ما السبيل لإطفاء حرائق الطائفية

الأحد 2015/06/14

كان الصراع على الحكم أول صراع وأشد صراع في الإسلام. وكان السؤال المطروح بقوة في سقيفة بني ساعدة، أيهما يكون أميرا وأيهما يكون وزيرا؟ والإفرازات من تلك الصراعات جاءت بواسطة الموروثات الناتجة. ومحيط تلك الموروثات واسع ومتنوع ومناط خلاف في التقييم. وأنتج ذلك الموروث تعارضا في المفاهيم، ترجم في الصراعات الدموية التالية. ومع مرور الوقت لم يبق الموروث دون المساس به، بل طوره الوارث نحو الأرقى أو الانتكاس، إلى حالة مختلفة عن الأصل.

وعليه ليس الإسلام ما يدعيه كل فريق لنفسه بصفته الإسلام الحقيقي وما عداه الكفر، بل هو مجموع ما يدعيه الفرقاء كلهم. إن نبوة محمد إسلام، والخلفاء الراشدون اسلام، ولكنه أيضا سقيفة بنى ساعدة والمهاجرون والأنصار والفتنة الكبرى ومعارك القادسية والجمل وصفين والنهراوان وكربلاء والحرة والزاب الأسفل.

الإسلام أيضا هو الإيمان بأهل البيت والدولة الأموية والعباسية والرستمية والفاطمية والعثمانية والصفوية ودولة الأشراف في الحجاز، وكل الدول التي تأسست وحكمت باسم الإسلام. كما هي الفرق والنحل التي خرجت عليها وحاربتها بالفكر أو السلاح. والإسلام، هو أيضا الفقه الذي توارد على كتابته الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفكرية ومذاهبهم والذي تكرّس فيه تناقضات المسلمين الناتجة من خلافاتهم السياسية و المعرفية والاجتهادية. هو أيضا الحضارة الإسلامية مترامية الأطراف وتراثها، الذي تحول إلى إرث نقاتل من أجله: من كان على حق ومن كان على باطل؟

لكن عصر الحضارة الإسلامية انتهى في القرن التاسع الهجري وتوقفت المدنية الإسلامية عن التطور ودخل العرب في استعصائهم الذي أفرز صراعات دينية ومذهبية وقبلية ما زالت تلازمهم.

مرحلة الاستعصاء بدأت بعد الانقلاب المتوكلي -الخليفة المتوكل بالله- الذي يرجع إليه الفضل في وقف الاجتهاد وإقالة العقل وتحويل المدارس الفكرية والاجتهادية إلى مذاهب منغلقة تقاوم كل نزوع عقلي أو فلسفي وتم توقيف حركة الترجمة تحت شعار محاربة البدعة. وأعقب ذلك بعد مدة الانقلاب القادري -الخليفة عبد القادر بالله- والذي جاء بشكل أعنف من طبعته المتوكلية.

وابتدأ من المتوكل ومرورا بالقادر ووصولا إلى سقوط بغداد، حصلت المذابح الأكثر عنفا ضد النزوع العقلي وصولا إلى القتل والسحل واستمرت أكثر من قرنين. وحصلت المذابح بين المذاهب السنية نفسها والشيعة فيما بينهم، والسنة والشيعة معا. وأحرقت كتب الترجمة وكل الكتب الداعية إلى النزوع العقلي وامتدت المذابح والتصفيات الجسدية إلى خراسان وبلدان ما بعد النهر ومصر والمغرب والأندلس. كل مذهب يقبّح الآخر ويتّهمه بالخروج عن الملة.

وتواصلت المذابح بعد ذلك أيّام الدولتين العثمانية والصفوية، بين السنة والشيعة من جهة وبين السنة أنفسهم من جهة أخرى. وقام الأحناف بالتنكيل بأتباع المذهبين الحنبلي والشافعي في العراق لإجبارهم على التحول إلى المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية التركية؛ كما نكّلوا بالشيعة وقتلوهم. وحدثت معارك بين الشيعة والعلويين في الأناضول. وفي إيران قام الصفويون لأسباب سياسية بفرض التشيع على الإيرانيين ونكّلوا بأتباع المذاهب الأخرى في إيران والعراق وبلدان أخرى. وختم العثمانيون تاريخهم بذبح مليون ونصف مليون أرمني.

هكذا نرى أن الصراع الطائفي ظاهرة قديمة. وقد شهدت أوروبا هذه الصرعات الدامية أيضا، لكنها تمكّنت من مغادرة هذه الحقبة من التأخر والاحتراب التي حشرتهم فيها الكنيسة. ومكّن الخلاص من هيمنة الكنيسة الأوروبيين من إعادة دراسة تاريخهم الملتبس مع أفكار وأراء وتفاسير الكنيسة ومن دون إخضاعه لمبدأ القداسة وبمناهج حرة تعتمد على ما سماه ابن خلدون طبائع الأشياء أو ما يمكن تسميتها بقوانين التاريخ أو نواميس الكون. وكانت النتيجة الحضارة الغربية الحديثة التي ما زالت تواصل تقدمها في كل المجالات.

الصراع الطائفي لدى المسلمين، كما عند المسيحيين، له جذور سياسية واجتماعية وقبلية وعائلية واقتصادية، ولكنه أعطي منحى دينيا طائفيا لكي يثبت ويستمر ويسهل استغلاله. غير أنه بدأ يتقلص في أوروبا وانحسر بعد الحرب العالمية الثانية. أما في الشرق فإنه في صعود متواصل ويستمد وقوده من تكوين مجتمعاتنا بشكل عام كما يكمن بأولئك الذين يؤدلجون البسطاء من الطبقات الفقيرة التي حازت على قدر معدوم أو يسير من التعليم وهي الأغلبية. ويطفو على السطح بشكل بارز أيام الانفلات الأمني وغياب القانون. وتنفجر كل مظاهر الحقد الطبقي والحسد الاجتماعي وتخرج العقد السيكولوجية لتخرب كل شيء. ومع الأسف تقف فئات تدعي أنها متعلمة ومثقفة مع ذلك الاصطفاف الطائفي بدلا من أن تدرس الأسباب الكامنة لكل مشاكلنا. نرى ذلك في البلدان التي انهارت أنظمتها الشمولية.

الخلاص من هيمنة الكنيسة مكن الأوروبيين من إعادة دراسة تاريخهم من دون إخضاعه لمبدأ القداسة وبمناهج حرة. وكانت النتيجة الحضارة الغربية الحديثة

هناك بالتأكيد من يساعد hلتوجه الطائفي بالتحريض والدعم والتمويل، ولكن تلك أيضا صناعة عربية إسلامية بامتياز. ومن له شك ليطالع الفتاوى الهائلة وخطب المساجد وتصريحات السياسيين وكتّاب الأعمدة، وتصريحات بعض علماء الدين وليتابع فضائيات عديدة ووسائل التخاطب الاجتماعي، وكلها تؤجج الخلاف والقتال والاحتراب بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الآخرين. ويدلي كثيرون منهم -سنّة وشيعة وغيرهم- بدلوهم، شأنهم شأن أيّ جماعة دينية طائفية متطرفة سائدة في محيطها. وتتعقد المشكلة مع الاختلافات السياسية وانسداد آفاق التنمية وغياب فكرة المواطنة العابرة للطوائف.

لا يستطيع أحد أن يستغل إلا ما هو قابل للاستغلال. أي أن المناخ المولّد لظاهرة ما، هو الذي يساعد أكثر من غيره على ظهوره. التحريض والمساندة والدعم وحدها لن تكن قادرة على أن توجه وتؤثر. ما لم تكن الأرضية جاهزة والجو مهيّئا.

وهذه حقيقة تغيب عنا، ومن هذه الغيبة يكون الخطأ في التشخيص والخطأ في العلاج. والواقع أن ما نواجهه هو شيء من هذا النوع. مرض قديم قابل للعودة إذا ما قلّت المناعة ضده. وفي نفس الوقت طبّ بدائي يلجأ إلى نحر الذبائح دفعا للأرواح الشريرة يحسبها دواعي للمرض.

إن ما يحدث على امتداد الخارطة العربية، هو انعكاس لتلك الثقافة المنغلقة التي ورثناها والتي تقودنا إلى مسالك الانتحار الجماعي وتلك الأوهام والخرافات التي تسيطر علينا عن تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. هي تلك البيئة الفكرية والمنظومة القيمية والتعليمية التي ما زالت تعيد إنتاج الاستبداد والتأخر، ومعهما الوجدان القمعي الذي يريد إقصاء الآخر.

وستستمر تلك البيئة وذلك السلوك وسيقتل ويسحل الآلاف، طالما بقت دوائر الوعي مسجونة في أورقة الخرافة وما تنتجها من شتّى أنواع التطرف. والدولة التي تعاني من أمراض الطائفية بكل أنواعها هي دولة ناقصة. والطائفية بكل أشكالها تعكس فشلا ذريعا في بناء الدولة المدنية التي ترتكز على مفهوم المواطنة والتعددية.

والمناعة الوطنية ضد الطائفية وتفريعاتها القبلية والمناطقية، تتطلب أصالة مبدأ المواطنة وعموميته على فرعية الاعتبارات ذات الصلة بالخصوصيات. على أن تعزيز مبدأ المواطنة لن يكون ناجحا بمعزل عن فهم شامل لسمات الدولة العصرية، بما في ذلك مبدأ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والمشاركة والتعددية في كافة أمور إدارة الشأن الوطني، وبناء اقتصاد وطني قويّ متنوع المصادر.

والدول العربية بعد استقلالها اهتمت كثيرا ببناء الجيوش وأجهزة الأمن ولكن سرعان ما اتضح أن الدولة العصرية ليس مجرد بناء أجهزة الجيش والأمن، ذلك أن الدولة تستطيع أن تقيم جيشا وأجهزة أمن، ولكن أيّ من تلك الأجهزة لا يستطيع أن يقيم دولة عصرية. فالدولة العصرية والجيش العصري وأجهزة الأمن العصرية محصلة موارد وقدرات شعب وشرعية حكم وطريقة الحصول على الثروة واستنارة فكر وتوازن طبقات وإدراك عميق لفكرة أن المجتمعات تعيد صناعة مستقبلها جيلا بعد جيل بوسيلتين أساسيتين هما: التعليم والتشريع العصريان والمتغيران.

وما لم يدرك العرب خصوصيتهم المثقلة بأعباء التاريخ والمجتمع ويتمكنوا من التعرف عليها في الوقائع العينية لتجاربهم الماضية والمعاصرة الخاصة بهم، فإنهم لن يغادروا الحالات الموجودة التي يتداولونها كل يوم عن مصير أوطانهم في نشرات الأخبار. وكل آت سوف يكون أكثر مدعاة “للأسف” من “المأسوف عليه” مع الأسف الشديد ساحبا معه حرائق الطائفية بكل أنواعها وتفريعاتها.

كاتب من سلطنة عُمان

6