ما أحوج العراقيين اليوم إلى اعتصامات فاعلة جديدة

الجمعة 2017/09/29

تمرّ هذه الأيام الذكرى الخامسة للاعتصامات السلمية التي اجتاحت العاصمة بغداد ومحافظات الموصل وديالى والأنبار وصلاح الدين وكركوك، احتجاجا على السياسات الطائفية لحزب الدعوة وممارسات رئيسه نوري المالكي، الذي قسم العراقيين إلى مكونات وملل ومعسكرات حسب مزاجه، وصنف السنة العرب ضمن معسكر يزيد، وشجع الأكراد على ابتلاع كركوك واحتلال المناطق المتنازع عليها، وحرضهم على تهجير العرب منها، ثم تعاون مع تنظيم داعش، سرا وعلنا، على انسحاب الجيش والقوات الحكومية من الموصل وتكريت والرمادي والفلوجة وسامراء لتصبح أسيرة بأيدي مسلحي التنظيم المتخلف الذي طبق تعليمات “ما ينطيها” نصا وروحا، في تقويض الحواضر العربية والإسلامية في العراق وتشريد سكانها.

وإذا كانت اعتصامات 2012 و2013 التي عكست مدينة السنة العرب، وعبّرت عن التزامهم الأخلاقي بسلمية حراكهم السياسي والاجتماعي، قـد نجحت في استقطاب الملايين من المواطنين الذين هبوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة في رفع الحيف والظلم والاضطهاد والتهميش عنهم، إلا أنها قوبلت بهجمة غير مسبوقة من حزب السلطة ورئيسه نوري المالكي، الذي انحدر إلى مستويات شوارعية في التعاطي معها، وراح يطلق عليها صفات مبتذلة كـ”الفقاعة” مرة، ومفردات بذيئة مثل “النتنة” مرات أخرى، بدلا من التعامل معها كحق إنساني ضمنه الدستور والمواثيق الدولية، خصوصا وأن المعتصمين اظهروا وعيا وطنيا عاليا، وتصرّفوا بأخلاق الفرسان، لم يحتلوا مرفقا حكوميا ولم يهدموا منشأة عامة، ولم يعتقلوا موظفا أو مسؤولا، ولم يقتلوا جنديا أو شرطيا، وظلوا طيلة أكثر من عام يرفعون لافتات القماش ويحظرون حمل السلاح ويهتفون للعدل ويؤدون صلواتهم في الساحات العامة، مع أنهم كانوا يقدرون على عزل محافظاتهم وطرد القوات والإدارات الحكومية منها، ولكنهم رفضوا هذا الخيار تمسكا بوحدة الوطن وحفاظا على نسيجه الاجتماعي.

ورغم المجازر الدموية التي راح ضحيتها الآلاف من المواطنين في الأعظمية وأحياء الكرخ وحزام بغداد، وجامع سارية ببعقوبة ومساجد المقدادية وبهرز والمنصورية في محافظة ديالى، والمذابح في حويجة كركوك، والفلوجة والرمادي وعنة وراوة في الأنبار، وتكريت وسامراء والدور وبيجي والشرقاط بمحافظة صلاح، والموصل وتلعفر والقيارة وحمام العليل في نينوى، إلا أن المعتصمين واصلوا حراكهم السلمي ولم ينجروا إلى النزعات الثأرية أو دعوات الانتقام، حتى بعد تشكيل المجالس العسكرية في المحافظات الست المنتفضة التي أعلنت في جميع بلاغاتها، أنها تعارض سياسيا إجراءات المالكي ولن تستخدم السلاح إلا في حالة الدفاع عن النفس، ودعته إلى الإنصاف مع السنة العرب باعتبارهم مواطنين عراقيين بلا تمييز أو إقصاء.

لقد كانت الاعتصامات السلمية في المحافظات العربية الست، التي انطلقت نهاية عام 2012 انتفاضة شعبية لجأ إليها السنة العرب في ظل القانون وتحت سقف الدستور، لوقف القمع الطائفي الموجه ضدهم، ونبذ أساليب الاستقواء عليهم، والمطالبة بحقوقهم السياسية والاجتماعية المصادرة، والدعوة إلى شراكة حقيقية تخدم العراق، وبناء دولة مدنية عصرية تقطع مع المحاصصات الطائفية والعرقية، وتثبت التداول السلمي على السلطة في انتخابات نزيهة، بعيدا عن قوانين الاجتثاث التي استهدفت أكثر من خمسة ملايين مواطن عراقي، مليون منهم علماء وخبراء وأطباء ومهندسون وضباط ومعلمون وموظفون إداريون، غير أن حزب الدعوة، تعاونه التنظيمات والميليشيات الشيعية المتحالفة معه، كان في واد آخر، يسابق الزمن في تدبير المؤامرات، لوأد الاعتصامات ومطاردة الناشطين فيها الذين حرصوا ومنهم النائب أحمد العلواني على الحوار الجدي والمثمر مع السلطات الحكومية بدلا من المواجهة المسلحة، وكانت النتيجة مهاجمة ساحات الاعتصام بالمدافع والدبابات، واعتقال العلواني وقتل شقيقه وتهديم منزله وإصدار حكم بإعدامه في محاكمة صورية، حتى وصل الأمر بالمالكي إلى التشفي منه عندما نشرت صور للنائب الأسير بالبدلة البرتقالية وهو في سجنه بالمنطقة الخضراء، ولو كان العلواني متشدّدا كما يزعم الطائفيون، لكانت إشارة منه إلى عشيرة البوعلوان وحدها، المنتشرة في الأنبار وبابل، وهو أحد شيوخها، كفيلة بإشعال حرب لا يقوى المالكي على مجابهتها حتى لو جمع كل ميليشياته، ولكن أصالة أحمد الوطنية وغيرته القومية منعتاه من الصدام المسلح وسفك الدماء.

ومرة أخرى نؤكد أن شمول المناطق المتنازع عليها وهي في غالبيتها عربية سنية تقع في محافظات كركوك والموصل وديالى وصلاح الدين في استفتاء الأكراد، ما كان يتم لولا حكومات حزب الدعوة المتعاقبة التي أخلّت بالتوازن الوطني، ودخلت في لعبة المحاور والتحالفات وتعاونت مع الأحزاب الكردية وخضعت لأجندتها الانفصالية التي تتسق مع طائفية الأحزاب والميليشيات الشيعية في معاداة العروبة والعرب، فالعنصرية الكردية هي مكملة للطائفية الشيعية في المنهج والمسار، وكلتاهما تعملان بالضد من وحدة العراق.

وقد أثبتت الأحداث منذ الأيام الأولى من الاحتلال الأميركي، كيف ساهمت القيادات الشيعية ونظيرتها الكردية في تكريس نظام المحاصصات الذي مازال سائدا، لأنه يلبي طموحات الطرفين، ويحقق مصالحهما ويحافظ على امتيازاتهما، ولاحظوا الموقف الباهت لرئيس الحكومة حيدر العبادي، الذي لديه صلاحيات تنفيذية ودستورية لمنع الاستفتاء الكردي في كركوك والمناطق المتنازع عليها، حتى لو اضطرّ إلى استخدام القوة ولكنه اكتفى بالشجب اللفظي، وتابعوا أيضا التهديدات الجوفاء لقادة الميليشيات الشيعية الذين توعدوا وتصايحوا، ولكنهم سرعان ما تراخوا وصمتوا.

ما أحوج العراقيين اليوم إلى اعتصامات سلمية وحراك شعبي يشارك فيه عرب العراق جميعا، بسنتهم وشيعتهم، لوقف انهيار بلدهم وحماية وحدته وسيادته من شمال الموصل إلى جنوب البصرة ومن مندلي شرقا إلى الرطبة غربا، وإلا فإن فأس التشظّي مقبلة عليهم، تضربهم طولا وعرضا، والشيعة أكبر المتضررين، لأن السنة العرب ما عاد عندهم شيء يخسرونه بفضل عربدة حزب الدعوة وسطوة ميليشيات الغدر، وتآمر إيران وتفرّج الأميركان.

كاتب عراقي

8