ما استجد لكي تغلق القاهرة وكالة الأناضول

النظام المصري يفقد صبره مع الحرب "بالوكالة" عن أردوغان.
الجمعة 2020/01/17
الهوى السياسي يغلب على المهنية الإعلامية في الأناضول

يشير استهداف الأمن المصري مقر عمل موظفي وكالة أنباء الأناضول التركية، الأربعاء، إلى أن القاهرة ضاقت ذرعا من إصرار الوكالة على أن تكون آلة سياسية بيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتمسكها بأن تكون تقاريرها الصحافية قائمة على الانحياز الكامل لنظامه، وتعمدها نشر معلومات مغلوطة عن مصر.

القاهرة - استثمرت وكالة الأناضول واقعة مداهمة مقر عمل موظفيها غير المرخص في القاهرة، لتشكيل تكتل إعلامي مناهض للحكومة المصرية، وتصوير الواقعة على أنها “اقتحام لمقر الوكالة”، في حين أن مكتبها في القاهرة مغلق منذ عام 2016، وكانت تحصل على التقارير الصحافية من مراسلين يعملون من داخل مقر الشركة الإخوانية في منطقة باب اللوق بوسط العاصمة.

وبدأت بصمات وزير الإعلام المصري الجديد، أسامة هيكل، تظهر في التعامل بحسم مع الملفات التي جرى السكوت عليها بلا مبرر، وترتبط بتهديد الأمن القومي عن طريق الإعلام.

وقالت وزارة الداخلية المصرية، الأربعاء، إن قوات الأمن استهدفت وحدة سكنية في وسط القاهرة، تضم موظفين من إحدى اللجان الإلكترونية التركية الإعلامية، واعتقلت 4 منهم، أحدهم تركي الجنسية، كانوا يستخدمون المقر كمركز لنشاط مناوئ تحت غطاء مركز “سيتا” للدراسات، وعمدوا إلى مد وكالة الأناضول بتقارير سلبية عن مصر.

وارتبط قرار الإغلاق الرسمي بإلغاء مركز المراسلين الأجانب التابع للهيئة العامة للاستعلامات المصرية اعتماد الصحافيين العاملين في الوكالة، وسحب تراخيص إدارة المقر، وتم إبلاغ الوكالة بهذه القرارات عبر مخاطبات رسمية.

والتفت الأناضول على قرار هيئة الاستعلامات، باستغلال المقر المغلق رسميا، لإنشاء مركز “سيتا” للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي يتخذ من أنقره مركزا رئيسيا لإدارته، ولم يحصل على تراخيص بالعمل في مصر ليكون مكتبا للوكالة.

وحشدت الوكالة التركية المنصات الإعلامية الإخوانية للتعامل مع القرار المصري على أنه “اعتداء صارخ على حرية الرأي والتعبير”، وتجاهلت أن التحرك لوقف مراسليها في القاهرة، حق مشروع للحكومة، بمداهمة أي كيان إعلامي لم يحصل على ترخيص قانوني.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، الخميس، إن جميع الإجراءات التي اتخذتها السلطات المحلية تمت وفقا للقوانين، ووصفت ردة الفعل التركية بأنها “مرفوضة جملة وتفصيلا ممن يتربع بامتياز على مؤشرات حرية الصحافة حول العالم كأحد أسوأ الأنظمة انتهاكًا لحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة”.

موظفو إحدى اللجان الإلكترونية التركية كانوا يستخدمون المقر كمركز لنشاط مناوئ تحت غطاء مركز "سيتا" للدراسات.

وأكد سيد عبدالمجيد، مدير مكتب صحيفة الأهرام الحكومية في أنقرة، وهي أقدم وأكبر جريدة في مصر، أنه يواجه حصارا على تحركاته وكتاباته من جانب السلطات التركية، ويعيش مهددا طوال الوقت، حيث جرى سحب بطاقته الصحافية للعام الثاني على التوالي، وما زال يعمل دون تصريح، ولا توجه إليه دعوات خاصة بالمؤتمرات أو الفعاليات.

وأضاف في تصريح خاص لـ”العرب”، من أنقرة، رغم تحفظه على عملية المداهمة الأمنية، أن أوضاع الصحافة في تركيا مزرية، ويكفي ما يحدث مع صحف كبرى مثل “سوزجو” اليسارية من تلفيق تهم، فضلا عن الحصار المفروض على صحيفة “جمهوريت”، “لكن أردوغان محظوظ لأن هناك صحفا دولية ومحطات فضائية ووكالات أنباء عالمية تغض الطرف عن ممارساته دون معرفة الأسباب”.

وما يبرهن على أن مقر الوكالة في مصر، كان منصة لخدمة أغراض أردوغان، ذلك التعامل الرسمي مع توقيف موظفيها بالقاهرة، وتصوير الأمر كما لو أنه انتهاك لسيادة أنقرة.

وبعودة عقارب الزمن، تحديدا عام 2012، يمكن تفسير الصدمة التركية من مداهمة مقر الأناضول بالقاهرة، إذ إن يوم افتتاح مكتب الوكالة حضر وزير الخارجية داود أوغلو، ووزير الدفاع عصمت يلماظ، إضافةً لمسؤولين بالسفارة التركية في القاهرة.

وأشار ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامي، إلى أن تركيا سعت إلى تدعيم دورها السياسي في المنطقة، والثأر للإخوان من إسقاط نظامهم بدعمهم إعلاميا من خلال الأناضول التي حاولت أن تظهر قدرا من التوازن والاحترافية مع الشأن المصري، لكن الهوى السياسي غلب على المهنية الإعلامية.

ذراع أردوغان الخارجية
ذراع أردوغان الخارجية 

وأوضح أن “النظام التركي تعامل مع مداهمة مكتب الأناضول في مصر، على أنها ضربة موجهة إلى إحدى قواعده في المنطقة، باعتبار أن استمرار الوكالة يكرس وجود آلة إعلامية تخدم مشروع الهيمنة الإقليمية لأردوغان، والأناضول كانت جزءا أساسيا لبناء ارتكاز إعلامي بالمنطقة.

وتأسس مكتب الأناضول في القاهرة، كمقر إقليمي للوكالة، على مبدأ إعادة تشكيل الرأي العام وتوجيهه بعيدا عما تسوق له الوكالة الرسمية، بحيث يكون لها دور كبير في التأثير الثقافي للمجتمع المصري، وتؤثر من خلال تغطياتها الإعلامية في القرارات السياسية.

وقال صحافي تركي في مصر، رفض الإفصاح عن هويته، إن “استنفار السلطات التركية بشأن مداهمة مقر الأناضول يرتبط بأن أردوغان يعتبر موظفي الوكالة من رجالاته الذين تم اختيارهم بعناية فائقة، لتبني أفكاره وتوظيفهم كامتداد له، وهؤلاء يتجسسون على المعارضة التركية في القاهرة، ويبنون علاقات مع موظفين حكوميين مصريين معارضين، للحصول على معلومات واستثمارها في التقارير الصحافية التي تهدف لخدمة موقف تركيا ضد مصر”.

وأضاف، أن وكالة الأناضول كانت في الماضي أكثر استقلالا، لكن منذ المرحلة الثانية لحكم أردوغان، تحولت إلى أداة في يد النظام لتكون بمثابة شبكة جواسيس في الدول التي تريد تركيا تخريبها، حيث تدّخل بشكل شخصي في إجراء تغييرات جذرية للمسؤولين عن المكاتب الإقليمية للوكالة، وإقصاء أيّ شخص يتحدث عن حرية الإعلام.

وذكر أن “أغلب من اختارهم أردوغان لإدارة مكاتب الأناضول، تم انتقاؤهم من الجماعات المصنفة متطرفة، وكان التركيز على فروع الوكالة في الدول الإسلامية”.

ويبدو أن القاهرة طال صبرها على تحول مكتب الأناضول كمقر سياسي وليس صحافيا، لكن التحرك الأخير على علاقة بالتدخل التركي في ليبيا، وخشية الحكومة المصرية من الإسراف في تناول الوكالة لتقارير مفبركة لتوجيه الرأي العام لخدمة أردوغان.

مقر الإفتراءات 
مقر الإفتراءات

وكشفت مصادر مصرية، أن اقتحام الأمن مكتب الأناضول، لا يصنف على أنه انعكاس لهواجس القاهرة من الإعلام الخارجي، لأن هناك الكثير من المراسلين الأجانب يتناولون الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والحقوقية بصورة سلبية، لكن تقاريرهم غالبا ما تستند على أسس موضوعية، ويجري تحريرها بصيغة مهنية دون أن تكون معبرة عن موقف سياسي، ورغم امتعاض الحكومة منها، لكن الشرطة لم تقتحم مكاتب هذه المؤسسات. وأكدت أن أزمة القاهرة مع الأناضول تتخطى كونها وكالة أنباء تتعمد تسليط الضوء على السلبيات، لكنها أصبحت ظهيرا للمشروع الذي يريد أردوغان إحياؤه مجددا، بحيث تكون الوكالة بمثابة الرافد الإعلامي الذي يدعم الفكرة ويروج لها. وأقرب مثال على ذلك، أنها عمدت إلى فبركة صور لمتظاهرين عددهم بالآلاف، وزعمت أنهم شاركوا في مسيرات احتجاجية لإسقاط نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، في سبتمبر الماضي، قبل أن تعترف عبر حسابها على “تويتر”، بأنها أخطأت.

وانخرطت الوكالة في بث أخبار وتقارير ادعت خلالها دعم مصر لجبهة “الأورومو” في إثيوبيا، في أثناء الاحتجاجات التي اندلعت هناك، وزعمت وجود قوات مصرية في المنطقة الحدودية بين السودان وإريتريا وإثيوبيا.

واعتادت الخارجية المصرية نفي مزاعم الوكالة، لكن الأناضول لم تعر للروايات الرسمية اهتماما، ما جعل القاهرة على قناعة بأن التعاطي بشكل محترف معها عن طريق الرد الدبلوماسي، لم يعد له جدوى طالما تصر أن تكون أخبارها وتقاريرها قائمة على تقديم خدمة سياسية للنظام التركي وليس تغطية صحافية مهنية للجمهور.

18