ما السبيل إلى قيام دولة عراقية جديدة

المهمة الوطنية الكبرى للقوى العراقية الحية هي العمل على بناء الدولة العراقية الجديدة كونها مؤسسة تعيد بناء العلاقات بين الأفراد على أساس القانون الواحد والمواطنة والحريات الفردية.
الثلاثاء 2019/08/06
الأحزاب مهيمنة على الدولة

مهما كانت درجة الانتقام وثأر الإسلاميين الشيعة، وخصوصا حزب الدعوة، من صدام حسين بسبب قمعه لهم، إلا أن ذلك لا يقود إلى مشاركة المحتل الأميركي في تهديم دولة العراق إلا إذا كان التوافق قد حصل بين التعصب الطائفي وأوهامه بضرورة بناء سلطة الطائفة الواحدة والتيار اليميني الأميركي الذي نظر إلى تلك النزعة الطائفية وبيئتها مجالاً لتنفيذ مشروع تفتيت المنطقة الذي ما زال في حرارته رغم النكسة الكبيرة التي تلقاها إثر غزوه للعراق وعدم إعطاء الفرصة للعراقيين لبناء دولتهم الجديدة ومواصلة مسيرة التنمية والتطور، مستثمرين ما يمتلكه البلد من إمكانيات هائلة في الثروة النفطية والزراعية وما تحقق من بناء قاعدة صناعية محلية أوقفها الحصار الشامل الذي امتد طيلة اثني عشر عاما.

فكرة أن السنة هم الذين حكموا العراق قبل مئة عام فكرة سطحية وغير واقعية وعدائية وتدحضها الحقائق في هياكل الحكومات العراقية السابقة منذ عام 1921 وحتى 2003.

ولو كان الهدف هو إنهاء التفرد الطائفي، إن كان صحيحا، لما تعززت نظرية “المظلومية الشيعية” عبر قيام سلطة حزبية باسم الشيعة تبين فيما قدمته تجارب الست عشرة سنة الماضية أن أكثر المتضررين منها هم عموم الشيعة، رغم أن هناك أعدادا ليست قليلة منهم دخلت دواوين حكومات ما بعد 2003 ومعها الكم الهائل من دوافع الحقد والكراهية واللعنة على كل ما له علاقة بمؤسسات الدولة العراقية قبل الاحتلال، وأغلبهم استولوا على السلطات الحكومية تحت غطاء الفوز الحزبي في انتخابات هزيلة أو موالاة مصطنعة للأحزاب، ونقلوا معهم فيروسات الجهل والتخلف والتعصب الأعمى وطرد الكفاءات المهنية التي كان يمكن من خلالها أن يتم رصف أحجار قواعد إستراتيجية دولة عراقية مدنية جديدة، واستحضار القيم العميقة التي يشترك فيها العراقيون مع إخوانهم العرب بما حصلوا عليه من موقع جيوسياسي متميز وحيوي بنيت وفقه مجتمعاتهم منذ أقدم العصور، بدل أن يحول ذلك التفوق الروحي والمدني والأخلاقي إلى حلقات من جلد الذات والتقاط الزوايا المظلمة الأكثر مأساوية في تاريخ صراع السلطة واستحضارها كمعايير لقيام الحكم في العراق يماهي عقائديًّا حكم ولاية الفقيه في إيران.

حل الحاكم المدني الأميركي بول بريمر الجيش الوطني وتفاعلت الأحزاب الشيعية والكردية مع هذا القرار اللعين لبواعث ضيقة لا ترقى إلى مستوى حاجة أي بلد لجيش وطني يحمي شعبه وأرضه، وليسهل على الميليشيات الحزبية المسلحة النفوذ والهيمنة وقمع الناس البسطاء.

على المستوى العقائدي والفكري هناك خصومة وصراع بين الدولة المدنية الليبرالية والدولة الإسلامية، بشقيها السني والشيعي، ولهذا حين وضع المحتل الأميركي قواعد وثيقة الدستور العراقي راعى هذه الملابسات، ولم يتم التقرير النهائي بشكل النظام السياسي هل هو ديني أم مدني، وظل التحرك في المنطقة الرمادية مدعاة لكل الإرباكات التي حصلت فيما بعد ولا تزال تحصل إلى حد اليوم. والسبب أن كل فقرة من فقرات هذا الدستور تحمل لغما يحول دون قيام دولة العراق الجديدة، وتترك للتحالف الاستراتيجي الشيعي الكردي التفاصيل الخاصة بوسائل شراكة السلطة. فقد تقرر في ذلك الدستور أن “العراق دولة مكونات”، وبذلك أصبح من اليسير تحقيق تلك الشراكة مع وضع العرب السنة في خانة التابعين الأذلاء.

وتراجعت إرادة الاستقلال والسيادة لصالح خيار التبعية للأجنبي في ظل استمرار الاحتلال العسكري الأميركي المباشر حتى عام 2011. كما تنامت أشكال متعددة من الاحتلال والهيمنة الإيرانية عبر الموالين من الفصائل والميليشيات. لقد تم تقنين نزعات الانفصال والتفكك الاجتماعي والعدوان والإقصاء وتراجعت قيم الألفة والمحبة والحوار والتواصل بين العراقيين، وتم خنق أية محاولة لبناء بيئة تصالحية بين السلطة والشعب، وتعززت نزعات الاستئثار الحزبي بالحكم، فمن كانوا يلومون النظام السابق بأنه دكتاتوري متفرد بحزبه أصبحوا يطبقون ذات قواعد الاستئثار السلطوي.

كان برنامج طرد الكفاءات المهنية متواصلا وأخذ أشكالا متعددة بدأت بالتطبيق السيئ لقانون “اجتثاث البعث”، مرورا بغياب العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، ثم استثمر قانون الحرب على الإرهاب الذي شرعه ونفذه المحتل الأميركي باعتبار مقاوميه إرهابيين، وكذلك تحريف الحرب على الإرهاب الداعشي الذي احتل ثلث أرض العراق عام 2014 إلى حملات ظالمة ضد غالبية أبناء المحافظات العربية الموصوفة بالسنية واتهامهم جورا بحضانتهم للداعشيين.

لم توضع أية عوائق دستورية أو قانونية أمام هيمنة الأحزاب الدينية أو ضد حملات القمع على خلفيات طائفية. وأصبحت الأحزاب الكبيرة هي التي تقرر مصير العراقيين وفقا لأجنداتها، وتتحكم برئيس الحكومة حتى لو كانت لديه نوايا شخصية طيبة لتنفيذ برامج الإصلاح السياسي وتجاوز الاختناقات في الأزمتين السياسية والاقتصادية. وجميع الحقائق التي مرت بالبلد تشير إلى أنه لا توجد نية من تلك الأحزاب لولادة الدولة بمعناها المؤسساتي، لأن ذلك سيحجم من نفوذها الفوضوي بمؤسسات الحكم ويقلل من سطوة المحاصصات الحزبية في توزيع المناصب على حساب المهنية والكفاءة، وهذا واحد من أمثلة الخراب في العراق.

وكان من الطبيعي حرمان المرأة العراقية القديرة من دورها الفاعل في الحياة السياسية إلا المنتميات إلى الأحزاب الإسلامية، وكذلك إبعاد الشباب المتطور القادر على صناعة الحاضر بروح مدنية بعيدة عن هيمنة تلك الأحزاب. ولعل أبلغ معاني التعبير الشعبي عن غياب الدولة ما يردده المواطن حين تضيق به السبل ويحبط من المشاكل بقوله “ماكو دولة”. لقد أعطى هذا الحطام السلطوي الفرصة لإيران لتكون جاهزة لتأسيس إمبراطورية كبرى قائمة على الحكم الثيوقراطي على طريقة الإمبراطوريات القديمة الزائلة.

إن المهمة الوطنية الكبرى للقوى العراقية الحية هي العمل على بناء الدولة العراقية الجديدة كونها مؤسسة تعيد بناء العلاقات بين الأفراد على أساس القانون الواحد والمواطنة والحريات الفردية والكرامة الإنسانية. وعمليّا يمكن تحقيق ذلك ليس بضربة سحرية ميتافيزيقية وإنما بجهود متواصلة عبر تبني برنامج وطني يسعى إلى تعديل الدستور العراقي، بما يزيل كل العقبات أمام بناء الدولة الجديدة، وأهمها تعديل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي لأن ذلك سيضعف من هيمنة الأحزاب ومحاصصاتها في المؤسستين البرلمانية والحكومية، وأن يبتعد القائمون على هذه الحملة الإنقاذية عن دوافع المصالح النفعية الضيقة، فهذا البلد أمانة في أعناق الشرفاء فيه وهم مازالوا كثرا.

9