ما الذي يريده العراقيون من حكومتهم الجديدة

الجمعة 2014/08/15

لاقى تكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة ترحيبا محليا وإقليمياً ودولياً، وذلك بهدف إنقاذ العراق من سياسة نوري المالكي التي فشلت في كل الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكثر من ذلك فإنه وضع العراق على حافة التقسيم الذي لا يريده حتى أعداء العراق وعلى رأسهم إيران وإسرائيل وأميركا، وقد ألحقت هذه الأخيرة ضرراً كبيراً بالعراق حين وافقت على بناء جيشه وشرطته وأجهزته الأمنية الجديدة بناءً طائفياً أفقدَ هذه المنظومات الثلاث توازنها، وأخلّ في استحقاق المكوّنات الأخرى الرئيسة للشعب العراقي وعلى رأسهم العرب السُنة، والكرد، والتركمان، والكلدوآشوريين، والشبك، والإيزيديين، والصابئة المندائيين، وبقية المكونّات العراقية الأخرى مهما كان حجمها ضئيلاً، لأن أبرز اشتراطات العدالة هو إشراك الجميع في قيادة البلد وإدارته إدارة جماعية، وتقاسم ثرواته بشكل عادل ونزيه، وتوزيعها بحكمة في بناء وإعمار المحافظات العراقية برمتها دون تفرقة أو تمييز.

لا تقتصر الموازنة المُشار إليها سلفاً على الجيش والشرطة والأمن الوطني، وإنما تمتد من الرئاسات الثلاث، مروراً بالوزارات السيادية والخدمية، وانتهاءً بأبسط الوظائف الحكومية التي يجب أن تُوزع بعدالة على وفق التعداد السكاني لكل قومية ومذهب ديني عراقي. وفي السياق ذاته يتوجب على الحكومة العراقية الجديدة أن تُضيّق الهوّة التي صنعها نظام المالكي بين موظفي الرئاسات الثلاث والوزراء والبرلمانيين وأصحاب الدرجات الخاصة والمدراء العامين، وبين الشريحة الواسعة من موظفي الدولة الصغار الذين يتقاضون رواتب ضئيلة قياساً بأقرانهم الذين أثروا ثراءً فاحشاً، وأنهكوا خزينة الدولة العراقية بعشرات المليارات سنوياً، وكانوا سبباً رئيساً في إفقار العراقيين وتجويعهم، ووضع ثلث الشعب العراقي تحت مستوى خط الفقر.

يعتز غالبية العراقيين باستقلالهم، وسيادتهم على أرضهم، فلا غرابة أن يرفضوا أي شكل من التبعية والوصاية الإقليمية أو العالمية، وإذا أراد رئيس مجلس الوزراء الجديد حيدر العبادي أن يُرضي القسم الأكبر من الشعب العراقي، ما عدا الفئة “الذيلية” الضالة المستجيرة بالأجنبي، فعليه ألا يرمي العراق والعراقيين الشرفاء في أحضان الدول الإقليمية أو القوى الكبرى في العالم، وإنما يجب أن يتعامل مع القوى الإقليمية والعالمية معاملة الندّ للندّ، ولا يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، وأن يتعامل بالمثل مع الدول التي تمتلك نَفَساً عدوانياً أو توسعياً، وعليه أن يحارب هذه الدول بكل المعطيات الاقتصادية المتاحة للعراق وعلى رأسها النفط. كما يتوجب عليه التهديد بقطع التعامل التجاري مع البلدان التي تبتز العراق مائياً سواء من خلال تقليل حصته المائية، أو تحويل الأنهار التي تصب في أراضيه، كما فعلت إيران وتركيا وسوريا في مرات متعددة.

لا يُحبذ العراقيون أن تُتخذ قراراتهم في عواصم أخرى، ويعتبرون هذا الإجراء جارحاً لكرامتهم الوطنية. وليس من المعقول أن ينتظر العراقيون إيعازاً من طهران أو واشنطن يسمح لهذا الكتلة السياسية أو تلك بتشكيل حكومة جديدة. وإذا أراد العبادي أن ينجح فعلاً، فيتوجب عليه أن يتخذ كل قراراته ضمن البيت العراقي المتسع لكل مكوناته العراقية، والذي يضيق ذرعاً بالأوامر والفرمانات القادمة من وراء الحدود.

لقد فشل المالكي خلال الأعوام الثمانية في الملف الأمني على وجه التحديد، كما سلّم ثلث العراق لداعش، لأنه لم يتصالح مع الشعب العراقي متهماً المكون السني إما بالإرهاب، أو بكونه حاضنة للقاعدة تارة، أو للدواعش تارة أخرى. فيما يحتاج العراق إلى مصالحة حقيقية تستقطب فيها كل المتضررين من النظام السابق ممن لم تتلطخ أديهم بدماء العراقيين الأبرياء. كما يجب الاستفادة من كل عناصر الجيش والشرطة والأمن الداخلي واستثمار خبراتهم التي اكتسبوها على مرّ السنوات الطوال، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد الآن.

يتوجب على العبادي ألا يتمترس وراء حزبه، المتمثل بجانبٍ من حزب الدعوة الإسلامية، لأنه يظل حزباً مقتصراً على شريحة دينية بعينها، وأن منصبه كرئيس لمجلس الوزراء يحتم عليه أن يكون زعيماً لكل العراقيين وأن يتصرف على هذا الأساس المنفتح، لا أن يتخندق ضمن حدود الحزب الواحد. والنصيحة الكبرى له هو أن ينفتح على الفضاء الوطني، ولا يخشى هذا الانفتاح، ويتصرف كقائد لكل العراقيين دون أن يفرض عليهم قناعاته الشخصية ورؤاه الفكرية والسياسية. فكل الأحزاب، مهما كبُرت، تظل أصغر من العراق الكبير بقومياته المتعددة، وأديانه المتنوعة، ويتحتم علينا جميعا أن نجعل من هذا الاختلاف المذهبي نعمة لنا لا نقمة علينا.

لعل أحوج ما يحتاج إليه العراقيون، هو إطفاء نار الفتنة الطائفية التي أشعلها زعماء بعض الكتل السياسية وشحنوا بواسطتها عناصر المليشيات التابعة لهم التي ارتكبت، وما تزال ترتكب، الفظائع في المدن السنية.

وإذا أراد العبادي أن ينجح في حكومته الجديدة فعليه أن يفكك كل المليشيات العراقية ويحظر عملها، ويعاقب كل من يتجاوز القانون أو يحل محل الجيش أو الشرطة أو الأمن الوطني، وهذا الأمر ينطبق على كل المليشيات العراقية سنية أو شيعية أو كردية، وبخلافه فإن العراق مرشح لحرب أهلية نعرف بدايتها، لكننا لا نستطيع أن نخمّن نهايتها، لأنها سوف تُدخلنا جميعاً في نفق مظلم قد لا نخرج منه إلاّ بعد أن نحرق الأخضر واليابس، ونصحو من الصدمة فنكتشف أن اسم العراق قد غاب، لا سمح الله، من خارطة العالم وتحول إلى دويلات صغيرة متشرذمة لا تستطيع الدفاع عن حياضها، خصوصاً وأنها محاطة بقوىً إقليمية كبرى لا تجد ضيراً في أن تبتلع هذه الدويلات الصغرى، أو تجعلها حدائق خلفية لها في أضعف الأحوال.


كاتب عراقي

8