ما الذي تنتظره تونس من المؤتمر العاشر لحركة النهضة الإخوانية

الجمعة 2016/05/20

من المقرر أن ينطلق الجمعة 20 مايو 2016 بتونس مؤتمر حركة النهضة الإخوانية لغايتين؛ الأولى هي التقييم العـام للحركـة والثانية هي الفصل بين الدعوي والسياسي.

هو مؤتمرها العاشر منذ تأسيسها سنة 1979 والثاني بعد الثورة إذ كانت قد عقدت مؤتمرها التاسع في يوليو 2012 بعد فوزها بأغلبية المقاعد في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتـوبر 2011 وتشكيلها ائتلاف الترويكا الذي حكم تونس طيلة سنتين.

السؤال هو ماذا يقصد النهضويون بالتقييم؟ وهل لهم الشجاعة الكافية لمراجعة مسارهم منذ عودتهم إلى النشاط السياسي العلني منذ أن حررهم الشعب التونسي بعد الثورة إلى اليوم؟ وهل بعد التقييم هناك مسؤوليات سيتم تحديدها وتحملها؟

التقييم يعني كشف الحركة عن مصادر تمويلها. ويعني أيضا مصارحة الشعب التونسي بالحجم الحقيقي للذراع الجمعياتية للحركة. التقييم يعني وضع الحقائق كلها على الطاولة وطرحها على الـرأي العـام التـونسي لا سيمـا في مـا يتعلـق بالعـلاقة مـع رابطات حمايـة الثـورة العنفية. التقييم يعني الاعتراف بحجم المسؤولية في التحريض على الاستيلاء على المساجد، وكشف كل المعطيات عن الأئمة والخطباء الذين عرّضوا بالسياسيين والإعلاميين والمثقفين، وحرضوا عليهم وأهدروا دماءهم.

ولا قيمة للتقييم إذا لم تعترف النهضة بكل التفاصيل عن علاقتها بتنظيم أنصار الشريعة. ولن يكون التقييم ذا فائدة إذا لم تعترف النهضة بحجم مسؤوليتها في تهريب أبي عيـاض زعيم تيار أنصار الشريعة الإرهابي، ومسؤوليتها عن اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

وهل يمكن أن تكون للتقييم فائدة إذا لم يحمل اعترافا بجريمة الرش في محافظة سليانة في شتاء 2012 واعتذارا عنه؟

التقييم هو فتح ملفات حكومتي الترويكا أمام الهيئات المعنية بمقاومة الفساد وإعادة الأموال التي تم تحويل وجهتها من خزينة الدولة إلى خزائن أخرى، ومراجعة التعيينات التي وقعت بالآلاف في الوظيفة العمومية ومؤسسات الدولة تحت غطاء العفو التشريعي العام.

التقييم هـو الاعتذار للشعب التونسي عن إهدار فرصته التاريخية في التقدم، وتحقيق حلم الشعوب العربية والشعوب المضطهدة عموما في التقدم والاستقلال والتحرر النهائي من سلطة الإمبريالية العالمية، والشركات متعددة الجنسيات، واللوبيات المالية، ومافيات الفساد الدولي.

أما موضوع الفصل بين الدعوي والسياسي فلا بد من الإشارة إلى انشغال الشارع التونسي بالعلاقة بين الدعوي والسياسي التي فرضها عليه تواجد حركة سياسية إسلامية فيه هي حركة النهضة.

ففي آخر سبر للآراء أجري في تونس ونشرت نتائجه، يؤيد 73 بالمئة من التونسيين فصل الدين عن السياسة، ولا يعتبر 72 بالمئة منهم الشريعة المصدر الوحيد للتشريع، ويرفض 75 بالمئة منهم تدخل أئمة المساجد في الشأن السياسي.

وخلافا للشعار الرئيسي لمـؤتمرها العاشر توشح حركة النهضة موقعها الرسمي على الإنترنت بجملة من الشعارات والعبارات منها تعريفها بكونها “حزبا سياسيا وطنيا ذا مرجعية إسلامية”، ومنها كلمة القيادي بالحركة، لطفي زيتون، “الأقرب إلى الإسلام هو الأقرب إلى حل مشاكل الناس ومحاربة الفقر والبطالة والفساد”.

الحقيقة أنه ليس من المنهجي الانجرار وراء الدخول في سجال مع زيتون حول عبارته هذه، ولكـن لا بأس من التذكير بالتقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية والذي لا نجد فيه الدول الإسلامية تتصدر المراتب الأولى في الشفافية ومقاومة الفساد، ونجد فيه في المقابل دولا عربية كثيرة في الاتجاه المضاد.

أما عن محاربة الفقر والبطالة فللسيد زيتون فقط أن يراجع معدلات النمو ونسب التداين وأرقام العاطلين في عهد حكومتي الترويكا اللتين قادتهما حركة النهضة الإسلامية.

فلقد حافظت معدلات النمو على انحدارها المستمر منذ حكمت النهضة بشعاراتها الإخوانية إلى اليوم. أما نسب التداين فإنها بلغت درجة تهدد استقلال القرار الوطني في تونس. وهل بمثل هذه الشعارات ستقيم النهضة أداءها، وستفصل بين الدعوي والسياسي؟

كما تنشر الحركة على صفحتها الاجتماعية على فيسبوك مقطع فيديو يتحدث فيه القيادي في الحركة رفيق عبدالسلام لتلفزيون تونسي خاص عن “تشكل نمط أو أنماط جديدة وتعبيرات جديدة للإسلام السياسي”. وهذا دليل على أن ما تعيشه حركة النهضة ليس جدلا خلاقا من أجل التغيير الحقيقي، وإنما هي حالة عصية من الانفصام لا يبدو أن هناك شفاء قريبا منها لسبب أساسي أنها حركة عقدية وليست مدنية.

كما لا بد من تحميل المسؤولية لكل الحكومات التونسية التي حكمت بعد الثورة لأنها خالفت الدستور ورخصت للنهضة وغيرها مـن الأحزاب العقـدية ممارسة النشاط السياسي، وهي ليست مدنية وترفع شعارات دينية.

لقد استغلت النهضة وغيرها من الأحزاب السياسية العقدية، كحزب التحرير، الفراغ الدستوري بعد إيقاف العمل بدستور 1959 ووظفت التريف السيـاسي الذي أصاب الحياة المدنية بفعل انتشار الخيمات الدعوية والجمعيات الخيرية والمدارس القرآنية من أجل انتزاع تأشيرة العمل السياسي.

ويستمر خرق الدستور إلى اليوم، بل إن حزب نداء تونس الفائز في انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية ورئيسه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي عوض أن يتحملا مسؤوليتهما التاريخية ويحميا تونس وشعبها من خطر الأحزاب العقدية، يتحالفان مع النهضة في الحكم بعد أن بنيا حملتهما الانتخابية على معاداتها والتخويف منها.

ولم يكـن ما فعلاه إلا بعثا للحياة في رماد الحركـة التي بدأت تخبو بفعل المتغيرات الإقليمية والدولية التي اتسمت بفشل الرهان على تيار الإسلام السياسي من قبل القوى الدولية والاستعمارية الغالبة وتراجعها عن مساندته.

لكن حزب نداء تونس، ورئيسه، أصرا على مغالبة إرادة الشعب التونسي والشعوب العربية الرافضة لأخونة السياسة وللمشاريع التابعة وغير التحررية التي تحملها تيارات الإسلام السياسي، سواء تلك التي وصلت إلى الحكم أو التي تتوثب إليه.

إن الصراع الدرامي الذي تعيشه قيادات حركة النهضة بين عمقها العقدي الوثوقي، وبين متطلبات اللحظة من التغير والتطور والتمدن لن ينتهي إلى شيء كبيـر مهمـا كانت الشعارات.

فحقيقة حركة النهضة لا تخفى في خطـب الأئمـة وفي أذرعها الإعلامية المرئية منها والمسموعة والاجتماعية، وفي حوارات قادتها كالتي ذكرنا نماذج منها. فما الذي ينتظره التونسيون من هذا المؤتمر؟

كاتب وباحث سياسي تونسي

8