ما أثر غياب بوتفليقة عن الحملات الانتخابية

الثلاثاء 2014/04/01
شارف وبلخادم.. أيهما أوفر حظا في سباق الانتخابات الجزائرية؟

الجزائر ـ تمر الجزائر هذه الأيام بحراك سياسي مهم قد يسهم في إحداث نقلة نوعية في المستقبل القريب، خاصة في ظل إصرار حركة “بركات” على مطلب التغيير من خلال التظاهرات الاحتجاجية ضد ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة بسبب حالته الصحية التي لا تسمح له بحكم البلاد، لكنه قد يحافظ على استمرار نفس الوجوه ويبقى نظام بوتفليقة مسيطرا على الأوضاع ماسكا بدواليب الحكم.

ويلاحظ المتتبعون للسباق الانتخابي في الجزائر فتورا كبيرا رافق الحملات الانتخابية التي يعقدها أنصار بوتفليقة أو أنصار باقي المنافسين. كما أن الملاحظة البارزة هي غياب الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة عن تلك الحملات ولم تحضر إلا صوره واكتفى بتوجيه رسالة للجزائريين عبر التلفزيون الرسمي أكد فيها أن ترشحه جاء تلبية لإلحاح قطاع من الشعب وتعهد بإجراء إصلاحات دستورية واجتماعية خلال عام.

غياب بوتفليقة جعل البعض يتساءل عن قيمة التنافس في ظل عدم ظهور المرشح الأوفر حظا، وعن مصداقية العملية الانتخابية برمتها، في حين اعتقد آخرون أنه ليس من الضروري قيام بوتفليقة بحملته الانتخابية بنفسه.

ونعرض هنا موقفين متباينين من المسألة، الأول للكاتب الصحفي عابد شارف الذي يرى أن غياب بوتفليقة يحطم مصداقية الانتخابات والثاني لرئيس الوزراء الأسبق عبد العزيز بلخادم الذي يذهب إلى أن بوتفليقة رئيس جمهورية منذ خمسة عشر عاما، أي أن هدف تعريف الجماهير بالمترشح أمر مفروغ منه.

شارف: الحديث عن مرشحين محتملين لخلافة بوتفليقة سابق لأوانه


عدم ظهور بوتفليقة يحطم مصداقية الانتخابات


يذهب عابد شارف أن غياب بوتفليقة عن الحملات الانتخابية يحطم مصداقية الانتخابات، رغم أن هذه الانتخابات ليست لها مصداقية أصلا.

ويرى أن أثر عدم مشاركة الرئيس في حملته الانتخابية على صورة الجزائر كبير جدا، ويؤكد أن السلطة لم تتخذ القرار بعد بشأن من يخلف بوتفليقة ولا حتى طريقة تسيير المرحلة المقبلة.

ويقول شارف: “أنا مقتنع بأن أصحاب القرار في الجزائر مازالوا حاليا لم يحسموا بعد في أي اتجاه سيسيرون لحل معضلة خلافة بوتفليقة”.

ويضيف المحلل السياسي أن الحديث عن مرشحين محتملين لخلافة بوتفليقة أمر سابق لأوانه الآن بحكم أن السلطة ستركز على مشروع سياسي لتسيير الجزائر في المرحلة المقبلة.

ويشكك عابد شارف في إمكانية تنظيم انتخابات نزيهة قائلا: “برأيي لن تكون هناك انتخابات مفتوحة وشفافة وما يحدث من تنافس مجرد تهريج سياسي”.

ويرى أن السلطة الحاكمة أرادت جعل استمرار بوتفليقة في الحكم لولاية أخرى، أمرا واقعا لا يمكن تجاوزه وأن هناك خارطة طريق وضعتها السلطة الحاكمة، وبدأ بوتفليقة تنفيذها منذ عودته من العلاج بالخارج.

كما يعتقد الصحفي في جريدة “الشروق” الجزائرية أن هذه الخارطة انطلقت بتعديل حكومي مس الوزارات المهمة التي أسندت إلى مقربين من الرئيس إلى جانب محاولة احتواء الجبهتين السياسية، والاجتماعية لتفادي حدوث مقاومة تذكر لهذا المخطط، فضلا عن محاولة تحييد كل شخصية مهمة بإمكانها قلب المعادلة السياسية، وستكون المحطة الأخيرة بتعديل الدستور.

وأشار عابد في مقال سابق له أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان قد أعلن قبل سنتين عن نيته تعديل الدستور للمرة الثالثة منذ أن تولى السلطة. وأعلن عن تشكيل لجنة تتكفل بهذه العملية، وتم تنظيم لقاءات مع الأحزاب السياسية لهذا الغرض.

وبخصوص قرار رئيس حكومة الإصلاحات، مولود حمروش، القاضي بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، في ظل ما يشاع عن انخراط المؤسسة العسكرية في دعم العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، يرى المحلل السياسي أن حمروش مقتنع بأن القرار بيد الجيش، والجيش حسم أمره لفائدة العهدة الرابعة، في حين أن حمروش لا يريد مواجهة المؤسسة العسكرية، ولا يتمنى أن يرى الجزائريين في مواجهة هذه المؤسسة. ويشرح عابد شارف بالقول: “لو حدثت مثلا مواجهة بين السلطة القائمة والشارع، فالجيش هو الذي سيواجه الجزائريين، وهو ما لا يتمنى حمروش حدوثه”، كما يعتقد أن السلطة هي التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم، بسبب “اتخاذها الجيش رهينة لديها”. ويوضح، عابد موقفه بالقول: “حمروش يريد من خلال خرجته الأخيرة أن يقول للجيش، أنت من جاء بالرئيس، وقد اتفقتم أخيرا على التجديد له لعهدة رابعة. أنتم على خطأ. ثم يتوجه للأجيال الجديدة، أن لا ترتكبوا نفس الأخطاء مستقبلا، وضعوا مصلحة البلاد هدفا لكل قراراتكم”.

بلخادم ينفي وجود أي تدخل للمؤسسة العسكرية في العملية الانتخابية


تعريف الجماهير بالمترشح أمر مفروغ منه


يرفض عبدالعزيز بلخادم ترديد البعض أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعد المترشح الغائب الحاضر عن المشهد الانتخابي وأن باقي المرشحين على مقعد الرئاسة ينافسون فقط صورة الرئيس المعلقة في المؤتمرات والتجمعات المؤيدة والداعمة دون حضوره لأي منها.

ويتساءل بلخادم عن سبب قول مثل ذلك الكلام مؤكدا أن بوتفليقة حاضر، لكنه لو أراد أن ينتقل كباقي المترشحين في المؤتمرات والندوات فهو سينتقل بصفته مرشحا وأيضا بصفته رئيس جمهورية.

ويضيف قائلا: “وحينئذ سيقال إن هذا استغلال لإمكانيات الدولة وللنفوذ، وعندما لا ينتقل يقال إنه غائب أو غائب حاضر. ينبغي أن نعي ما نقول وماذا نريد”.

ويوضح بلخادم أن الفرق بين المترشح بوتفليقة وباقي المترشحين هو أن الرجل كان ولايزال رئيس جمهورية منذ خمسة عشر عاما، أي أن هدف تعريف الجماهير بالمترشح أمر مفروغ منه بالنسبة إليه.

ويرى رئيس الوزراء الأسبق أن المطلوب هو أن يتعرف الناخبون فقط على البرنامج الذي يقدمه وينافس به بوتفليقة خلال الانتخابات الراهنة وهو ما يقوم به عبر ظهوره من حين إلى آخر ويقوم به الداعمون له من قيادات ومسؤولي أحزاب وجمعيات في مؤتمرات وندوات.

ويذهب بلخادم أن بوتفليقة خاضع الآن لإعادة تأهيل عضلات القدم اليسرى وهذا ليس مانعا أن يترشح أو يحكم البلاد إذا ما حصل على ثقة الشعب، وذلك ليس السبب الرئيسي لتغيب بوتفليقة عن المؤتمرات وإنما هو عائق جسدي مؤقت. وهو أمر، أي المرض، قد يشفى وقد يتطور.

ويوضح بلخادم أن بوتفليقة يحتاج إلى مزيد من التأهيل الوظيفي ليستعيد قدرته على الحركة لكن قدرته على التحليل والنقاش وتسيير شؤون الدولة لم تتأثر أبدا.

وينفي بلخادم ترديد البعض أن المصالح المالية الداعمة لبوتفليقة كانت وراء دفعه للترشح لعهدة رابعة للاستفادة من ذلك، قائلا: “بوتفليقة رئيس جمهورية لمدة خمسة عشر عاما له من النضج والوعي والدراية والتبصر مما يجعله يقرر أن يترشح أو لا وهو ما قد يحسم الأمر”.

كما ينفي رئيس الوزراء الأسبق أيضا وجود أي تدخل للمؤسسة العسكرية في العملية الانتخابية، عندما يقول: ” الشعب هو صاحب السيادة والشرعية وهو من سيختار بين المرشحين الستة. الحديث عن تدخل المؤسسة العسكرية يتردد منذ سنوات ولم نخرج إلى الآن من هذه الادعاءات والتحامل فالحديث عن الجزائر بلد تحكمه الجنرالات يقوله من يريد أن يبقي الجزائر في خانة معينة”.

ولا ينفي بلخادم احتمال استحداث منصب نائب الرئيس لكنه يعتقد أن الأمر سابق لأوانه لأنه لا أحد أطلع بعد على مسودة تعديل الدستور. والأكيد حسب رأيه أن التعديل سيجري بعد الانتخابات وسيتضمن مواد تتعلق بتحديد الفصل بين السلطات وأدوات الرقابة ومؤسساتها، “نحن نعرف المضامين والأفكار الخاصة بالتعديل ولا نعرف التفاصيل أو التفسير والأدوات أو الصياغة الخاصة به” كما يعبر بلخادم.

بن فليس: 15 سنة لم تكن كافية للإصلاح وهاهم يطالبون بخمس سنوات أخرى

حصيلة سلبية لسنوات حكم بوتفليقة

كثرت الانتقادات في المدة الأخيرة للرئيس الجزائري عبدالعزير بوتفليقة في ظل الحراك السياسي الأخير الذي بدأ يزيل مشاعر الخوف من الصدور ليجد الجزائريون متسعا من الحرية للتعبير عن آرائهم.

ووجهت سهام النقد إلى الرجل المريض لا فقط في ما يتعلق بترشحه للعهدة الرابعة، بل أيضا إلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي وصلت إليها الجزائر في سنوات حكمه.

ويذهب عدد من المراقبين إلى أن إمكانات الجزائر الاقتصادية تسمح لها بتوفير وضع اجتماعي أفضل للجزائريين والقضاء على جل المشاكل التي تنغص حياتهم.

كما يلاحظ محللون أن الإنفاق على التسلح حظي بنصيب أوفر وشهدت فيه البلد تقدما ملحوظا ربما يفسر بدواع أمنية تتهددها في ظل تنامي الإرهاب، وذلك ما تسبب في إهمال قطاعات حيوية أخرى.

من ذلك مثلا القطاع الاقتصادي الذي تشير الأرقام إلى أنه يعاني جملة من الصعوبات رغم عائدات النفط الهائلة التي تمثل حوالي 98 بالمئة من إجمالي الصادرات.

ورغم ذلك الإنتاج الهائل، إلا أن التقارير الإعلامية تشير إلى أن الجزائر استوردت ما قيمته 3,5 مليار دولار من المحروقات على شكل بنزين وكازوال خلال سنة 2013 وهو رقم قياسي في هذا النوع من الواردات.

كما تشير المعطيات أيضا إلى تقلص حجم الصادرات الإجمالية بنسبة 7 بالمئة فيما انخفضت قيمتها بنسبة 10 بالمئة مما دفع رئيس البنك المركزي الجزائري إلى دق ناقوس الخطر بخصوص ميزان الأداءات.

المطلوب هو أن يتعرف الناخبون فقط على البرنامج الذي يقدمه وينافس به بوتفليقة خلال الانتخابات الراهنة

ويلاحظ مختصون أن ميزان الأداءات الجزائري بدأ يشهد تراجعا كبيرا في الفائض منتقلا من حوالي 20 مليار دولار قبل سنتين إلى ما يناهز 130 مليار دولار سنة 2013، في الوقت الذي ارتفعت فيه الواردات بشكل ملحوظ لتصل إلى ما يقارب 15 مليار دولار.

هذا النقد لسنوات حكم بوتفليقة لم يأت من المعارضين وخصوم السياسة فقط بل جاء أيضا من رئيس الوزراء الأسبق ومرشح الانتخابات الرئاسية علي بن فليس الذي انتقد الوضع غير المرضي في قطاعات الصحة والتربيــة والقضــاء والحريــات وفـي “تسيير شــؤون الدولــة” بصفــة عامــة.

وقال: “من لا يستطيع التسيير فلا يجب أن يلقي اللوم على غيره، 15 سنة لم تكن كافية للإصلاح وهاهم اليوم يطالبون بخمس سنوات أخرى”، في إشارة إلى فترة حكم بوتفليقة منذ 1999.

سهام النقد توجه إلى بوتفليقة من كل صوب وتبين عن نقاط الخلل التي تميز الواقع الجزائري طوال الفترة التي حكم فيها. إلا أن الموالين له ينظرون عكس ذلك ويعتبرونه الرجل الذي أعاد إلى البلاد السلام والاستقرار الاقتصادي بعد صراع دموي مع الإسلاميين في التسعينات من القرن الماضيأسفر عن مقتل نحو 200 ألف شخص.

وفي ظل هذا التباين في النظر لحكم بوتفليقة يرى محللون أن الجزائريين قادرون أكثر من غيرهم على تصحيح أوضاعهم وتقييم أداء حكامهم.

12