ما الذي يجعل الحياة عادلة

الخميس 2015/09/17

العقل أعدل قسمة بين الناس، هكذا يقول جان جاك روسو. ولن نجانب الصواب إذا اعتبرنا هذا القول بمثابة الفرضية التأسيسية التي قامت عليها الممارسة الديمقراطية في الغرب؛ بحيث تتساوى أصوات الناخبين باختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية، طالما أن عقولهم متكافئة في القدرات، فلا يحدث التفاوت في الغالب إلا بسبب اختلاف الفرص والإمكانيات، وهي أمور متعلقة بالمسائل الاجتماعية التي لا دخل للطبيعة فيها، أو هكذا يُفترض.

طبعا هناك مخاطر “ثقافية” تتعلق بالاغتراب والاستلاب والتمويه إلخ، وتستدعي مواصلة معارك التنوير على منوال فوكو وتشومسكي وبودريار. وهناك أيضا مخاطر “تقنية” يحملها تطور تقنيات علم الجينات في عالم تتفاقم فيه الفوارق الاجتماعية بنحو حاد، ما يجعل اللاّمساواة الاجتماعية قد تصبح لا مساواة بيولوجية أيضا، سواء في الذكاء والحواس أو في القوة والجمال، وذلك عندما يكون بوسع العائلات الثرية تحسين نسلها وتجويده، ما قد يحول الطبقات الاجتماعية إلى طبقات بيولوجية أيضا، ومن ثمة تنشأ فصائل بشرية متنوعة مثلما يحدث في عالم الكلاب.

وهذا خطر كبير يحذر منه هابرماس باستمرار. ونستطيع أن نعتبر المساواة في العقل مكسبا إنسانيا يصعب التفريط فيه دون تهديد مستقبل النوع البشري. لكن، ليس العقل وحده يُعتبر قسمة عادلة بين الناس، هناك شيء آخر لا يقل عدالة: الزمان. فجميعنا نملك نفس عدد ساعات اليوم، نفس عدد ثواني الساعة، نفس الإيقاع البيولوجي، نفس مدّة الطفولة، نفس مدّة الحمل، نفس إيقاع نبضات القلب، نفس سرعة دوران الأرض، أي أننا نملك بالتساوي نفس إيقاع الزمن، ما يقود إلى مسألة أخرى هي أكثر شيء يجعل الحياة عادلة.

الزّمان ينساب بنفس الإيقاع ويسري على الناس سريانا واحدا، ونحن في كل لحظة ننتمي إلى نفس اللحظة. لسنا كلنا “هنا”، فالبعض هنا والبعض هناك، لكننا كلنا “الآن”. إننا لا نتموقع في نفس المكان (هنا) لكننا نتموقع في نفس الزمان (الآن). ثم إن الواحد منا لا يستطيع أن يفعل في نفس الآن سوى أشياء محدودة. وهذا ما يفرض على كل إنسان في كل لحظة أن يختار.

وفي الوقت الذي يتم فيه اختيار فرصة محددة، يتم فيه تضييع فرص لا متناهية. وهذا العوز لا يمكن تعويضه بالمال. بهذا النحو لا يتيح لنا الزمن المتاح إمكانية أن نحدد سوى القليل من الاختيارات. فلا يستطيع المرء أن ينجح في كل شيء إذ لا بد من تضحيات هي نفسها بمثابة خيبات وتنازلات وانسحابات. وهذا أكثر شيء يجعل الحياة عادلة.

غير أن التطورات التقنية في الهندسة الوراثية، وفي الفيزياء الكونية، وصناعة الفضاء، قد تنتهي إلى تدمير هذه الحقيقة السعيدة، وقد تنهار وحدة الزمان بسبب تعدد “أنساق الإسناد الفيزيائية”، وبسبب تفاوت “الإيقاعات البيولوجية”، فلا يعود الزمان قسمة عادلة بين البشر.

وربما لهذا السبب يعتبر الكثيرون أن معركة التنوير في أفقها الكوني لا تزال مفتوحة، ولا يمكن التعويل على انتصار العلم في ذاته. في كل الأحوال، ما يجعل الحياة عادلة هو معطى أساس: الحياة معركة غير محسومة.

24