ماين كرافت المتهمة ببرمجة عقول الأطفال

الأحد 2015/11/22
لعبة يقضي مئات الملايين من البشر وقتهم في عالمها كل يوم

إسطنبول - كان علينا أن نأخذ الصغير إلى الطبيب النفسي مرّة ومرّتين، وأن نعود خائبين من الظنون بأنه مريض، وأن نراقب انشغاله لساعات طوال على الحاسوب، وأن نشاهد فرحه بما صنعه في لعبة “ماين كرافت” كي نتجاوز فكرة كرّستها لدينا النصائح المتداولة بكثرة عن التأثير السيء للألعاب الإلكترونية على أدمغة الأطفال.

في البداية نصحنا الطبيب الشاب بأن نراقب سلوكياته، وبعد ذلك طلب منا معرفة الألعاب التي يلعبها، وفي الحقيقة كان شكل القطع المكعّبة التي تتشكل منها الكائنات في “ماين كرافت” غير مستساغ في البداية، فكل شيء هنا مبني ومهندس من قطع مكعّبة، وكل قطعة يمكن لها أن تتحرك وفق مسارات مفصلة وفق هذا التكعيب، ولكن شيئاً فشيئاً ومع تأمل تفاصيل البناء الذي يبذل اللاعب الجهد من أجل إتمامه، كان من الطبيعي أن تصبح المنتجات في اللعبة قريبة ومحببة. الطبيب الذي قام بدراسة اللعبة وتأمّل في تفاصيلها وتابع ملفاتها، قال لنا: عليكم أن تنسوا فكرة المرض والإدمان، إنها لعبة مفيدة قبل أن تكون مسلّية، وربما بعد فترة ستصبحون أنتم الكبار جزءاً من عالم محبيها.

عوالم الأطفال

بدأت هذه الحكاية في العام 2010، أي بعد سنة من إطلاق لعبة ماين كرافت عالمياً، ولم تنته حتى اللحظة، لم نصبح من اللاعبين كما توقع الطبيب، ولكننا لم نعد نستغرب وجودها كشيء أساسي في عالم طفلنا، وفي عوالم غيره من أطفال العالم، لا بل إن الأشكال التي كنا نراها قبيحة صارت أكثر ألفة، وبدلاً من أن يكون العالم المادي الحقيقي هو الأنموذج الوحيد للتعلم، صار من الممكن أن يكون العالم الذي يتم تخليقه وتشكيله عبر الألعاب واحداً من آليات التعليم والتعلم، خاصة إن كانت اللعبة تعتمد على قدرة اللاعب على الإنشاء والبناء من نموذج لعبة ماين كرافت.

بنيت هذه اللعبة التي كتبت بلغة الجافا بواسطة المطور السويدي ماركوس بيرسون الذي أصبح يلقب باسم نوتش، على نقاط أساسية في تكوينها، فهي وبحسب التفاصيل عنها، “تركز على ناحية الإبداع عند اللاعبين وتسمح لهم ببناء أبنية منوعة باستخدام مكعبات برسومات وألوان مختلفة في عالم ثلاثي الأبعاد” إذ على اللاعب أن يقوم ببناء مأوى له قبل أن يحل الظلام الذي تأتي فيه الوحوش..! كما أن عليه أن يحفر داخل منجمه الخاص وأن يحصل على الألماس وأن يطور نفسه وأن يختم اللعبة.

المطور السويدي ماركوس بيرسون كتب اللعبة بلغة الجافا

إنها وكما تتحدث عنها المواقع التسويقية بوابة “تعتمد على الإبداع البحت في تصميم وعمل الأشكال والمباني الضخمة، هنا لا يوجد شيء يقيدك، فأنت في اللعبة حر وهذه الأمر يعطيك حرية البناء في أيّ مكان تريده؛ في البحر، على جزيرة، أو اليابسة، ولا بد لك من بناء منزل لك، خاصة في ليلتك الأولى في عالم اللعبة، حتى تستطيع النجاة والاستمرار في اللعب”.

اللعب للبقاء على قيد الحياة

اللعبة التي تتالت إصدارات عديدة منها منذ تاريخ إطلاقها، تتكوّن في نسختها الأخيرة من خمسة أنواع للعب، الأول ويسمى سيرفايفال، أي البقاء على قيد الحياة، حيث يجب على اللاعب أن يراعي التفاصيل التي تبقي على حياته، ليعيش خلال هذا العالم، كما يجب عليه أيضاً تجميع مواد البناء إذا أراد أن يبني أبنية مختلفة.

أما النوع الثاني فيدعى كرياتف، أي الإبداع، فهو يعطي اللاعب عدداً لانهائياً من المواد للبناء، دون الحاجة إلى جمعها، كما يمنحه القدرة على الطيران في كل مكان، ويعتبر البعض أن هذا النوع هو الأهم في اللعبة حيث “تمتلك كل شيء؛ الطعام والسلاح والأحجار بأنواعها والزينة والأشياء الثانوية، وكذلك تستطيع الطيران، وكل ما عليك هو البناء والإبداع في اللعبة من التجربة الشخصية”.

أما الثالث فهو هارد كور، أي المخصص للاعبين المحترفين، حيث تزداد صعوبة اللعبة، وتصبح الخسارة محفوفة بحذف كامل لكل ما تم بناؤه من تشكيلات وأبنية وكائنات، إذا انتهت نقاط حياة اللاعب ومات، أما الرابع فيدعى أدفينتور، أو المغامرة حيث لا يمكن كسر أي شيء.

أما النوع الخامس فيسمى سبيكتيتور، وهو نوع المشاهدين الذين لا يستطيعون فعل أي شيء، سوى الطيران ومشاهدة اللاعبين.

ماين كرافت تعتمد على الإبداع في تصميم وعمل الأشكال والمباني الضخمة

جاذبية ماين كرافت

يحلل المسوقون سر جاذبية اللعبة بعدة نقاط، أولها أنها لا تكرّس انغلاق اللاعب على نفسه، بل إنها تتيح له اللعب بحرية مع الأصدقاء والعالم الخارجي، حيث يمكن مساعدة الأخرين حتى في البناء، كما أن التعرف على أصدقاء جدد سهّل جداً في اللعبة، لأنها تشكل عالما مفتوحا، وللاعب الحرية في كل شيء.

كما أن التحكم في اللعبة سهل جداً حيث “تتواجد على الشاشة أسهم، وبالضغط في منتصفها يستطيع اللاعب الطيران إلى أعلى وإلى أسفل، بالإضافة إلى أن الأدوات التي يحتاجها متوفرة في شريط آخر أسفل الشاشة، ويمكن الوصول إلى مخزن الأشياء المطلوبة عن طريقه أيضاً”.

هذه اللعبة البسيطة والتي رأى فيها الكثيرون تمثيلاً افتراضياً للعبة الليغو العالمية، اكتسحت العالم منذ ست سنوات حتى الآن، فقد ذكرت مواقع أنها باعت بحلول العاشر من أكتوبر 2014 نحو ستين مليون نسخة على مختلف المنصات، الأمر الذي جعلها إحدى أفضل ألعاب الفيديو مبيعاً في التاريخ. وفي 25 فبراير 2015 وصل عدد المستخدمين المسجلين في اللعبة مئة مليون شخص. بينما يقوم بلعبها عشرات الملايين من الأشخاص حول العالم مستخدمين نسخاً مقرصنة.

ولهذا كان يكفي أن يكتب مصمّمها السويدي ماركوس بيرسون ـ نوتش، تغريدة واحدة على تويتر يسأل فيها عمّن يرغب بالحصول على أسهمه في شركة “موجانغ”، حتى تسرع إليه عروض الشراء، والتي استقرت أخيراً على شركة مايكروسوفت التي ابتاعت اللعبة بمليارين ونصف من الدولارات، ولتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من حياة لعبة ماين كرافت، تقوم على استثمار نجاحاتها وميزاتها، وبساطتها لتكون مدخلاً إلى تعليم الأطفال في كل أنحاء العالم أوّليات البرمجة من خلال تقنياتها.

سر جاذبية اللعبة يتمثل في أنها لا تكرّس انغلاق اللاعب على نفسه

ماين كرافت في عهدة مايكروسوفت

يحدث ذلك عبر مشروع أطلقته مايكروسوفت قبل فترة قصيرة، حيث أتاحت صفحة تعليمية عبر منصّة كود دوت أورغ، تسمح بتعلّم البرمجة عبر التجوّل داخل لعبة ماين كرافت وأكوادها، لتقوم بتعليم مبادئ البرمجة الأساسية. فالشركة تعتقد بأنه من خلال أدوات التحكم في اللعبة “يمكن للأطفال فهم المنطق الذي يقف خلف الألعاب، وتنفيذ الأوامر بشكل مرتّب للوصول إلى الهدف المطلوب، خصوصاً أن الكثير من الأطفال يجيدون التعامل مع لعبة ماين كرافت، كما أن مايكروسوفت تهدف من هذه الأداة “إلى تهيئة الأطفال للمشاركة في مؤتمرها البرمجي القادم “ساعة من البرمجة” الذي يقام في السابع من ديسمبر القادم، والذي شهد في النسختين الأولى والثانية منه مشاركة أكثر من مئة مليون شخص”.

تجربة الاستفادة من إمكانيات ماين كرافت من خلال المنصة التعليمية هذه، سبقتها تجارب مشابهة، قامت على مبادرات مشتركة مع صانعيها، وإحدى هذه التجارب جاءت من خلال قيام مجموعة من طلاب جامعة هال البريطانية، بعمل نسخة تعليمية للعبة تسمح للاعبين باستكشاف الهياكل الجزيئية التي تم إنشاؤها خصيصاً لفهم الكيمياء.

إمكانيات اللعبة دفعت بالحكومة الدنماركية إلى إنشاء مجسم إلكتروني للدولة الدنماركية بشكل كامل، حيث جرت عملية إعادة التصميم بذات النسب في الواقع، وجرى بعدها دعوة المستخدمين إلى “التنقل بحرية في الدنمارك” و”اكتشاف” المناطق السكنية الخاصة بهم و”بناء وهدم” ما يرغبون فيه.

من جهة ثانية حرّضت نجاحات ماين كرافت شركة ليغو المطورة لمكعبات البناء البلاستيكية المعروفة على إطلاق نموذجها الإلكتروني تحت اسم عوالم ليغو في منتصف العام الحالي، حيث قال المدير العام لشركة تي تي غيمز، المطورة للعبة توم ستون إن عوالم ليغو تجسّد المتعة المحسوسة للعبة مكعبات البناء ليغو التي استمتع بها المستهلكون لعقود، وتنقلها إلى منصة رقمية تقدم نوعاً جديداً كلياً من تجربة اللعب بهذه المكعبات المحبوبة”. وأوضح أن إمكانات “الإبداع” في اللعبة “لا نهائية”، ابتداء من محرر المكعبات “طوبة طوبة”، إلى استكشاف المجموعة الواسعة من العناصر والشخصيات والمخلوقات التي ستستوطن عالم اللعبة. وأضاف أن اللاعبين

سيدخلون اللعبة في عالم موجود بالفعل، والذين سيكون بمقدورهم تعديله “طوبة طوبة” أو من خلال “هياكل جاهزة” لخلق شيء خاص بهم. وسيؤدي طرح اللعبة حتماً إلى عقد مقارنات بينها وبين لعبة ماين كرافت، التي تجري في عالم شبيه بمكعبات البناء. وأحد أكثر الأنشطة الأساسية في اللعبة يتعلق بقيام اللاعب بجمع المكعبات ونقلها لصنع هياكل وأدوات، ولهذا تبدو العناصر فيها كأنها عالم افتراضي من مكعبات الليغو.

9