ما أشد بؤسنا

السبت 2017/05/13

في هذا العالم الموحش، يتعين علينا أن نعبر عن أيامنا التي تشبه حقل ألغام، بحذر شديد، أن نبتسم في وجه جرح كلما أشرقت عليه شمس جديدة ازداد اتساعاً وقبحاً. ونحن نتبادل الأدوار على مسرح حياتنا الباهتة، قد نرتقي سلماً واحداً بتكاسل ومن دون رغبة لكنه السلم الحتمي الذي يؤهلنا للعب أصعب دور على الإطلاق؛ الدور الذي نضع له السيناريو والحوار بأنفسنا ونزحمه بالأحداث والبدايات والنهايات، الدور الذي لا نطلب فيه مساعدة من ملقن، إن حدث وأخطأنا أو نسينا جملة في حواراته الطويلة، الدور الذي يخرجه بعشوائية تفتقد إلى البراعة، مخرج فاشل اسمه القدر.

عندما نرتقي هذا السلّم فنحن بالتأكيد سنلعب دور الأم أو الأب، وهذا هو الامتحان العسير، أما أن يمارس هذه الدور في مسرح عراقي متهالك فهذه هي الهوّة المظلمة التي لا قرار لها.

لا جديد في العراق، سوى حوادث متفرقة في مدن وبلدات منكوبة تصحو على فاجعة وتنام على يأس. وهكذا، تسنى لي، قبل أيام أن أشاهد مقطع فيديو للشاب حسين الذي اعتقل ومات تحت التعذيب في مركز شرطة إحدى البلدات العراقية، كان الفيديو يصور الشاب الصغير الذي لم يتجاوز سن السادسة عشرة وقد وُضع في كيس داخل ثلاجة موتى أو ربما غرفة لتشريح الجثث، وكان المشرف على عملية (الكشف) عن الجثة المعذبة يشير إلى جرح طويل أحدثه مشرط الجراح في الجسد الفتي، مؤكداً لمتحدثه بأنه الجرح الوحيد الذي تُرك في الجسد جراء عملية التشريح وأن لا أثر لأي تعذيب! هكذا، كان حسين الشاب- الطفل، الجميل، يقلّب في جميع الجهات مثل كيس من الطحين أو الأرز، لتقطع الكاميرا بعد ذلك رحلة تجوالها الفظيعة على مشهد ملامحه الساكتة والمحايدة.

ألقي القبض على حسين ورفاقه بتهمة “التسكع” في أحد شوارع بلدة (طويريج)، بدعوى أنه لم يكن يحمل بطاقة هوية، حيث اقتيد إلى مركز تحقيق وكانت نهايته على يد (مخلوق) يبدو بأنه كان يعاني من نوبة غضب شديدة، دفع الصبي ثمنها حياته التي مازالت غضة كعود ياسمين. تضاربت تقارير وتصريحات الشرطة والمستشفى التي أعلنت عن وفاته بعد أن وصلها جثة هامدة، فيما صرّح أصدقاؤه الذين كانوا برفقته أثناء قيامه بجرم “التسكع” واقتيدوا معه إلى مركز الشرطة بأنه قد تعرض إلى تعذيب وفارق الحياة، بسبب الضربات والركلات التي تلقاها جسده الهزيل. كل هذا لا يهم، المهم والمفجع بأن جثة الشاب الجميل تم تشريحها دون علم ذويه! وصار لزاماً على والدته أن تحتفظ بهذه الصورة الأخيرة لبقايا طفلها، لما تبقى لها من سنوات عجاف ستواصل فيها متابعة أنفاسها التي تدخل حسرات وتخرج عبرات، ستموت هذه الأم طويلاً وكثيراً، لكن جثتها لن يتسنى لها الارتكان إلى زاوية قبر إلا بعد مرور سنوات ربما من موتها الأول هذا.

هناك أيضاً، في جزء آخر من المسرح المتهرئ الذي يسمى وطناً، في بلدة (كفري) سيموت أب على مراحل داخل سجن بارد ورطب لسنوات طويلة، كان الرجل الفقير يحاول من دون جدوى سد الشقوق التي تكاثرت في ثوب فقره البالي، وبعد أن أعيته الحيلة قام بسرقة عبوات حليب لطفله الرضيع من محلات مجاورة لسكنه. ألقت “العدالة” القبض عليه العام الماضي، ثم حكم قبل أيام حكماً نهائياً بالسجن لمدة 11 عاماً، وقد استخدم القاضي أشّد عقوبة ممكنة يسمح بها قانون العقوبات العراقي الخاص بالسرقة، ولم يأخذ بنظر الاعتبار الظروف المعيشية الصعبة متجاوزاً بذلك كل الثغرات الممكنة في “روح القانون”.

كان جان فالجان؛ بطل رواية “البؤساء” لفيكتور هيغو، في موقف مشابه بعد أن قضى حياته مطارداً من سجن إلى سجن ومتخفياً باسم إلى آخر بسبب سرقته رغيف خبز بعد جوع. لكنه، استسلم في النهاية واعترف في لحظات حياته الأخيرة بأنه تعب كثيراً من هذه اللعبة السمجة “لكي أعيش، سرقت ذات يوم رغيفاً.. الموت ليس شيئاً، الشيء الرهيب هو أن لا تعيش”.

ما أشدّ بؤس هذا العالم!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21