ما الذي يجعل عدو الخوارج وقامعهم محتفى به في عُمان

المهلب بن أبي صفرة يمنح الجنسية العمانية في ندوة فكرية، و"كل من هو أزدي فهو عماني": أغرب مزج بين القبلية والجغرافيا.
الثلاثاء 2018/05/22
هل كان المهلب مزدوج الجنسية

المهلب بن أبي صفرة، قائد أموي خاض حروبا ضد الخوارج وفق المراجع التاريخية. وقد أرادت الإمارات تكريم هذا القائد الذي ولد على جزء من أرضها في دراما تلفزيونية، الأمر الذي لم يعجب بعض العمانيين الذين يفاخرون بأن “أمير المشرق وخراسان” ينتمي إلى قبيلة أزد، رابطين في ذلك، الانتماء القبلي بالانتماء الوطني، وبلغت حالة التراشق ذروتها بين الجارتين عندما طالب مستشار السلطان قابوس للشؤون الثقافية الإماراتيين بـ”عدم الاعتداء على الأموات”.

ليس أشهر مِن القائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، وعلى وجه الخصوص في الحروب المتواترة، في ذلك العهد الأموي، مع جماعات الخوارج، حتى أن صاحب “سير أعلام النبلاء” قدمه بعبارات وألقاب مثل: “الأمير البطل” و“قائد الكتائب”.

 كان المهلب، ولسنوات طويلة، واليا على خراسان، وعمل قبلها وخلالها في قمع ثورات الخوارج، حتى صار اسمه موازيا في الشهرة لاسم الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق الشهير، مع أن الأخير هو الذي عينه واليا على خراسان، لتكون بعد مدة من وفاته، السنة 82 من الهجرة، ولاية لابنه يزيد بن المهلب، وكان يزيد قد اعتذر أو استعفي من ولاية تولي أمر العراق بعد وفاة الحجاج، لأنه لا يستطيع أن يوفر للخليفة الخراج ولا يُنسي العراقيين فتك الحَاج بهم، كما تقول مصادر تاريخية.

من المعلوم أن جماعات الخوارج كادت تنهي الدولة الأموية بالحروب واقتطاع الأرض عنها وعلى وجه الخصوص في الشرق؛ أي إيران وما بعد النهر، ونقول جماعات، لأنهم افترقوا إلى عدة فرق تختلف في السياسة والأفكار. فطاردتهم كتائب المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وانتهت شوكتهم، وبهذا يعود الفضل له في تثبيت دعائم الحكم الأموي، بل أنهى خطر الخوارج إلى ما بعد هذا العهد.

عمانيون يحاولون تحديد الولاءات على القبيلة والمواطنة، وبهذا احتفلوا بعدو الخوارج الأول، وبالتالي عدو مذهبهم الرسمي الإباضي

غير أن اللافت للنظر، أن عدو الخوارج وقامعهم الأول يُحتفل به في سلطنة عُمان، جاء ذلك في مؤتمر ـ أو ندوة ـ تحت عنوان “المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني”، وذلك في شهر مايو الجاري.

ما يلفت النظر كون الإباضية، وهو المذهب الرسمي لسلطنة عُمان، يعود بجذوره إلى فرقة من فرق الخوارج، بل يعتبر مشايخ المذهب أنفسهم هم الخوارج الأصل، والذين عُرفوا بـ“الشُّراة” و“الحرورية”. لهذا نرى الاحتفال بشخصية المهلب ينطوي على غريبة من الغرائب. فالإباضية، التي يعود وجودها، حسب تاريخ المذهب، إلى حرب صفين، السنة 37 هـ، انشقوا على الجيشين، جيش علي بن أبي طالب، وهو جيش الخلافة، وجيش معاوية بن أبي سفيان، وهو جيش إمارة الشام.

وبطبيعة الحال، كان الانشقاق على الخليفة والأمير معا، بدافع قبلي صرف، فبعد أن أعلن الحديث “الأئمة من قريش”، أو “الخلافة في قُريش”، أخذت القبائل الكبرى الأخرى تتوجس من التهميش وفق هذا الحديث، المنسوب إلى النبي محمد، فحصل الانشقاق وبدأ الخوارج بإعلان الخلافة، وأول القرارات التي اتخذوها، إلغاء هذا العُرف (الخلافة في قريش)، فنصّبوا أحد البارزين فيهم خليفة. لذا لو تمعنت في انتماءات جماعات الخوارج، لا تجد بينهم قريشيا، في حال من الأحوال، فالغالب منهم ينتمي قبليا إلى حنيفة، وتميم، وأزد.

على ما يبدو، يحاول العمانيون تحديد الولاءات على القبيلة والمواطنة، وبهذا احتفلوا بعدو الخوارج الأول، وبالتالي عدو مذهبهم الرسمي الإباضي، حتى أعلنوا المهلب بن أبي صفرة، عُمانيا في الندوة المذكورة. جاء ذلك واضحا في تصريح مستشار السلطان للشؤون الثقافية عبدالعزيز الرواس، الذي قال “تمنينا أن تكون ندوة المهلب بن أبي صفرة هذه لمد جسور الحوار مع الآخرين ليكونوا جزءا من هذه الأرض الطيبة التي تحتوي الكثير، لكنهم تركوا عمانيتهم وذهبوا لشيء آخر، تاهوا في الأرض أربعين عاما وعادوا الآن مرة أخرى ليريدوا أن يكونوا عمانيين، على الرحب والسعة ولكن يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها ونعطي الحق لأصحابه”.

وقال الرواس بعيد انتهاء الندوة إن “الاعتداء على الأموات ليس من شيم الكرام، ونحن هنا لنصرة الحق والتاريخ الممتد من مالك بن فهم وإلى عهد السلطان قابوس”، مناشدا الجميع “كفى اعتداء على الأموات”.

لم تنشأ الإباضية بعمان بل في البصرة، ولم يولد المهلب بن أبي صفرة بُعمان، لكنّ العُمانيين يعتبرون أن كل من هو أزدي فهو عماني، وهنا جاء المزج بين القبليّة والجغرافيا.

السؤال يطرح نفسه: هل أن تكـريم شخصية المهلب بن أبي صفرة جاء براءة من الخوارج والفكر الخارجي ككل

ربما بعذر أن المهلب وكتائبه قد حارب “الأزارقة”، وهم الجناح المتشدد من الخوارج، وكانت فرقة النجدات قد انشقت عن نافع بن الأزرق بسبب أنه بالغ في القتل، فأخذ يقتل الأطفال، بعذر ما جاء في الآية “قَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا”، وبهذا أباح قتل الأطفال إلحاقا بذويهم، وكذلك بالغ الأزارقة بالتكفير.

المذهب الإباضي ـ وبلا شك ـ في تقاليده الفقهية والأصولية (العقائدية)، لا يمتّ بصلة إلى الأزارقة، في تطرفهم، لكن أسباب النشأة ودوافعها والفكر العقائدي واحدة. فمؤرخو الإباضية يعتبرون أنفسهم الأصل، ولا يقرون القتل والتكفير، وصاروا معتزلة في الأصول، وحنفية في الفروع (الفقه)، وربما عذرهم أن المهلب القائد الأزدي العربي، والذي أعتبر عُمانياً في مؤتمر أو ندوة جامعة نزوى، قد قاتل الأزارقة، وهذا ما أشارت إليه كُتب التاريخ بوضوح. غير أن السؤال يطرح نفسه: هل أن تكريم شخصية المهلب بن أبي صفرة، جاء براءة مِن الخوارج والفكر الخارجي ككل، وعلى اختلاف مسمياته: “الشُّراة” (اشتروا الجنة بأرواحهم)، و“الحرورية”، والأخير نسبة إلى القرية التي خرجوا فيها أول مرة بالقرب من الكوفة؟

يبدو أن القبلية غلبت على العقيدة، فكل أزدي يصبح عُمانياً بالضرورة، وهذا ما جعل العُمانيين يحتفلون من قبل بصاحب العروض ومؤلف أول قاموس في العربية قاموس “العين” الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري ولادة ونشأة ومكانا ووفاة، على أنه من أعلام عُمان، بعذر أنه من قبيلة الأزد.

12