ما الذي تريده حماس حقا

الاثنين 2015/08/17

لا شك أن حركة “حماس” تواجه وضعا معقدا على كافة الأصعدة، فهي كسلطة تواجه الحصار الإسرائيلي، وعلى الصعيد الفلسطيني فهي موضع اتهام بقصة الانقسام، أما على الصعيد العربي فقد خسرت عالمها، لا سيما أنها بعد فقدانها إيران كمصدر دعم، فقدت حواضنها العربية خاصة مع انهيار حكم الإخوان في مصر. فوق ذلك فإن حماس ا في مأزق شديد فهي حركة مقاومة كما يفترض، لكنها بمثابة سلطة في غزة مسؤولة عن تدبّر أحوال مليوني فلسطيني.

حماس تبدو حائرة في الخيارات التي يفترض أن تعتمدها، بين كونها حركة مقاومة مطلوبا منها أن تواصل الكفاح المسلح، أو كونها سلطة ينبغي أن تحافظ على استقرار وأمن المجتمع الذي تديره. كما أنها حائرة بين الحفاظ على سلطتها الأحادية في غزة، أو الانخراط في عملية تؤدي إلى استعادة وحدة كيان السلطة الفلسطينية بين الضفة وغزة. ويتبع ذلك اضطراب خطابات قادتها بين تخوين بعضهم السلطة الفلسطينية في الضفة وبين إبداء بعضهم الآخر حرصه على إقامة حكومة وفاق وطني. وهذه الحيرة تشمل الموافقة على هدنة طويلة مع إسرائيل أو الاستمرار في المقاومة حسب الظروف المتاحة. وتأتي ضمن ذلك حيرتها إزاء المشاريع المطروحة، التي تتضمن إغراءات معينة كبناء ميناء في غزة، مقابل هدنة طويلة الأمد ورفع الحصار مع أثمان سياسية. هذه الحيرة تشمل أيضا علاقاتها الخارجية فهي حائرة بين استعادة علاقاتها مع إيران، أو تطوير علاقاتها مع السعودية وتركيا.

مع كل ذلك، ومن الناحية العملية، تبدو “حماس” منسجمة مع تكريس واقعها كسلطة، بل إنها تبدو حريصة على ترسيخ ذلك، باعتباره أمرا لا يمكن التراجع عنه، وهي تبذل كل الجهود في هذا الاتجاه، سواء تعلق الأمر بتعزيز هيمنتها على مجتمع الفلسطينيين في غزة، أو عبر احتكاكها المباشر أو غير المباشرة بإسرائيل، أو في استدراجها للعروض والمشاريع الخارجية من شخصيات دولية كجيمي كارتر وطوني بلير.

مشكلة هذه الجهود أنها تصطدم ببعض القيادات في “حماس” تظن أن هذه البقعة من الأرض، التي تشكل 1.3 بالمئة من فلسطين التاريخية، مع علمنا أن هذه الخطابات لا تفعل شيئا في واقع تسيطر فيه إسرائيل على كل نواحي الحياة في غزة.

ويمكن تقديم خطاب محمود الزهار كنموذج لهكذا خطابات. ففي كلمته التي ألقاها في حفل تخريج فوج “فتيات جيش القدس” في غزة، مؤخرا، اعتبر أن الشعب الفلسطيني أمام مرحلة يعد فيها أبناءه وبناته لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في معركة التحرير، مبينا أن “إخراج اليهود من فلسطين فريضة إسلامية وليس شعارا نتغنى به”، و“إن هذه المخيمات بمثابة صورة واضحة المعالم لمعركة ‘وعد الآخرة’ مع الاحتلال حتى إخراجه من كل فلسطين”. بل إن الزهار خاطب أصحاب البيوت المدمرة جراء الحرب الاخيرة قائلاً “إن الإعمار واجب على الاحتلال الإسرائيلي أن يحققه، فهو الذي ارتكب الجريمة، والذي دمر، وعليه أن يُدخل كل المواد التي نعيد بها ترميم مساجدنا وكنائسنا ومستشفياتنا ومدارسنا وبيوتنا”. وبديهي أن هذا القول ينم عن سذاجة أو يطرح للمزايدة لأن مثل هذا المنطق يفيد أيضا أن إسرائيل مسؤولة عن تشريد مليون فلسطيني من أرضهم، وأنها تبعا لذلك ينبغي أن تعيدهم إلى فلسطين. طبعا منطق الزهار يأخذه أيضا إلى اعتبار ان إسرائيل هزمت في الحرب الأخيرة، وأن معركة «العصف المأكول، ضربت الاحتلال الإسرائيلي من فوقه ومن تحته، ومن يمينه وشماله، وأقنعته أن دخول غزة مستحيل”. إن هذا الخطاب يتضمن قدرا كبيرا من الانفصام عن الواقع، مع علمنا بالجهود التي أفضت إلى إيقاف الحرب قبل عام، رغم أن إسرائيل رفضت كل مطالب المقاومة وقتها. حماس معنية بتوضيح مواقفها إزاء كل المسائل المذكورة، والتخلص من الحيرة التي تعتري خطاباتها.

كاتب سياسي فلسطيني

9