ما الذي يحدث في العراق

الخميس 2015/01/08

سيستقيم السؤال لو أنه جاء على هيئة “ما الذي لا يحدث في العراق؟”. فالبلد المنكوب الذي تدور على أرضه الحروب منذ 35 سنة لا يزال مؤهلا لإنتاج حروب مضافة، كما لو أن كل حرب جديدة يشهدها لن تزيد من تعاسته في شيء، بعد أن اكتملت صورته بلدا تعيسا، لا أمل في شفائه من العذاب.

كان رئيس الحكومة السابق نوري المالكي قد يأس من إمكانية قيام حرب أهلية بعد ثماني سنوات من حكمه، فقرر ألا يترك الحكم إلا بعد أن يضع البلد على نار حرب، توهّم أنها ستكون نوعا من الحرب التي حلم بأن يكون بطلها. وهو ما يجعلنا ندرك السبب الذي دفعه إلى أن يأمر قواته بترك أسلحتها المتطورة غنيمة لتنظيم داعش الإرهابي، بعد أن انسحبت بطريقة منظمة من غير قتال.

وكما يبدو فإن داعش قد خيب أمله حين اكتفى بفرض هيمنته الكابوسية على المناطق ذات الغالبية السنية، التي صار المالكي يسوق لكذبة ولائها للإرهاب، كونها حاضنته التي رحبت به وغذته برجالها، وهو مضمون المؤامرة التي صار المالكي وسواه من الطائفيين يلقون على حبالها غسيل هزيمتهم.

وإذا ما كان السيستاني، وهو مرجع أعلى لأتباع المذهب الشيعي، قد بادر إلى إصدار فتوى لما سمي بالجهاد الكفائي، فإن تلك الفتوى قد دخلت حيز التنفيذ باعتبارها نوعا من التعبئة الطائفية للدفاع عن الأضرحة الدينية المقدسة لدى الشيعة، وهي الأضرحة التي بدلا من أن يلحق تنظيم داعش بها الضرر كما نص مضمون الفتوى السيستانية، صار التنظيم يفجر أضرحة الأنبياء والمساجد التي تقع في الأراضي التي يهيمن عليها.

فما الذي أنتجته فتوى السيستاني بعد أن أبطل داعش مفعول مضمونها؟ لقد أنتجت تلك الفتوى ميليشيا تحت عنوان “الحشد الشعبي”، وهي ميليشيا تتكون في معظمها من مقاتلين فضائيين، يقبضون مخصصاتهم المالية من غير أن يلتحقوا بجبهات القتال التي كانت ميليشيا بدر الإيرانية، بزعامة هادي العامري، تراقب تحولاتها، بعد أن تكفلت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب والغربيون بقصف تجمعات داعش من الجو.

لم يكن ذلك الانتظار عبثيا، فكلما ضعفت سيطرة داعش على بلدة أو قرية كان محاربو بدر يدخلون إليها ليهجّروا سكانها وينهبوا ممتلكاتهم ويهدموا بيوتهم، تحت ذريعة أن تلك البيوت كانت تأوي الإرهابيين. أما إذا قاوم أولئك السكان الأوامر، فإن الإبادة الجماعية ستكون مصيرهم. وهو قرار متخذ سلفا من أجل إعادة رسم خريطة العراق السكانية حسب الانتماء المذهبي.

لقد أشارت تقارير الكثير من منظمات حقوق الإنسان في العالم إلى أن هناك عمليات إبادة جماعية تشهدها المناطق التي ينسحب منها مقاتلو داعش. سمّت تلك التقارير منظمة بدر بالاسم، غير أن وكالات الأنباء والمحطات الفضائية كانت تقفز على تلك الأخبار، من أجل ألا تعترف أنها ممنوعة من نقل الحقيقة، وإلا ما معنى أن يقيم مراسلو تلك الوكالات والمحطات في شمال العراق لينقلوا أخبار ما يجري في غربه ووسطه؟

كانت المفاجأة أن تعترف إيران رسميا بوقوع مجازر في المناطق القريبة من حدودها، وهو ما دفع السيستاني محرجا إلى إصدار فتواه بتحريم القتل والسرقة والنهب في تلك المناطق. تلك العمليات التي اعترفت الفتوى بأنها كانت تجري على أيدي أفراد الحشد الشعبي، وهي التسمية المضللة لمنظمة بدر.

ما يحدث في العراق اليوم أن هناك عمليات إبادة منظمة تقوم بها ميليشيات شيعية، وضعها الاعتراف الإيراني تحت الضوء، واعترفت فتوى السيستاني بما تنطوي عليه من أهوال وفجائع.

لقد غسلت إيران، باعترافها، يديها من الدم العراقي، وهي تعرف أن تلك المجازر سيتم الكشف عنها عالميا يوما ما. أما السيستاني فقد قرر أن يعلن براءته أمام المسلمين، الشيعة منهم بالذات من باب الحيطة. فالضمير الإنساني لا يمكن أن يستمر في غفوته. وهو ما يعني أن الاثنين لم يعترفا من أجل إيقاف المجازر، بل لكي يستعدا لمرحلة ما بعدها.


كاتب عراقي

9