ما الذي يريده أردوغان من العبادي

الجمعة 2016/10/14

مخطئ من يحاول أن يقرأ مشهد التوتر التركي – العراقي، لوحده بمعزل عما حوله من توترات متصاعدة في المنطقة، ومخطئ للغاية من يظن أن الصّدام الذي وقع أمس بين بغداد وأنقرة هو لحظة خصام ثنائية بين العاصمتين وحسب. أبدا الصورة أكثر اتساعا من هذه الجزئية، مهما بدت هذه الجزئية مهمة ومثيرة، ومهما تصاعد التراشق الإعلامي بين الجانبين.

رجب طيب أردوغان الذي هاجم حيدر العبادي بهجوم غير مسبوق على مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، منذ عقود على الأقل، كان يعي ما يقول، وكان يعرف أن اللحظة التي تطاول فيها على العبادي، إنما هي جزء من لحظات قادمة لصراع أكبر، وأن الرسالة التي بعث بها لحيدر العبادي إنما هي رسالة أبعد منه شخصيا، وأبعد من العراق برمته، وهي جزء من انزعاج تركي شديد من فشل مجلس الأمن ودول التحالف المضاد لمحور روسيا – إيران – سوريا، في اتخاذ مواقف حادة لوقف التمدد في حلب على حساب قوى المعارضة السورية.

وبالتالي فإن إحراز نصر مقابل في الساحة العراقية لصالح حكومة العبادي، سيعني أن تركيا ستخسر الساحتين معا، ولن يكون لها موطئ قدم في أي تسوية قد تحصل بعد أن يتحقق الاختراق في الموصل، ثم الرقة وحلب وغيرهما من مدن الصراع.

بمعنى آخر، أن الدخول التركي المباشر الآن والتصعيد المتبادل على مستوى الرئاستين بهذا المستوى من الخطاب، إنما يعكسان بجلاء حقيقة تصدع الموقف التركي العسكري-السياسي أكثر من كونهِ قوة في التأثير، وبالتالي لم يعد أمام أردوغان ما يلعبه في الساحة سوى عرقلة اللعب بأكمله، بانتظار ضمانات بالحد الأدنى لا تعني الخسارة بمعناها المطلق. فمع تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية على يد قوات الجيش العراقي المدعوم بالحشد الشعبي الذي تعدُّه أنقرة الذراع الإيرانية في العراق، ستكون الأرض قد تهيأت أكثر أمام النظام السوري المدعوم روسيا لحسم المعركة في حلب، مما يعني فقدان المدينتين معا لصالح المحور المضاد، دون تحقيق أي إنجاز استراتيجي يذكر كثمن للتدخل التركي الذي كلف هذه الدولة الكثير منذ اندلاع الأزمة في سوريا.

لذا يأتي اندفاع القوات التركية بهذا الشكل إلى عمق الأراضي العراقية، والتصريحات الرسمية من الرئاسة التركية حول مشاركة هذه القوات في أي معركة تخطط حكومة بغداد لإطلاقها بمعونة دولية لاستعادة الموصل، بمثابة عصا في هذه العجلة، لا العكس. فأردوغان ليس جادا للغاية في التورط العسكري المباشر بحرب من هذا النوع، وهو ما يعكسه الحجم الضئيل للقوة العسكرية المرابطة الآن، لكنهُ ضغط يريد من خلاله جر حكومة العبادي للتفاوض قبل أي عملية تسوية هناك.

بمعنى أن حكومة العبادي التي باتت في موقف لا تحسد عليه، يجب أن تأخذ زمام المبادرة الآن بقيادة مفاوضات بمساعدة دولية مع أنقرة لغرض إعداد تفاهمات واضحة لمرحلة ما بعد طرد قوات داعش من الموصل، والترتيبات التي ستلي ذلك، بما فيها الموقف من حزب العمال الكردستاني، حيث تحاول تركيا الآن الحصول على تعهد بضمانات من عدم استخدامه كورقة ضاغطة من قبل بغداد، وكذلك طمأنة أنقرة بأن أي تطورات إيجابية في مسار هزيمة الدولة الإسلامية في العراق، لن تكون لصالح تعزيز مكتسبات نظام الأسد.

إن التوصل إلى تفاهم مع تركيا هو الحل، لا غير، فليس في قدرة العراق الدخول بمواجهة عسكرية مع تركيا وهو الذي لا يزال يدفع ثمن حربه الاستنزافية مع تنظيم الدولة، ولا يملك العراق سوى أن يلجأ لكل الطرق التي يمكنها أن تقنع أنقرة بأن الحفاظ على المكتسبات في العراق لن يأتي بالتواجد القسري للقوات المسلحة، إنما يجب أن يعزز بالمزيد من الانفتاح التركي على بغداد، والمزيد من التعاون مع هذا البلد للوصول به إلى لحظة استقرار مناسبة كي يتمكن من بناء قدراتهِ بعيدا عن التدخلات التي ترفضها أنقرة الآن، وترفضها حكومة بغداد بالتأكيد.

كاتب عراقي

8