ما الحرية الدينية

الاثنين 2015/02/16

إذن، هذه المرّة فعلها مواطن أميركي، ربّما هو ملحد يكره الأديان كما قيل عنه أو كما قال عن نفسه، قام بقتل ثلاثة طلبة مسلمين بسبب انتمائهم الديني على الأرجح. لا أعرف إن كان عدم قيام أي مؤسسة إعلامية أو دينية أو ثقافية في أميركا بتبرير الجريمة أو توجيه اللوم للضحايا أمرا يهم الجميع أم هناك من لا يهمه هذا الأمر، لكن الأهم أن تكون رؤيتنا كقوى تنويرية واضحة: الجريمة جريمة، والذين يبرّرون الجريمة هم الأسوأ، سواء اقترفت الجريمة باسم الدين (أي دين) أو اقترفت ضدّ الدين (أي دين). وهي في الحالتين معا تسمّى اضطهادا دينيا.

سنتفادى الدخول في دوامة السؤال، أيّهما يعدّ عنفا أصليا، وأيهما مجرّد رد فعل على العنف الأصلي، هل هو العنف باسم الدين أو العنف ضدّ الدين، هل هو العنف باسم الإسلام أو العنف ضدّ الإسلام؟ لكن الذي يهمنا هو أن نتفادى مثل هذه الحلقة المفرغة. سنقول في هذا الصدد قولا واضحا: عالم الحرية الدينية، والذي هو أفق التنوير، عالم لا يكون فيه الدين في موقع الجلاد ولا يكون فيه الدين في موقع الضحية. وإن كان التنوير لا يزال أقرب إلى الأفق منه إلى الواقع المتحقق، فإنّ إمكانية نقد الغرب باسم قيم التنوير نفسها لا ينبغي، بأي حال من الأحوال، أن تنسينا بأنّ شعوبنا الإسلامية لم تنجز بعد أيّ خطوة جادة في طريق التنوير. من هنا أولويّة المشروع النقدي الموجه نحو موروثنا الفقهي أولا. والباقي يأتي في حينه.

عموما، لقد تبلورت الحرية الدينية في الأزمنة الحديثة كجواب على عقود من الاضطهاد الديني الذي مارسه رجال الدين وسدنته، وفعلا، فقد كان هذا في الغرب، حيث مشاهد العنف ضد علماء الفلك والفلاسفة والهراطقة والساحرات والمصلحين الدينيين لا تزال تقضّ مضجع الذاكرة، ولا ننسى بأن هناك أصلا ذاكرة يقظة لا تتردد في أن تقول “هذا يجب ألاّ يتكرّر”، لكن ذلك لم يقتصر على الغرب حصرا كما نحب أن نتوهم، فقد غاصت به حضارة الإسلام أيضا، وهذا رغم ميلنا إلى نسيان فواجع الاضطهاد باسم الإسلام والذي لم يكن أقلّ فظاعة عن العصر الوسيط الأوروبي: مشهد صلب غيلان الدمشقي في الشارع العمومي عقب تكفيره قبل تقطيع أطرافه ثم لسانه، ومشهد صلب الحلاج لمدة ثلاثة أيام قبل حرقه، ثم الأمثلة كثيرة.

تبلورت الحرية الدينية في العصر الحديث لأجل طيّ صفحة اضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان باسم المقدس الديني. واتخذت صيغتها التأسيسية مع إعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان ووثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية. وكان للحرية الدينية في تلك المرحلة معنى واحد: حرية الإنسان في مواجهة جبروت السلطة الدينية. لكن إبّان النصف الأول من القرن العشرين كانت بعض تجارب الأنظمة الشمولية حولت الأديان، أو بعضها، من موقع الجلاد إلى موقع الضحية. وهكذا اضطهد ستالين رجال الدين وعلّق لهم المشانق، واضطهد هتلر اليهود وأشعل لهم المحارق.

لذلك، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكي يبلور معنى أكثر تكاملا للحرية الدينية: حرية الإنسان في ممارسة دينه في الإطار الشخصي أو الجماعي بحيث لا يُضطهد بسبب انتمائه الديني، وكذلك حريته في تغيير دينه بحيث لا يضطهده حراس دينه.

المشكلة رغم ذلك تظل قائمة فيما يخص ممارسة الدين في الإطار الجماعي، إذ هاهنا ثمة أسئلة شائكة ومفتوحة تسائل العقل الحقوقي الراهن، من بينها: هل ختان الفتيات بالنسبة إلى من يعتبرونه طقسا دينيا يُعدّ حرية دينية للجماعات التي تؤمن به، ومن ثم يجب علينا احترامه؟ أم أنه جريمة ضدّ الإنسانية؟ هل عدم اعتراف معظم الطوائف الدينية في العالم بالزواج المختلط هو من باب حرية ممارسة الاعتقاد في الإطار الجماعي، أم أنه مجرد اضطهاد للأفراد بدعوى احترام شعائر الدين؟ هل امتناع طائفة المورمون عن تعليم أبنائها في المدارس حق ديني لها يجب علينا احترامه، أم أن الأولوية يجب أن تبقى في كل الظروف لفائدة حق الطفل في التمدرس؟ هل إصرار بعض السلفيين على الزواج العرفي غير الموثّق حق ديني لهم، أم أنه مجرد ضياع للحقوق؟ أسئلة كثيرة تسائل حدود الحرية الدينية في الإطار الجماعي.

المشكلة لا تتعلق بممارسة الدين داخل الإطار الفردي أو الخاص، وإنما تتعلق بممارسة الدين ضمن الإطار الجماعي كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فما العمل لكي لا تصبح حرية ممارسة الدين في الإطار الجماعي فرصة تتيح للجماعة إمكانية اضطهاد أفرادها؟ سؤال يفتح الباب أمام الحاجة إلى مراجعة نقدية لبعض عبارات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عقب مرور أزيد من ستة عقود عن صياغته. ولم لا؟


كاتب مغربي

9