ما السر وراء مزاعم محاولة اغتيال باشاغا

حادثة محاولة اغتيال وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا تثير الجدل وتفتح الباب أمام العديد من التكهنات.
الأربعاء 2021/02/24
باشاغا.. شخصية جدالية مرفوضة من جانب كبير من الليبيين

طفت على سطح الأحداث الأخيرة في ليبيا موجة تشكيك مرتبطة برواية فتحي باشاغا وزير داخلية حكومة الوفاق بعد أن تعرض مؤخرا إلى محاولة اغتيال أثناء رجوعه إلى مقر إقامته بضاحية جنزور في العاصمة طرابلس، حيث انحصرت نقاشات المراقبين والمحللين حول ما إذا كان ما قاله تنصل من ورطة أمنية أم محاولة لتلميع صورته للاستمرار في منصبه؟

تونس- يعتبر مراقبون أن الحديث عن محاولة اغتيال فتحي باشاغا وزير داخلية حكومة الوفاق المحاط بموكبه الضخم الأحد الماضي، أمر غير قابل للتصديق، خاصة وأن المتابع ليس إزاء عملية انغماسيه من عمليات داعش أو القاعدة تعتمد على قوة تفجيرية هائلة.

ويستند هؤلاء على ما توصل إليه المحققون الذين لم يكشفوا عن وجود أسلحة متطورة خارقة للمصفحات لدى المتهمين بتدبير العملية، وهم يدركون أنّ كل سيارات موكب باشاغا مصفحة، ولا يمكن للرصاص العادي أن يخترقها.

وكل المؤشرات تؤكد أن مزاعم تعرض باشاغا لمحاولة اغتيال، لم تقنع إلا من يحاول الاقتناع بها عن مضض، أو من يريد للرجل أن يستمر في منصبه في حكومة الوحدة الوطنية، في حين أنه شخصية جدالية خلافية مرفوضة من جانب كبير من الليبيين.

ويعتقد جمال شلوف، رئيس مؤسسة سلفيوم للأبحاث، أن ما أشيع عن تفاصيل محاولة الاغتيال المزعومة، التي تعرض لها باشاغا، به مفارقات غامضة لا يقبلها المنطق، أهمها محاولة اغتيال رميا بالرصاص من سيارة واحدة على رتل يتكون من 60 سيارة مصفحة لا يخترقها الرصاص.

جمال شلوف: ما أشيع عن تفاصيل به مفارقات غامضة لا يقبلها المنطق
جمال شلوف: ما أشيع عن تفاصيل به مفارقات غامضة لا يقبلها المنطق

وفي أعقاب العملية، التي اهتزت لها العاصمة طرابلس، قال باشاغا في تصريحات صحافية إن “إحدى السيارات بدأت في التعدي على موكبه وأن أشخاصا أطلقوا النار من داخلها، ما أدى إلى تبادل لإطلاق النار قُتل فيه أحد حراسه وأحد المهاجمين”.

في تلك الأثناء، اندفعت جوقة الداعمين الإقليميين والدوليين لشخصه إلى إبداء التعاطف معه، واستنكار الحادثة، وإلى التذكير بوجود قضية مؤجلة في غرب البلاد، وهي نفوذ الميليشيات وانتشارها والسلاح المنفلت في غياب مؤسسات فاعلة للدولة المركزية.

ولا أحد في طرابلس، يعرف طبيعة موكب باشاغا غير القابل للاختراق، الذي يعتبر الأضخم من نوعه، وربما منذ استقلال ليبيا، فالوزير لا يتحرك إلا وهو محاط بحوالي 60 سيارة مصفحة، يستقلها مسلحون موثوق بولائهم التام له.

وهذا المشهد يتكرر يوميا على الأقل في مناسبتين عند مغادرة باشاغا لمحل سكناه بجنزور في اتجاه الوزارة بوسط العاصمة وعند عودته، إضافة إلى تنقلاته بين الأحياء أو بين المدن.

وكان من الطبيعي أن يتسبب الموكب بضخامته واحتياطاته الأمنية المشددة في تعطيل حركة المرور، وفي بث صورة الرعب الميليشياوي تحت غطاء رسمي، خصوصا وأن الوزير معروف بنزعته الاستعراضية التي يصرّ على اعتمادها في تقديم نفسه على أنه الرجل القوي في غرب ليبيا، والتي يرى المحللون النفسيون أنها تكشف عن “صنم دكتاتور” حقيقي ملتحم بالواقي من الرصاص الذي يتخفى وراء بدلته الأنيقة.

وبعد أن قالت وزارة داخلية حكومة الوفاق إن باشاغا تعرض لمحاولة اغتيال، وروت تفاصيل مستوحاة من خيال ناسجيها وفق مقاس الهدف من ورائها، أصدر جهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي، الذي تم تأسيسه في يناير 2020 وبوصفه الطرف المتهم في الحادثة، بيانا أكد فيه تعرض موظفيه لحادثة إطلاق نار في الطريق الساحلي في منطقة جنزور.

وقال الجهاز إن “إطلاق النار تم أثناء عودة الموظفين من أعمالهم المكلفين بها، حيث تصادف مرور سيارة تابعة للجهاز بالتزامن مع مرور رتل تابع لوزير داخلية الوفاق، إذ قام حراس الوزير بالرماية على السيارة المصفحة التابعة لدعم الاستقرار من دون وجه حق”.

وأوضح أن هذه الرماية أدت إلى مقتل أحد منتسبي الجهاز وهو رضوان الهنقاري من مدينة الزاوية وإصابة أحد رفاقه، مبينًا أن ما حدث هو سوء تنسيق وتصرف من حراسات وزير داخلية الوفاق، نافيًا ضلوع الجهاز بأي محاولة لاغتيال باشاغا.

والاتهامات الموجهة للجهاز تبدو مقنعة لباشاغا، إذا ينوب رئيس الجهاز أيوب الأمين أبوراس وحسن أبوزريبة، وموسى أبوالقاسم ممسوس، وثلاثتهم من أمراء الحرب المعروفين، وفق تقسيم ينم على رغبة فايز السراج في كسب ولاء ميليشيات المنطقة الغربية سواء في طرابلس أو الزاوية أو مناطق الأمازيغ بالجبل الغربي.

ويطرح مقتل الهنقاري (23 عاما) وهو من شباب مدينة الزاوية، الذين انضموا إلى جهاز دعم الاستقرار، أكثر من سؤال، فوزارة الداخلية تقول إنه قتل في تبادل لإطلاق النار مع حراسات باشاغا، فيما كشف تقرير الطب الشرعي بطرابلس، أن وفاته كانت بسبب كسور ونزيف داخلي ناتجة عن حادث مرور، وأن جثمانه خال تماما من أي رصاص أو شظايا.

محمد الترهوني:

العملية برمتها عبارة عن زوبعة الهدف منها إعادة تسويق باشاغا الذي يحاول زعزعة الأمن والتأكيد على أنه الوحيد القادر على حلها

وحمّل المحلل السياسي محمد الهنقاري وهو ابن عم الضحية المسؤولية لمن يحرس باشاغا. وقال إن “الحادث كما رأيناه في الفيديوهات، تمثل ربما في قيام سيارة بمضايقة الموكب لتصدمها سيارة من الحراسة وتلاحقها ويحصل ما حصل، نحن نحتكم للقانون والعملية كانت مستفزة جدًا بهذه الطريقة، حتى أيام القذافي رتله لم يقتل أحدًا من البشر”.

واستدرك بالتوضيح أنه “إذا كان بالفعل محاولة اغتيال، فلماذا يسلمون اليوم لقوة الردع 6 أفراد من الحراسات، الذين قاموا بالعملية وتورطوا بعملية القتل؟ والنائب العام كلف 3 من كبار وكلاء النيابة ورئيس نيابة جنزور وسوق الجمعة بالتحري والبحث في هذه القضية والتحقيق فيها”؟

إذن، ما هو الهدف من الحديث عن محاولة اغتيال وزير داخلية الوفاق؟ هناك، من يعتقد أن باشاغا يحاول الحفاظ على منصبه، ولكن على نطاق أوسع من وزير داخلية الوفاق إلى وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية.

ويرى المحلل العسكري والسياسي محمد الترهوني، أن العملية برمتها عبارة عن زوبعة الهدف منها إعادة تسويق باشاغا الذي يحاول زعزعة الأمن والتأكيد على أنه الوحيد القادر على حلها للتواجد في السلطة التنفيذية الجديدة المنتخبة واستمرار بقائه وزيرا في الحكومة المقبلة.

وأشار الترهوني إلى أن هذه المحاولة لن تكون الأخيرة وستكون هناك عمليات أخرى من باشاغا، متوقعا أن يقوم بالزج بقوات من مصراتة داخل العاصمة طرابلس لفرض أمر واقع جديد ينحرف بالمسار السياسي إن لم يضمن مكانا به.

وبدل الاعتذار، وفتح تحقيق في ملابسات الحادثة، اتجه باشاغا إلى تصعيد الموقف نحو الاستغلال السياسي لكسب تعاطف أطراف يعتبرها مؤثرة في خيارات تشكيل حكومة عبدالحميد الدبيبة، ومنها الولايات المتحدة التي تعتمد عليه كثيرا، ما جعل السفير الأميركي أول من يصدق الرواية ويعبّر عن تنديده واستنكاره لمحاولة الاغتيال المزعومة.

ثم جاءت تركيا التي دفعت بوزيري داخليتها ودفاعها للاتصال بباشاغا معلنين الدعم والمؤازرة، فقطر التي أصدرت بيانا بخصوص الحادثة، وجماعة الإخوان التي أكدت من خلال ذراعها السياسي حزب العدالة والبناء أن هذه العملية محاولة لزعزعة الأمن ونشر الفوضى ومحاربة مساعي بناء مؤسسات الدولة، في مرحلة حساسة تبذل فيها جهود كبيرة باتجاه التوافق وتحقيق الاستقرار.

وكان باشاغا قد بادر بعد لحظات من وصوله من تركيا في التاسع من فبراير الجاري، وأمام جمع كبير من ضباط الداخلية، إلى إعلان نيته التوجه إلى المنطقة الشرقية، عملا على تحقيق المصالحة، ليحقق بذلك واحدا من أهم شروط الانتماء إلى حكومة الوحدة الوطنية، وفق الشروط الموضوعة من قبل الرعاة الدوليين.

وفي خضم ذلك لا يزال باشاغا يفاوض القوى الدولية على ضرورة بقائه في منصبه لتنفيذ خطته بالقضاء على الميليشيات الخارجة عن القانون وجماعات التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة، وفق تصنيفه الذي يشاركه فيه فاعلون خارجيون.

7