ما الذي يمنع الموسيقى التصويرية العربية من المنافسة عالميا؟

النظرة العامة للموسيقى التصويرية عند المنتجين العرب لم تتجاوز فكرة حصرها في خانة الثانويات المجمّلة للعمل.
الخميس 2021/06/17
حضور شاحب للموسيقى التصويرية في الدراما العربية

شهد حجم الاهتمام العالمي بالموسيقى التصويرية خلال السنوات الأخيرة تطوّرا مُذهلا جعلها محل دراسة وتحليل متواصلين من المهتمين بالإنتاج الدرامي والسينمائي في البلدان الغربية. لكن الأمر مختلف في الوطن العربي حيث ما زالت النظرة العامة للموسيقى التصويرية لدى العاملين في القطاع مقتصرة على كونها مجمّلة للعمل، ليس أكثر.

القاهرة- لم يكن فوز الفنان الأميركي متعدّد المواهب جيمي فوكس بجائزة الأوسكار هذا العام عن موسيقاه في فيلم الرسوم المتحركة “سول” إلاّ تأكيدا على قوة التأثير الذي تحدثه الموسيقى التصويرية في الجمهور، إذ ظلت ألحان البيانو المتتالية ودقات الطبل المنتظمة التي تضمنتها موسيقى الفيلم محل إشادة من قبل جمهور واسع منذ قيام “ديزني لاند” بطرح الفيلم في أكتوبر الماضي.

ومع أن فوكس بدا مبهرا في لعب دور البطولة الصوتية في الفيلم أمام تينا فيا، وروعة الحبكة في العمل والإعداد الجيد له والأداء المتميز لكافة المشاركين فيه، جاء فوز الموسيقى التصويرية للفيلم بالجائزة متسقا مع العذوبة والسحر الكامن في مقاطعها المختلفة، كأنها تحكي منفردة قصصا ومغامرات موازية.

وإذا كان المعتاد في ما مضى من أعمال تقليدية تأليف الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات بعد الانتهاء التام من تصوير مشاهد العمل الفني، فإن تعاظم دورها مؤخرا جعل الكثير من منتجي الأفلام يلجأون إلى تأليف الموسيقى التصويرية قبيل تصوير المشاهد اعتمادا على نص السيناريو، مع توسيع دور المؤلف الموسيقي لتصل سلطته إلى اقتراح حذف بعض المشاهد أو العبارات الحوارية التي يمكن للموسيقى أن تعوّض دورها.

فجوة بين ثقافتين

جيمي فوكس تمكّن في فيلم الرسوم المتحركة “سول” من تحويل مقطوعاته الموسيقية إلى حكايات موازية تعيش مع الجمهور

وعلى الرغم من نجاح الكثير من الأعمال الفنية العربية في نيل إعجاب وتقدير الجمهور بأداء أبطالها المتميز ومحاوراتهم المؤثرة وحبكات القصص، وربما بحسن الإخراج والتوظيف الجيد لمواهب الممثلين، إلاّ أن النظرة العامة للموسيقى التصويرية في هذه الأعمال ما زالت قاصرة، لا تتجاوز التعامل مع هذه الموسيقى كعمل مهمته التجميل فقط.

وبدا ذلك واضحا في أعمال دراما رمضان الماضي في مصر، حيث بدت الشركات الكبيرة المنتجة غير مرحبة بالاستعانة بكبار الموسيقيين الذين يريدون العمل بأسلوب الموسيقيين العالميين لأنهم في نظرهم “مُرهقون زمنيا وماليا”، يستغرقون وقتا أطول في العمل، وقد يتدخلون في بعض المشاهد إخراجيا فيقترحون حذف مشهد طويل أو الاستعاضة بالموسيقى عن عبارات خوف أو قلق داخل السيناريو.

وكان الحل الأسلم والأيسر أن يتم تكليف موسيقيين تجاريين بإعداد عشر أو خمس عشرة مقطوعة، تتنوّع بين الخوف وبين مشاعر الشفقة والحب والغضب والغضب الأشد، وغيرها من المشاعر الشائعة، وتوزيعها على مشاهد الحلقات بعد إتمام التصوير تماما.

وقال أحد النقاد الفنيين لـ”العرب” إن شركة فنية كبرى في مصر استعانت قبل بضعة أعوام بموسيقار شهير له تاريخ معروف لتقديم موسيقى فريدة، تُعيد إلى الأذهان موسيقى عمار الشريعي في مسلسل “رأفت الهجان” أو ياسر عبدالرحمن في مسلسل “المال والبنون”، ففاجأهم بإعداد سبعين مقطوعة مستقلة ومتنوّعة.

وأضاف الناقد (رفض ذكر اسمه) أن المؤلف الموسيقي أخبرهم بأن العالم المتطوّر يعمل بذلك الأسلوب، كما اقترح حذف بعض المشاهد أو مقاطع منها، ما آثار غضب مخرج العمل الذي لم يكن على مستوى مهني رفيع، وأربك حسابات الشركة المنتجة التي طلبت اختصار المقاطع إلى النصف فاضطر الموسيقار إلى الانسحاب.

وفي الأفلام السينمائية التي تتمتّع بقدر أوسع من الحرية قد لا يكون تلحين قطعة فنية مستقلة لكل مشهد، بمستوى متميز وجذاب ومبهر، ذا جدوى بالنسبة إلى شباك التذاكر الذي يوضع في حسبان أي منتج.

ويرجع ذلك في تصوّر بعض نقاد الموسيقى إلى أن الثقافة السائدة في المجتمعات العربية بخصوص الموسيقى التصويرية تختلف كثيرا عن تلك السائدة في هوليوود والسينما العالمية.

وينصب الاهتمام الأكبر لدى الجمهور في الكثير من الدول العربية على جمل موسيقية بعينها ترتبط لدى المشاهد بحدث ما، مثلما هو الحال في مشهد خطاب الرئيس المصري الراحل أنور السادات في الكنيست في فيلم “أيام السادات” للموسيقي ياسر عبدالرحمن. لكن لا يتجاوب الجمهور العربي مع الموسيقى البحتة على قدر تجاوب الجمهور الغربي، لأن هناك ثقافة تحتفي بالموسيقى البحتة في بلدان مثل ألمانيا نظرا لقدم دراستها والتعامل بها واعتبارها جزءا أساسيا من المكوّن الثقافي للإنسان.

وطبقا لبعض النقاد الفنيين فإن التطوّر التكنولوجي المتسارع يجعل اللحاق بمستوى الموسيقى التصويرية الغربية أمرا بالغ الصعوبة وشديد التكلفة، خاصة أن هناك تقنيات حديثة يتم ابتكارها وتطويرها كل يوم تصبّ في مصلحة تجويد الموسيقى التصويرية وتحويلها إلى فن شديد الإبهار.

ولا يغامر منتجو الأعمال السينمائية العربية باستخدام التقنيات الأحدث للوصول إلى مقاطع موسيقية أكثر صخبا وسحرا، لأن نظرتهم إلى الموسيقى التصويرية تصرّ على حصرها في خانة الثانويات، ويعتقدون أن ثقافة المشاهد نفسه قد لا تتجاوب مع التنوّع الإبداعي المتحقّق للمقطوعات الموسيقية.

وقد يكون ذلك صحيحا من الناحية النظرية، لكن في ظل عالم منفتح ومتواصل ومتقارب بفعل ثورة التكنولوجيا تتغير أذواق المجتمعات وثقافاتهم عبر الزمن.

أسماء لامعة

العرب عاجزون عن الوصول بموسيقاهم التصويرية إلى العالمية

الموسيقى التصويرية عند الغرب تحكي منفردة قصصا موازية للعمل

وبدأ تألق هؤلاء في تقديم موسيقاهم لافتا ومثيرا ودافعا إلى البحث والاستلهام من كافة عشاق الموسيقى شرقا وغربا. فالمقطوعات الموسيقية التي يقدّمها كل منهم تحكي وحدها حكاية منفصلة، يُمكن استيعابها بتركيز واهتمام لتتجاوز الصياغة التقليدية المتبعة للمقطوعات الموسيقية سواء للحزن أو للفرح أو للتشويق، أو غير ذلك.على عكس تعامل العرب مع الموسيقى التصويرية لم يكن غريبا عن هوليوود أن يلمع فيها مبدعون كبار استطاعوا ترك بصمات خالدة في مسيرة الموسيقى التصويرية في العالم مثل جون ويليامز وهانز زيمر وجيف روسو وجيمس هورنر.

ويسير العمل الموسيقي هنا على قضبان منفصلة يتحوّل فيها المؤلف الموسيقي إلى كاتب ومخرج وحزمة إبداع مجتمعة معا، وتضم أيضا حشدا من الممثلين غير المرئيين، وهذا سر احتفاء الجمهور بالموسيقى التصويرية للأعمال الفنية الكبرى والتمتّع بها دون مشاهدة العمل الفني في الكثير من الأحيان.

وبعد ظهور الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية أوائل القرن العشرين شاع تقديمها كإضافة تجميلية معبّرة عن الإثارة أو لإضفاء طابع رومانسي على العمل، حتى ظهر الملحن الأميركي ماكس ستينر الذي حاول التوفيق بين أحداث العمل الفني والموسيقى المصاحبة إلى أبعد مدى ليحصل على جائزة الأوسكار عن موسيقاه في فيلم “ذهب مع الريح” سنة 1939 ثم ” كازابلانكا” سنة 1942.

ولم تخل حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية من حركة تمرّد وتجديد فنية لافتة، وشهدت الموسيقى تطوّرا واسعا مع ظهور فرقة “البيتلز” وسطوع نجوم جدد مثل ألفيس بريسلي وانتشار الفانتازيا، ولم تلبث الموسيقى التصويرية نفسها أن تبلورت لتُصبح أكثر تأثيرا بما يشبه السارد الإضافي.

ويمكن القول إن المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ لعب دورا هاما في توسيع دور الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية؛ لذا فإن موسيقى عمله الفذّ “الفك المفترس”، المنتج سنة 1975، بصخبها وما تبعثه في النفس من قلق وما تثيره من خوف ما زالت تسيطر على أذهان مشاهدي الفيلم إلى درجة أنهم يتذكّرون العمل متى التقطت آذانهم موسيقاه التصويرية دون الحاجة إلى تعريفهم بعنوان الفيلم.

وهكذا لمع مبدع عالمي شهير في مجال الموسيقى هو جون ويليامز الذي فاز بجائزة الأوسكار عن هذا العمل بجدارة، وكان ذلك دافعا له إلى تجديد التجربة بعد ثلاث سنوات في فيلم “سوبر مان” مع المخرج ذاته. والطريف أن ويليامز الذي فاز بخمس وعشرين جائزة غرامي كرّر اللقاء مع سبيلبيرغ وفاز بجائزة الأوسكار في فيلم “قائمة شندلر” سنة 1993.

ولمع في الطريق ذاته نجوم كثر ربما أبرزهم جيمس هورنر (1953 ــ 2015) الذي فاز بجائزة الأوسكار مرتين، وجائزة غولدن غوب مرتين، وجوائز غرامي اثنتي عشرة مرة، وتنطبع في أذهان الناس موسيقى الكثير من المشاهد الرومانسية في فيلم “تايتانيك” سنة 1997.

وحقّق الموسيقي الألماني هانز زيمر، المولود في فرانكفورت بألمانيا في 1957، تطوّرا كبيرا في مقطوعات الأفلام والمسلسلات الدرامية بالاعتماد على البيانو وعلى الكثير من التقنيات التكنولوجية الحديثة التي مكنته من الريادة والسطوع باعتباره صاحب مدرسة حديثة لها رؤاها الخاصة.

وامتد تأثير زيمر، الحاصل على جوائز الأوسكار عن موسيقى فيلم “الرجل الأسد” سنة 1995 وغولدن غوب عن “المصارع” سنة 2001 وغرامي عن “المد القرمزي” سنة 1996 و”فارس الظلام” سنة 2009، إلى أجيال تالية من المبدعين الذين واصلوا الإجادة إلى درجة تأليف مقاطع الموسيقى لكل مشهد باعتباره مختلفا تماما عن سابقه، ونستمع مثلا في موسيقى “الرجل الأسد” لطبل أفريقي يتناغم مع قصة المغامرة في أدغال أفريقيا.

هوليوود وسّعت دور المؤلف الموسيقي لتصل سلطته إلى اقتراح حذف بعض المشاهد التي يمكن للموسيقى تعويضها

وصل الأمر بموسيقيين معاصرين، مثل الأميركي جيف روسو المولود في تكساس سنة 1969، إلى تحقيق البراعة في التفرقة بين المشاهد الحزينة بدرجات مختلفة، فليس الحزن كله واحد. كذلك في مشاهد الفرح، ففرح الرجل يختلف عن فرح المرأة والطفل، وسبب الفرح نفسه يجعل لون الفرح الموسيقي مختلفا.

ويبدو أن روسو الذي أخذ الطريق من بدايته سنة 1990 عندما أسّس فرقة روك، وفاز بجائزتي غرامي، حوّل الموسيقى إلى جزء ثابت في حياة جمهوره بعد نجاحه في رسم حالة قوية من التشويق في مسلسل “فاركو” وفوزه بجائزة إيمي، وعرف الطريق إلى قلوب الأطفال من خلال موسيقى الألعاب الإلكترونية التي جعلها قطعة فنية إضافية عاشت مع الناس.

وأسهمت تلك النقلة في اتساع كبير لجمهور الموسيقى التصويرية كعمل منفصل أساسي وليس تكميليا، وهو ما يُمثل فارقا كبيرا عن الموسيقى الموظفة في معظم الأعمال الفنية العربية من أفلام سينمائية ومسلسلات درامية.

16