ما الذي قالته مظاهرة بستان القصر؟

السبت 2014/01/18

يبدو واضحا أن المعركة التي يخوضها جزء من السوريين- سلميين ومسلحين- مع تنظيم «داعش» ليست محلية فقط، بل هي معركة ذات أبعاد إقليمية ودولية، وذات صلة بملف تنظيم القاعدة ومآلاته بعد الانشقاق الذي أحدثه الخلاف بين أبي بكر البغدادي من جهة، وأيمن الظواهري وأبي محمد الجولاني من جهة أخرى. إلا أن هذه المعركة بكل أبعادها بما في ذلك الخلاف الداخلي في القاعدة بين النصرة وداعش لها حوامل سورية محلية تتعلق بالثورة السورية وكفاح السوريين من أجل الحرية، بصرف النظر عن ترهّات من يتهمون المحرضين على “داعش” بالارتباط بجهات خارجية.

تتكثف هذه الحوامل المحلية في المظاهرة التي خرجت في الثامن من كانون الثاني في حي بستان القصر الحلبي تشييعا لناشطين استشهدوا على يد عناصر “داعش”، هذه المظاهرة التي هتف فيها بعض ثوار المدينة المنكوبة ببراميل جيش الأسد، مطالبين بالقصاص من “داعش” وقيادتها في هتاف يقول الكثير الكثير: “حرية .. أزادي .. بدنا راس البغدادي”.

هذه النبرة المتحدية تذكر فورا بالمطالبات الشجاعة على ألسنة المتظاهرين بالقصاص من الأسد، هذه المطالبات التي وصفت من قبل كثيرين بمن فيهم معارضون تاريخيون للنظام السوري بأنها ذات محمول حاقد وطائفي، تقول بستان القصر اليوم لهؤلاء نقيض ذلك: القصاص من الطاغية القاتل أيا كان، حتى ولو كان من يصف نفسه بأمير الجهاد في العراق والشام.

على المقلب الآخر فإن هناك بعضا من شركاء داعش الأيديولوجيين في النصرة والجبهة الإسلامية وأنصارهما يصرُّون على وصف ما يجري بالفتنة، ويحاولون أخذ المعركة نحو عملية توفيقية تفاوضية مرعية من قبل هيئات شرعية، وهؤلاء هم من يمكن أن يقال عنهم إن الطائفية والأيديولوجيا الإسلامية كانت حاضرة في مطالباتهم بالقصاص من الأسد، ذلك لأن المطالبة بالقصاص سقطت لديهم عند أقدام “أبي بكر البغدادي” وعصاباته بدعوى أنه مسلم ومجاهد، ولهؤلاء قالت بستان القصر كلمتها: الطاغية القاتل هو الطاغية القاتل أيا يكن.

المطالبة برأس البغدادي، وهي ليست في نهاية المطاف إلا تكثيفا شعبيا لمطلب تصفية تنظيم «داعش»، وليست محض نزعة ثأرية كما يحلو للبعض أن يقاربوا المسألة، تتطابق مع الهتافات التي طالبت برأس الأسد تكثيفا للمطلب الشعبي بتصفية نظامه. إلا أنها تضيف بعدا جديدا للثورة الشعبية في سوريا يتمثل في الإعلان عن إمكانية كسر المعادلة التي سادت الخطاب السياسي المحلي والدولي. تلك المعادلة التي جعلت الخيار السوري محصورا بين نظام الأسد والسلفية الجهادية، والتي بنيت عليها مقاربات تفضي إلى تفضيل نظام الأسد لدى كثيرين في سوريا وخارجها، وخاصة لدى القوى الدولية التي كانت- ولا تزال- تبحث عن مبررات تعلق عليها موقفها الملتبس من النظام السوري والفظائع التي يرتكبها.

والمطالبة برأس البغدادي، إذ تخرج من حناجر متظاهرين من أبناء مدينة تتعرض لقصف همجي بالبراميل المتفجرة أزهق أرواح المئات خلال أقل من شهر، تعني أن الثورة التي “بشَّر” كثيرون بأنها لفظت أنفاسها أو تكاد لا تزال حيةً ترزق، وأن أولئك الذين دفعوا الأثمان الباهظة في مواجهة الآلة العسكرية الصماء للأسد، لم يرفعوا الراية البيضاء بعد، ولا يبدو أنهم بصدد رفعها على الرغم من كل هذا العنف البهيمي الذي واجههم به “النظام السوري” ثم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

قالت حناجر أبناء بستان القصر أشياء كثيرة، من بينها أن معركة إسقاط الأيديولوجيا- وعلى رأسها “أيديولوجيا تقديس الدولة”- لن تتوقف وستستمر لصالح إعلاء حقوق الفرد على الأيديولوجيا. والأهم من كل هذا فإن هتافات بستان القصر، والمعركة مع داعش برمتها تقول إن الحوامل المحلية للثورة السورية لا تزال فاعلةً وقادرة على التأثير رغم من التضليل الأيديولوجي والإعلامي، ورغم تداخل الملفات الخارجية ولاعبيها المحليين والإقليميين والدوليين.


كاتب سوري

9