ما الذي يحدث

الأحد 2016/03/27

ما الذي يحدث لعالمنا الراهن، لأوطاننا المدمّرة، لأرواحنا المسلوبة؟ ما الذي يجري ليجعل حياة الجميع نهبا للجميع، ويجعلنا نحيا على إيقاع الدمار ولون الدم؟ ما الذي يحدث أيها الشعراء والكتاب والمنظرون الذين يحدون مواكب الموت؟ لماذا تبارك معظم مؤسسات الصناعة والتجارة والفنون مهرجان القتل والعنف وأنهار الدم بما تصنع؟ لماذا الصمت على إهانة الروح وتسليع الجسد؟ أهذا هو المصير الذي كتبنا وناضلنا من أجله طوال عقود: أن يتحول الإنسان في أوطاننا إلى مشروع موت وتمتلئ صفحات قصصنا وروايتنا برائحة الموت وتدوين الألم وتمجيد الأمهات الثاكلات والآباء الذين يهللون لاستشهاد أولادهم من أجل أن يحكم الحاكم وينتفع المنتفعون بالسلطة المطلقة؟

علام نعيش هذا الرضا الخنوع بما تفرضه الدول الكبرى على حيواتنا القصيرة من صراعات وحروب فاتكة وما تفرضه علينا من أيدلوجيات دموية وتلفيقات أعياد يفبركها أهل السوق والمنظمات المنتفعة من بؤسنا المتفاقم؟

تحتفل بلداننا البائسة بنسائها وأطفالها بأعياد ملفقة للحب والمرأة والطفل، وليس ثمة من حب وسط عالم يضج بصراخ الكراهية والثأر وليس من حب إلا وفق قوانين العرض والطلب وليس من نساء يحتفلن بالعيد الملفق سوى النساء البطرات المستفيدات من المنظمات الطفيلية التي تعتاش على التمويل الخارجي، بينما تعيش الملايين من النساء تحت خط الفقر وعلى خطوط النار في جبهات الحروب الطائفية والقومية والدينية التي يشعل جحيمها تجار الأسلحة وباعة الإنسان والأوطان، كيف تحتفل النساء بما يسمّى عيد المرأة ومئات الآلاف من النساء أسيرات أو مستعبدات لدى داعش وسواها من منظمات تدمير الحياة الإنسانية؟ أو نجدهن مسلوبات الإرادة والحقوق يعملن كالعبدات في المصانع والمزارع؟

قبل أن تجتاحنا حضارة التقنية والصناعة المتطورة القائمة على استغلال الإنسان والموارد كانت حياتنا متناغمة مع الطبيعة وكائناتها ثم تحولنا إلى كائنات تمسّخ الطبيعة وتستنفد خيراتها على أسوأ الوجوه وتسهم في تلويث الحياة بتواطئها مع ساسة الخراب وصناع الموت.

عندما كنا بشرا غير مؤدلجين نعيش في القرى والأرياف متآخين مع الطبيعة وكائناتها لم يكن الإنسان ليعرف التوتر والاستقطابات التي تستولدها الأيديولوجيات والسلطة التي تتحكم بحياة ومصائر الناس في المدن، كنا ننام ونصحو على إيقاع الطبيعة وقوانينها الحاكمة التي تتواءم مع كينونتنا الإنسانية الأولية، ولطالما عشنا متصالحين مع الشمس والليل والقمر والنجوم دون أن يسوسنا مبشرون بالفراديس والحور العين، وكان الإنسان يعمل وينتج ويصلي دون قسر أو إرغام أو تسويق للإيمان وكانت إيقاعات حسّاتنا اليومية تتواشج مع إيقاعات الطبيعة الحرة وتصونها، كان الإنسان صديقا للنهر والبراري والتلال والكائنات الأخرى التي يتقاسم وإياها الحياة على هذا الكوكب، حتى إذا ما استبدت سياسة الجشع الكولونيالي والخطط البشعة للاستحواذ على منابع الثروة من المعادن والغابات والمياه وأعماق الأرض والبحار تحوّلت بوصلة حياة البشر، وانتكست الروح وتوارت قدراتها الأولية خلف أقنعة الحضارة الزائفة.

عمّ الضجيج وسادت الكراهية وتقدمت صناعة الأسلحة المدمّرة من أجل أن تسود العالم فئة صغيرة من الساسة الأثرياء المفتقرين إلى النبل الإنساني ممّن يتحكمون في المصائر ومستقبل الأرض عن طريق التحكم بأسعار المنتجات الأساسية وتسليع الجسد الإنساني واستغلال قدراته المنتجة وترويج العنف في السينما والفنون، كان الناس متقاربين دون تلك الحواجز التي اخترعتها الأيديولوجيات المتصارعة السياسية منها أو الدينية أو الاقتصادية ثم صنّفت الناس إلى موالين ومعارضين وأيقظت فيهم روح التناحر والتغالب لتهيمن على حيواتهم ومصائرهم.

كاتبة من العراق

11