ما الحب

الخميس 2016/01/07

هل للحب من معنى أم أنه مجرّد وهم ضروري كما يظنّ البعض؟ بهذا السؤال نكون قد انتقلنا بالحب من مجال القول الأدبي والشعري إلى مجال الاشتغال الفلسفي والنظري. هل هذا ممكن؟ في الواقع، رغم أن الكلام عن الحب في تاريخ الفلسفة قليل إلا أنه محوري. فشهادة ميلاد الفلسفة مختومة بخاتم الحب والمحبة: محبّة الحكمة. وتاريخيا، يعتبر كتاب أفلاطون “المأدبة” كتابا مرجعيا عند تناول السؤال ما الحب؟

في “المأدبة” جلسة جماعية شارك فيها عدد من الحكماء والشعراء والمبدعين، وتكلموا جميعهم في موضوع الحب. من وجهة نظر التاريخ الرسمي للفلسفة قد يسهل الانحياز إلى رأي سقراط الذي يمجد الحب باعتباره يحررنا من أنانيتنا وتعصبنا ويدفعنا إلى السمو والشجاعة والكرم ونكران الذات والتجرّد، لكننا هنا لسنا مطالبين باسم الوفاء لنص أفلاطون بأن نقصي منه سائر الأصوات المغايرة، بل بوسعنا أن نرى في اختلاف أصوات “المأدبة” سمفونية عذبة ومتناغمة.

ضمن أصوات “المأدبة” هناك صوت أرسطوفان الذي يؤكد أن الإنسان في أصله مخلوق أندورجيني، لكنّه أثار غضب كبير الآلهة زوس فشطره إلى نصفين، ذكر وأنثى، فبدأ كل نصف يبحث عن نصفه الآخر ليعاود معه الاتحاد. وهنا يكمن مبدأ الحب. لذلك قد لا نعتبر العبارة التي تقول “فلان يبحث عن نصفه الثاني” مجرد تعبير مجازي. الحب تضميد لجرح الكينونة وبلسم لانشطار الروح.

وهذا هو الموقف الذي أعاد ابن عربي صياغته من داخل الثقافة الإسلامية، بحيث يبدو انفصال حواء عن آدم بمثابة انشطار مؤلم في كينونة الإنسان بين الذكورة والأنوثة. لهذا يقع عشق الرجل للمرأة ضمن حنين الكل لجزئه، ويقع عشق المرأة للرّجل ضمن حنين الفرع لأصله. الحب مرة أخرى بلسم لانشطار الرّوح. غير أن رؤية ابن عربي تمثل أيضا حلا تركيبيا بين أفلاطون أريسطوفان، طالما أن عناق الأجساد مجرّد وسيلة لعناق الأرواح، وعناق الأرواح هو من باب حنينها إلى أصلها الإلهي.

وحاول الفيلسوف الفرنسي آلان باديو مؤخرا استعادة مقاربة أفلاطون للحب انطلاقا من خلفية ماركسية وخلفية نيتشوية. وبالجملة يضعنا كتابه “مديح الحب” أمام ثلاث خلاصات: أولا، ليس هناك حب آمن، إذ “لا يمكن أن يصبح الحب هدية تمنح في غياب تام للمخاطرة”؛ ثانيا، الآخر ذات فاعلة لا مجرد موضوع للمصلحة، إذ “يركز الحب على وجود الآخر في حد ذاته، على الآخر الذي يتدفّق، متسلحا بوجوده، إلى حياتي ممزقا ومشكلا إياها من جديد”؛ ثالثا، الحب لا يخضع لأي مخطط حسابي، وهذا بالذات ما يجعل “الحب ثقة حقيقية في الصدفة”.

يقول فيلسوف فرنسي آخر، سبونفيل: يفكر الرّجل في الجنس أكثر، وتفكر المرأة في الحب أكثر، وهكذا، لولا النساء لما بقي الحب في هذا العالم. إذا اتفقنا مع هذا الاستنتاج المثير للقلق ستبدو صناعة الحب وظيفة النساء بالأساس، لكن، لربّما هنا يكمن البعد الدراماتيكي في كينونة المرأة التي عليها أن تراهن على مسألة محفوفة بالمخاطرة غير المحسوبة وبالصدفة غير المضمونة. إنها دراما الأنوثة بامتياز. لكن، أليست الحياة نفسها بهذا النحو؟

24