذلك الوطن من ويلات جراء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، الصراعات السياسية والحسابات الدولية والإقليمية، الصراعات في جنوب لبنان والمعارك بين المقاومة اللبنانية والفلسطينيين، وبين إسرائيل وحلفائها. فضلًا عن حرب تموز 2006 بين قوات حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي، ومن ثم هي سيرة وطن أنهكته الصراعات والانقسامات والمُتناقضات التي تحل في جسد واحد.

اهتم الكاتب بتفاصيل ودقائق السرد في الفصلين الافتتاحيين، فجاء انسيابيّا ومُرهفًا به قدر غير قليل من اللغة الشاعرية وخيوط من التشويق الهادفة لإبقاء القارئ في دائرة مُتابعة ما ستسفر عنه أحداث الرواية، بيّد أن تلك الانسيابية في السرد استحالت إلى شكل من التكلس بدءًا من الفصل الثالث مع النزوع نحو السرد المُباشر على لسان الراوي العالم الذي يستأثر بالحديث عن الشخصية الرئيسية “غازي” وحياتها وطبائعها وسلوكها دون أن تُمنح المساحة الكافية أو المُلائمة للشخصية لأن تُخبِر عن نفسها أو أن تُخبر مسيرتها عنها.

الكاتب يستند إلى أسطورة الماينوتور الإغريقية ليقارب بين حالة البطل الروائي ووطنه وأهله وحالة الوحش الإغريقي
المينوتوروس في الميثولوجيا الإغريقية القديمة مخلوق خيالي مركب من مزيج إنسان وحيوان

يستند الكاتب إلى أسطورة الماينوتور الإغريقية ليقارب بين حالة البطل الروائي ووطنه وأهله وحالة ذلك الوحش الإغريقي. “تشابه غريب بين الماينوتور وغازي، بين الماينوتور وبيت غازي، ووطن غازي وعروبة غازي. كان في غربة عن الجميع كأنه بيضة نَسر فقست في خُم الدجاج”، ذلك التشابه يُلاحظ في الطبيعة والتركيب والمصير، وهو ما يُفصله الروائي باستفاضة في المقال الذي ختم به عمله الروائي، والذي يُمكن اعتباره المانيفستو الذي يعلن به الكاتب عن رؤاه ورسالته وأفكاره المُدمجة في الرواية.

المينوتوروس في الميثولوجيا الإغريقية القديمة مخلوق خيالي مركب من مزيج إنسان وحيوان، نصفه رجل والنصف الآخر ثور وهو وحش أسطوري مخيف كان يأكل البشر فصنع له المهندس المعماري ديدالوس متاهة عملاقة قريبة من قصر الملك مينوس أسر فيها الوحش الماينوتور، فبقي فيها عاجزا عن الخروج لكنه أضحى في متاهته مذبحا دائما للأضاحي البشرية في الحروب الانتقامية بين ملك أثينا والملك مينوس إلى أن حرر ثيسيوس ابن ملك أثينا بلاده من عهد الذل لكريت وملكها بقتل ذلك الوحش، ومن ثم فهو  كائن مهجن يختلط الحيواني لديه بالإنساني، كما أنه مأسور في متاهة عملاقة كخلاص من وحشيته، وهلاكه جاء على يد بطل غريب بضربة مُحكّمة.

 هذه النقاط  كما يوضح الروائي في المقال الأخير بالرواية هي أساس تركيبة الماينوتور الثاني الراهن؛ فالعروبة هي الشخصية العربية الراهنة التائهة في بقاعها الخاوية التي تقمص بدنها العليل روحان متناحران: السنة والشيعة، وأخذ شكل حروب ومآس دموية، وهو ما أدخلها في دومات من المتاهة وبقي أن ننتظر الماينوتور الجديد صاحب الضربة القاضية في عمق المتاهة العبثية.

لفيف من العقد

من جهة أخرى، فغازي هو تركيبة عصيّة على التصنيف المذهبي الواضح، فهو لم ينتم لعقيدة أو تيار فكري بعينه، وهو ابن لأب سُني وأم شيعية، عمّده أبوه في طفولته تأسيا بالشاعر مارون عبود الذي سمى ابنه محمد، ومن ثم فقد كان مرفوضًا من السُنّة لأن له أصلًا شيعيًا ومرفوضًا من الشيعة لأن له أصلًا سُنيًا، تلك الحالة من التجاذبات عاينها البطل كما وطنه منذ الطفولة وشبّ في غُمرة الخلافات طويلة الأمد والتنازعات المُتطاحنة.

الكاتب يستند إلى أسطورة الماينوتور الإغريقية ليقارب بين حالة البطل الروائي ووطنه وأهله وحالة الوحش الإغريقي
الكاتب يستند إلى أسطورة الماينوتور الإغريقية ليقارب بين حالة البطل الروائي ووطنه وأهله وحالة الوحش الإغريقي

تتابع سيرة حياة غازي بدقائق تفاصيلها المُختلطة بسيرة الوطن في لحظات حرجة عبر الصفحات التي يكتبها الطبيب مجد الخال، المتابع النفسي لحالة غازي عقب القبض عليه إثر جريمة القتل التي ارتكبها، والذي يروي حكايته ليسجلها في رواية يكتبها. ذلك الاختيار من قبل كاتب الرواية هو ما وضع حبكة الرواية في حالة من الارتباك وعدم المنطقية والتشتت في أحايين كثيرة، فكان طُغيان السرد السياسي على حساب النظارة النفسية التي من المُفترض أن الراوي يرى الشخصية من خلالها أحد الهنات التي وسمت السرد المتتابع في الرواية.

فيما أوغل الكاتب في تبيان تفاصيل ودقائق اللحظات وقت القصف الإسرائيلي للبنان ووصف للحياة في ظل القصف المتتابع، نجد أن ملامح شخصية غازي النفسية توارت وراء تتابع السرد السياسي عن الصراعات المذهبية والاجتياح الاسرائيلي للبنان، وربما الكثير من التفاصيل لم تكن ذات جدوى في تبيان الجانب النفسي لذلك البطل وإنما هي توصيف لتفاصيل دقيقة من الصراعات الحزبية والمذهبية على حساب الجانب النفسي الذي جاء مُقتضبا ومباشرًا وإخباريًا، فعوضا عن الربط بين كل حدث وأثره النفسي، كان ثمة انفصال بين الجانبين السياسي والنفسي، فشرع الكاتب في مُتابعة التفاصيل السياسية الدقيقة ثم تبعها بفقرات مُباشِرة عن العُقد النفسية التي يُعاني منها البطل دون دمج أو تزامن بين الجانبين.

يذكر الكاتب في فقرة واحدة أن غازي بطل الرواية كان “لفيف من العقد النفسية بين عقدة أطلس وعقدة جوناس فالمستقبل ثم برجوديس وأخيرا عقدة المسيح المُخلّص إلى جانب شعور مفرط بأنه نبي مضطهد من بني قومه” دون أن يصور لنا كيف عانى بطله من كل تلك العقد في آن واحد، فلم نعرف مثلا كيف لعقدة مثل برجوديس أن تتحقق في شخصية غازي، تلك العقدة التي تتعلق بإضمار الشخص لكراهية شديدة لكل المخالفين له في الانتماء الطائفي أو الديني، وقد ذكر الكاتب عنه آنفًا أنه شخصية مُسالمِة لا تؤمن بمثل تلك المشاحنات، ولم يُصور الكاتب كيف لغازي أيضًا أن يكون مُصابًا بعقدة جوناس، وأي نمط من الاعتمادية قد أوقعه في شباك تلك العقدة، ثم كيف يكون اعتماديًا وفي الوقت ذاته يطمح لأن يكون المسيح المُخلص، تلك التفاصيل النفسية التي ذُكرت في فقرة واحدة على هامش السرد السياسي المُفصل كان من الأحرى أن تحتل واجهة السرد طالما أن الكاتب قد اختار أن يأتي عبر نظارة الطبيب النفسي.

وما يعزز من القول بصعوبة تحقق عقدة مثل برجوديس عند غازي هو تلك الآراء المُعلنة بوضوح له في الرواية، منها ذلك البحث الذي قدمه حول مسألة الطائفية السياسية في لبنان، واعتبر فيه أن الحل يرتكز على نقطتين: الأولى محو الطائفية من النصوص والثانية وضع الطوائف جميعا تحت سيف القانون، فضلًا عن المقال الأخير الذي تحدث فيه عن لعنة الماينوتور الجديد الذي أدان فيه التناحرات في الجسد الواحد بين المسلم السني والشيعي.

من جهة أخرى، فقد أضرّت حدة السرد السياسي بكفاءة رسم الشخصيات والعناية بملامحها النفسية والاجتماعية، فذلك الطبيب النفسي الذي من المفترض أنه يروي سيرة غازي للقارئ منذ الطفولة لم نعرف عنه سوى أنه “شاب لطيف المحيا لم يتجاوز الأربعين من عمره”، وأنه “آلى على نفسه منذ اندلاع الحريق السوري أن يتابع السجناء الأكثر خطرًا وإرهابا”. ولم يسمح الروائي قط بإجراء مناقشات حيّة بين ذلك الطبيب والمريض الذي يعالجه، وإنما اكتفى بسرد تتابعات سيرة غازي كما يكتبها الطبيب في رواية. فبات هناك انفصام بين ما يُصر الكاتب أن يُخبر عنه، وما يود أن يُقنع القارئ أنه في أولوية اهتمام سرده. فما عرفناه من آراء غازي وأفكاره السياسية يتجاوز بمراحل ما نعرفه من تفاصيله النفسيّة التي ربما كانت الحوارات الحية المُفتقدة هنا ستسمح لها بنوع من التدفق السلس والجذّاب.

 

14