ماي بريت موزير نموذج للمرأة العالمة المتفوقة في الحياة المهنية والأسرية

الأحد 2014/10/12
زواج ماي بريت لم يكن عائقا أمام شغفها بالبحث في طرق عمل الدماغ

أثبتت المرأة أنها قادرة على تحقيق النجاح والتميز جنبا إلى جنب مع الرجل، وعكفت على الدراسة والعمل لتحقيق ذاتها ولكسب الرهان في أنها لا تقل كفاءة وقدرة وإمكانيات عن الرجل بل إنها تتفوق عليه أحيانا. كما أكدت عديد النساء أنهن قادرات على خوض غمار العمل في المجالات التي تعرف (بمنطلق ذكوري بحت) أنها حكر على الرجال وأنهم فقط قادرون على العمل والنجاح فيها مثل مجال العلوم والبحث العلمي المتقدم، غير أن أسماء نسائية عديدة خطت أسماءها بحروف خالدة في هذا المجال وتمكنت المرأة من تحقيق نجاحات وإنجازات واكتشافات علمية أثرت تاريخها وأفادت البشرية جمعاء.

ظفرت عديد العالمات في العالم بجوائز عالمية رفيعة المستوى تتويجا لنجاحاتهن في الميدان العلمي مثل الرياضيات والهندسة والبحث العلمي، أما بالنسبة إلى جائزة نوبل فقد فازت بها 44 امرأة منذ بدايات إسنادها عام 1901، وكانت ماري كوري المرأة الوحيدة التي تحصلت على جائزتين الأولى في الفيزياء عام 1903 والثانية في الكيمياء عام 1911، وفي الأيام الماضية أعلنت الجهة المانحة لجائزة نوبل عن المرأة رقم 45 التي تحصلت على نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء وهي العالمة النرويجية ماي بريت موزير مناصفة مع زوجها إدفارد موزير والعالم الأميركي البريطاني جون أوكيف لاكتشافهم خلايا “نظام تحديد المواقع الداخلي” وهو اكتشاف حل مشكلة شغلت الفلاسفة والعلماء على مدى قرون وهي: كيف يضع الدماغ خارطة للمكان المحيط بنا وكيف يمكننا أن نجد طريقنا في محيط معقد؟ وكيف نخزن هذه المعلومات بطريقة نتمكن من خلالها فورا من إيجاد طريقنا في المرة الثانية التي نسلك فيها هذا الطريق؟” وهو يساعد في فهم أمراض مثل الزهايمر.

نوبل في الطب لهذه السنة أثارت سيلا من الأرقام الجديرة بالنظر والانتباه فقد تحصلت عليها ماي بريت لتكون المرأة رقم 11 في المجال الطبي على مدى 114 عاما من مجموع 204 من الفائزين، وآخر فائزة بالجائزة كانت الأميركية إليزابيت بلاكبيرن عام 2009 عن عملها حول الكروموزومات لكن بالاشتراك مع عدد آخر من الفائزين.

والمرأة الوحيدة الني فازت بنوبل للطب بمفردها كانت عالمة الجينات باربرا ماكلينتوك عام 1983.

ماي بريت موزير محظوظة لحصولها على الجائزة بالاشتراك مع زوجها وهما باحثان في جامعة تروندهايم (شمال غرب النرويج)، بعد تحديدهما عام 2005 عنصرا أساسيا آخر في نظام تموضع الدماغ، ليكونا بذلك الثنائي الرابع في تاريخ جائزة نوبل، وأول ثنائي بعد 67 عاما من آخر ثنائي يحصل على الجائزة في الطب وهما جيرتي وكارل كوري عام 1947.

أثبت الثنائي موزير أن الحياة الأسرية يمكن أن تكون رافدا وعاملا للنجاح، وكانت علاقتهما نموذجا للانسجام والتكامل الظاهر للعيان، كزميلين وكزوجين أيضا، فقد تقاسما النجاح والبحث في كل مراحله وبجميع تفاصيله، وكانت مشاغلهم وتساؤلاتهم العلمية المتعلقة بالبحث تصاحبهما أينما حلا في المخابر وفي الجامعة وفي المنزل وعلى طاولة الإفطار وحتى في الطريق، وكان يتشاوران ويتناقشان في أي فكرة تخطر على بال أحدهما على الفور دون انتظار اجتماع في المخبر وهو مـا وصفتـه مـاي بريت بالأفضل من انتظار انعقاد اجتماع عمل، لدرجة أن وصفهما أحد الصحفيين الفرنسيين في مجلة الطبيعة “ناتير” العلميـة بأنهمـا “يعمـلان كعقل واحـد”.

الوظائف والمراكز الأكاديمية والإدارية لم تحل دون اهتمام ماي المتواصل بالبحث العلمي ولم تحل دونها ودون النجاح في العمل وفي الحياة الأسرية والزوجية في آن واحد

تعمل ماي بريت حاليا كأستاذة في اختصاص علوم الأعصاب بالجامعة النرويجية للعلوم والتقنية في معهد كافلي لعلوم الأعصاب حيث تدير مركز الحوسبة العصبية ويعمل زوجها في نفس الجامعة، وبدأت رحلة الزمالة بين الزوجين منذ 30 عاما أما الحياة الزوجية فمنذ 28 عاما، لكن زواجهما لم يكن عائقا أمام شغفهما بالبحث في طرق عمل الدماغ وفي قدرته على توجيه الإنسان نحو المكان الذي يريد الذهاب إليه دون أن يضيع.

طرق الثنائي موزير باب النجـاح والمجد منذ عام 2005 عندما اكتشفا خلايا التوجيه الداخلي لدى الفئران التي تطابق تلك الموجودة لدى الإنسان وعكفا منذ ذلك الوقت على دراستها وفهم طريقـة اشتغالهـا، ثم قادهم عملهم إلى أكثر مجالات البحث تعقيدا في القرن الحادي والعشرين وهي كيف يحسب الدماغ مثل أجهزة الكومبيوتر التي تعتمد على لغة البرمجيات الحديثة؟

عوامل عديدة تقف وراء الانسجام بين الاثنين فكلاهما أصيل الجزر النرويجية وكلاهما ينحدر من عائلة غير جامعية، درسا في نفس المدرسة ولكنهما لم يتعرفا على بعض إلا عام 1983 عندما كان طالبين في جامعة أوسلو، واختار كلاهما دراسة علوم الأعصاب والدماغ، ثم جمعتهما العاطفة كما جمعهما الشغف بالتعلم والبحث.

خطب إدوارد ماي عام 1984 وانطلقت حياتهما العائلية وتجربتهما مع شريكهما في الجائزة جون أوكيف بعد أن التحقا بمخبره في لندن ليشاركاه عمله البحثي الذي كان منطلق الاكتشاف الذي نال الثلاثة لأجله نوبل 2014 ويتمثل في اكتشافه لخلايا مسؤولة عن تحديد المكان لدى الفئران.

قبلت ماي وزوجها عرض العمل الذي قدمته لهما الجامعة النرويجية بمدينة تروندهايم عام 1996 لأنها ستتقاسم نفس مقر العمل في نفس دائرة البحوث مع زوجها، واختارا الاستقرار في تلك المدينة ليؤسسا عائلتهما وفي تلك الفترة أنجبت ماي أول طفل لها، وأسسا معا مخبرهما الخاص للبحث وتحصلا على دعم مادي من المفوضية الأوروبية والمجلس النرويجي للبحث الأمر الذي خول لهما رفع إمكانيات وتقنيات مخبرهما ومهّد أمامهما طريق النجاح.

ماي بريت من مواليد عام 1963 وزوجها يكبرها بسنة واحدة وتتجاوز نقاط التقائهما الشغف بالعلوم والبحث فكلاهما يهوى الأنشطة في الهواء الطلق؛ ماي تتجول يوميا في المساحات الخضراء المحيطة بالمنزل وتعشق البراكين وتسلق المرتفعات وهي نفس هوايات إدوارد وقد تسلقا معا عديد الجبال الشهيرة حول العالم، أما في العمل فهما متكاملان فالزوج أكثر اهتماما بالنظريات والإعلامية في حين تشرف ماي على تسيير المخبر والعاملين فيه وهي أكثر قربا من التجارب المخبرية، هذا ما يصفه إدوارد بقوله “لدينا قدرات ونعلم أنه بجمع جهودنا تكون النتائج أفضل”، وإن صادف اجتماع يحرص الثنائي على أن يحضر أحدهما ويواصل الآخر العمل في المخبر وهذه أبرز الشواهد على تكاملهما وعلى قدرة ماي المرأة على تحمل المسؤوليات وتقاسمها مع زوجها على حد سواء.

تحصلت ماي بريت موزير على جائزة نول للطب لعام 2014 لتكون المرأة رقم 11 في المجال الطبي على مدى 114 عاما من مجموع 204 من الفائزين

تتوفر ماي بريت على سيرة ذاتية مشرفة وعلى مسيرة مهنية ثرية رغم صغر سنها -مقارنة بالفائزين بجائزة نوبل الذين يتجاوزون في أغلب الحالات سن الثامنة والخمسين- عيّنت من عام 2013 حتى عام 2022 مديرة لمركز الحوسبة العصبية بالجامعة النرويجية للعلوم والتقنية.

ومنذ عام 2007 حتى اليوم تشغل منصب المدير المساعد لمعهد كافلي لأنظمة العلوم العصبية وهي من بين مؤسسيه، منذ عام 2000 حتى اليوم تدرس العلوم العصبية في كلية الطب بالجامعة النرويجية بتروندهايم، وهي أيضا عضو مؤسس ومدير مركز بيولوجيا الذاكرة في الجامعة النرويجية حتى عام 2022، ومن عام 1996 حتى عام 2000 عملت أستاذة في علم النفس البيولوجي بنفس الجامعة، ومن عام 1995 حتى عام 1996 كانت باحثة في علم النفس بجامعة أوسلو أي بعد أن تحصلت على شهادة الدكتوراه مباشرة من نفس الجامعة.

ومنذ أواخر التسعينات تحصلت على مجموعة من الجوائز والتكريمات أولها عام 1999 المتمثلة في جائزة العلماء الشبان من الأكاديمية الملكية النرويجية للعلوم والآداب وظلت تحصد الجوائز وتجمع التكريمات بشكل سنوي تقريبا كما اختيرت كعضو في المنظمة الأوروبية للبيولوجيا الجزيئية، ولديها مشاركات وتجارب في الميدان الإداري والمؤسساتي.

هذه الوظائف والمراكز الأكاديمية والإدارية لم تحل دون اهتمام ماي المتواصل بالبحث العلمي ولم تحل دونها ودون النجاح في العمل وفي الحياة الأسرية والزوجية في آن واحد، وهو ما يجعلها تستحق جائزة نوبل عن جدارة بالشراكة مع زوجها الذي كان رفيقها وزميلها وزوجها وسندها في التقدم وكانت دعامته للنجاح. ومن الجدير بالذكر أن سعادتها العارمة وطربها بالظفر بالجائزة إلى درجة البكاء ليسا إلا تعبيرا على حجم الجهود التي بذلتها وعن كم الانتظارات الهائلة من وراء هذا الجهد والعمل المتصل.

هذا النجاح المهني العلمي لا يحسب لها فقط بل يحسب للتكافؤ بينها وبين زوجها ويحسب لمثالية علاقتهما من حيث التكامل والتماهي في العمل وفي حياتهما المشتركة كزوجين، وهو نجاح لا يثري مسيرتها فقط بل يخدم الطب عموما ويحسب قائمة نجاحات المرأة ويخدم سمعة المرأة الباحثة والمرأة الطبيبة.

نتائج البحث الحائز على نوبل ليست إلا شمعة ستضيء الطريق أمام إيجاد حلول علاجات لأمراض الدماغ المعقدة وخاصة منها المتعلقة بالذاكرة كمرض الزهايمر الذي بات معضلة عجز الطب إلى حد الآن عن إيجاد علاج ناجع له.

20