ما أصغر السلطة ما أكبر الإنسان

الاثنين 2015/11/09

تفيد مقاربة مشيل فوكو بأنّ السلطة ليست شيئا نمتلكه لكنها روح تسري ويملك كل واحد منا نصيبه من التواطؤ فيها حتى وإن كانت تسحقه، إنها تنتشر أفقيا وعموديا وتسري في كل مكان، بدءا من مخدع حارس السيارات انتهاء بإدارة قائد القوات المسلحة، بدءا من منبر خطيب الجمعة وانتهاء بمجلس المفتي العام. لذلك فإنّ تغيير ما يسمى بالنظام السياسي لا يتحقّق عبر تغيير الحاكم أو المسؤولين أو طردهم، حتى ولو كان طرد بعض المسؤولين يحمل بعض الإنصاف أحيانا، وإنما يتغيّر النظام السياسي بتغيير الروح التي تسري في كل الجزئيات والتفاصيل.

إنها مهمة صعبة، بل لعلها المهمة الأصعب، لكنها المهمة الثورية الوحيدة الممكنة، ومن دونها تبقى الأمور مجرد حركات دائرية تدور في حلقة مفرغة. إن كان منتظرا من المثقف التنويري أن يكون شخصا مزعجا للسلطة فليس دوره أن يكون معارضا ولا دوره أن يكون مؤيدا، إنه يتموقع دائما بمعزل عن المعارضة والموالاة. ذلك أن أفق المعارضة في الأخير يبقى هو السلطة. وليست هناك معارضة لا تضع السلطة هدفا لها، اللهم إذا كان الأمر يتعلق بشيء آخر غير المعارضة. أما أفق المثقف التنويري فإنه يبقى بالضرورة خارج حسابات السلطة، بل يبقى أفقه الفكري أوسع مجالا من السلطة. لذلك، يمكننا الجزم بأن الصفة السياسية الأدق تعبيرا عن المثقف التنويري والذي ليس معارضا ولا مؤيدا، هي صفة الناقد السياسي. إنه الشخص الذي يعمل 7 أيام على 7 أيام دون رقم تأجير ودون منصب قار، وليس له من أمل غير العمل على تغيير روح السلطة في مختلف مناحي الحياة، من خلال المساهمة في تغيير أسلوب التفكير ونمط السلوك، لا يهمه الحصاد الفوري لأنه يعلم بأنه يزرع لأجل عشرات السنين.

بالمعنى الوجودي، يمكننا اعتبار الرّغبة في امتلاك السلطة، وهي شيء لا يُمتلك، مجرّد تعويض وهمي عن نقص وهشاشة كينونة الإنسان. غير أن التعويض لا يتحقق حتى وإن تعلق الأمر بأعظم أباطرة الأرض، إذ سرعان ما يعود كرسي السلطة لكي يرسخ الشعور بالنقص بنحو أشد ضراوة على منوال القول المأثور: لو دامت لغيرك لما وصلت إليك. ما قد تترتب عليه نتائج عكسية بل كارثية في الأخير. إن تغول الاستبداد لهو تعويض سطحي عن هشاشة قناع السلطة. المفارقة إذن أن السلطة التي تمنح للحاكم قناعا هشا يحميه من عرضية الوجود، سرعان ما تضعه وجها لوجه أمام تلك العرضية. كثر من تستهويهم لعبة القناع، فيعضون بالنواجذ على السلطة حتى وهم على فراش الموت، يعضون عليها بالنواجذ حتى والبلد يحترق، يعضون عليها بالنواجذ حتى ونصف الشعب يباد؛ لقد منحتهم السلطة قناعا ما عادوا يملكون غيره؛ وإن خللهم العميق أنهم لم يتصالحوا مع مبدأ الوجود العرضي. في حين أن الديمقراطية من حيث هي تداول على السلطة، تعكس نوعا من المصالحة السياسية مع الوجود العرضي. بهذا المعنى نفهم كيف تطحن السلطة المطلقة من يمارسها قبل أن تطحن من تمارس عليهم، كيف تخدع من يمارسها قبل أن تخدع الآخرين، كيف تستعبد من يمارسها قبل أن تستعبد الآخرين. لهذا السبب كثر من تركوا سلطة جاءتهم على طبق من ذهب: يقال إن هيرقليطس تنازل عن الملك لأخيه حتى يتفرغ للحكمة. وبذلك ربما تكون أثينا قد خسرت ملكا جيدا لكن البشرية ربحت فيلسوفا عظيما.

درس آخر لفوكو، التغيير عملية لا متناهية لا تبتغي وهم الخلاص، وأحيانا لا يمكن فعل الكثير لكي تكون الأمور أفضل، لكننا، وكما ينبه فوكو، لابد وأن نفعل شيئا ما. علينا أن نتصرف بهدوء يوميا في كل التفاصيل، بعيدا عن خرافة عصر ذهبي في الأفق. والأمر هنا أشبه ما يكون بالثورة الدائمة في فكر تروتسكي، شريطة تحريرها هي الأخرى من عقيدة الخلاص. بحيث لا يوجد شكل نهائي يمكن أن ينتهي إليه التغيير فتعود الأمور إلى نقطة الجمود. التغيير صيرورة لا نهائية كما يرى آلان باديو. لكن، إذا كانت الحياة تميل إلى الصيرورة والتغير فإن السلطة بحكم طبيعتها ميالة إلى الثبات، وحين تحقق السلطة مرادها في الثبات فإنها سرعان ما تصبح قوة ضدّ الحياة. لذلك لم يحدث في أي لحظة أن تطورت فكرة خلاقة من داخل حقل السلطة. وهذا ما يجعل السلطة، حين تكون سلطة حيوية، محتاجة إلى هوامش متحررة منها وروافد مستقلة عنها، حتى تبقى على الأقل مكانا صالحا للحياة.

السلطة مثل البركة المغلقة، إذا لم تتغذ من ينابيع متدفقة إليها سرعان ما تصبح آسنة. السلطة بمعناها المحصور تفسد الإنسان. هذه حقيقة بديهية، غير أن الاعتراف بها لم يكن أمرا سهلا ولا سلسا؛ فقد تطلب حروبا أهلية ودماء غزيرة ومنعطفات دراماتيكية. ميزة الحداثة السياسية أنها استخلصت الدرس واستنتجت في الأخير أن السلطة ليست فقط قابلة للإفساد بل قد تصبح بفعل انغلاقها قوة لتجميد الحياة وإفساد الإنسان. هذه هي البداهة التي أنكرتها عهود القدامة معتقدة بأن جوهر السلطة الخير والصلاح، ولا يكون الفساد فيها إلا طارئا عليها أو في هامشها، كأن يكون السبب هو غش حاشية السطان أو تهاونها، وإلا فإن جوهر السلطة هو الصلاح. عندما نؤكد اليوم أنّ السلطة تفسد الإنسان، فالأمر متعلق باعتراف حداثي تبلور في سياق قدرة الحداثة السياسية على طرح السؤال: ماذا يجب علينا أن نفعل حتى لا تتكرر المأساة؟ ما العمل حتى لا تتكرر مآسي الحروب الأهلية والدينية وصعود الأنظمة الفاشية والنازية؟ نقطة البداية كانت اعتبار السلطة تفسد صاحبها وتفقده بعده الإنساني. على ضوء هذا الاعتراف أحيطت السلطة خلال النصف الثاني من القرن العشرين بتدابير تنظيمية وقانونية بنحو يجعلها تحدّ من نفسها بنفسها، ضمن ذلك: استقلالية القضاء، حرية الإعلام، نظام اللامركزية، الانتخابات في دورتين، تحديد مدّة الولاية.

السلطة تفسد الإنسان، ولذلك فهي أحوج ما يكون إلى أشخاص لا يمكثون فيها طويلا.

كاتب مغربي

9