ما العلاقة بين الرأسمالية وتغير المناخ

طرق مكافحة تغير المناخ تكشف أسوأ ما في الرأسمالية، والنموذج الصيني للرأسمالية الموجهة أكثر ملاءمة من الأنجلوسكسوني.
الاثنين 2018/08/20
إنقاذ المناخ يتطلب الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة

لندن – قدمت موجة الحر الصيفية التي حدثت لمحة غير مبشرة عما سيحدث في المستقبل. ووفقا لما يحدث الآن، ستشهد السنوات المقبلة ارتفاعا في درجات الحرارة وجفافا وقتالا لإطعام الأعداد المتزايدة من السكان، وسباقا مع الزمن لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

هذا القتال من أجل مكافحة تغير المناخ يبرز، من وجهة نظر الكاتب في صحيفة الغاديان، لاري إليوت، أفضل وأسوأ ما في الرأسمالية. يشرح إليوت ذلك مشيرا إلى أن نزع عنصر الكربون من الاقتصاد يتطلب أن يتيح بدائل للفحم والسيارات التي تعمل بالديزل، وهذا ما يبرز أقوى ما في الرأسمالية، ولا سيما وأنها تقوم في الأساس على الابتكار.

كان هناك تقدم سريع في تطوير بدائل نظيفة للفحم والنفط والغاز. كما انهارت تكلفة إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويتم كذلك إحراز تقدم كبير في تكنولوجيا البطاريات، وهو أمر حيوي بالنسبة للجيل الجديد من السيارات التي تعمل بالكهرباء.

وينظر إليوت إلى كل ما حققته البشرية من تطوّر مقدما نظرة متفائلة حول مستقبلها في ظل المتغيرات المناخية معتبرا أن البشر أظهروا إمكانيات لا حدود لها في ما يتعلق بالإبداع والتطوير، وسيصبحون قادرين على التصدي لهذه التحديات المناخية.

لكنه يستطرد محذرا من خطر التأخر في القيام بالخطوات اللازمة، فبحلول الوقت الذي يقومون فيه بذلك، قد يكون الأوان قد فات. والسبب في ذلك، وفق إليوت، يكمن في الرأسمالية (لا سيما الشكل الأنجلوسكسوني المتغير للرأسمالية) التي يصعب معها التفكير أبعد من اللحظة الحالية.

ويرى الأشخاص الذين يديرون الشركات الكبرى وظيفتهم أنها تساعد في زيادة الأرباح على المدى القصير، حتى لو كان ذلك يعني إحداث ضرر لا يمكن إصلاحه في النظام الإيكولوجي العالمي. الأكثر من ذلك، يعتقد هؤلاء الأشخاص أن عليهم أن يكونوا أحرارا في الحصول على أقصى قدر من الأرباح دون أي تدخل من السياسيين، على الرغم من أنه لا يمكن كسب المعركة ضد تغير المناخ إلا عن طريق اتخاذ الحكومة دور القيادة الفردية والجماعية.

وتحدث الخبير الاقتصادي جوزيف شومبيتر عن العملية المعروفة باسم “التدمير الخلاق”، وهي الطريقة التي يتم بها وضع المنتجين الذين لا يتمتعون بالكفاءة الكافية في العمل من خلال التقنيات الجديدة المدمرة، وكنتيجة لذلك، يحدث التحول. وخلال الحروب، يتم توظيف أفضل العقول من
قبل الحكومات من أجل إنتاج آلات قتل أكثر كفاءة.

لاري إليوت: المعركة ضد تغير المناخ تتطلب اتخاذ الحكومة دور القيادة الفردية والجماعية
لاري إليوت: المعركة ضد تغير المناخ تتطلب اتخاذ الحكومة دور القيادة الفردية والجماعية

في الماضي، كان السياسيون يميلون فقط إلى التركيز على تغير المناخ عندما يعتقدون أنه لا يوجد شيء آخر يدعو للقلق. على سبيل المثال، كلف توني بلير، نيك شتيرن، الخبير الاقتصادي، بعمل تقرير عن تغير المناخ خلال السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية، عندما كان النمو قويا والأجور آخذة في الارتفاع.

وكذلك بدأت مارغريت تاتشر التحدث علنا عن حماية البيئة عندما كان الاقتصاد مزدهرا في نهاية الثمانينات، لكن عندما ينشغل السياسيون بقضايا أخرى أكثر مدعاة للقلق، فإنهم يتجاهلون التعامل مع قضية المناخ.

وأظهرت اتفاقية باريس التي عقدت في عام 2015، والتي تعهد من خلالها المجتمع الدولي بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها “دون درجتين مئويتين”، قياسا بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وبـ”متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية”، أظهرت أن الأمر مأخوذ بجدية أكثر مما كان قبل عقدين أو ثلاثة، لكن هذا لا يعني أنه وضع على رأس قائمة القضايا والمناقشات.

لكن، وعندما تأتي الأوقات العصيبة، ينخدع السياسيون وينساقون وراء الحجة القائلة إن هناك مفاضلة بين النمو و”تخضير الاقتصاد”، لكن الحقيقة تقول إنه لا يوجد مثل هذا النوع من المفاضلة. والدليل على ذلك حين تقوم الشركات بإهلاك رأس المال عند إعداد حسابات الربح والخسارة.

وإذا تبنت الحكومات نفس المبدأ وساهمت في استنفاد رأس المال الطبيعي عند إعداد حساباتها القومية، فإن النمو سيشهد هبوطا في معدلاته. وفي دول مثل الصين والهند، حيث تتعرض المدن للتلوث بشكل خطير، تستطيع مشاهدة النمو في أقل معدلاته.

لكن، ما يسرّ في الأمر هو أن في بكين ونيودلهي، استيقظ السياسيون على فكرة أن النمو الأخضر يعتبر نموا أفضل. تلتزم الصين الآن بالتخلص التدريجي من الفحم، ويرجع ذلك جزئيا إلى قلقها بشأن تغير المناخ، ولأنها أيضا ترى فرصة سانحة أمامها لتصبح رائدة على مستوى العالم في مجال التكنولوجيا الخضراء. أما الهند، على الرغم من كونها أبطأ من الصين، فقد بدأت أيضا في الاستفادة من انهيار أسعار الكهرباء التي يتم توليدها عن طريق الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ووضعت على قائمة أهدافها بنودا جديدة للطاقة المتجددة.

لكن ما هو سيء في الأمر أن التقدم نحو إزالة الكربون لا يزال لا يتخذ وتيرة متسارعة بالقدر الكافي. وكما هو الحال، فإن الوقود الأحفوري سيظل يمثل أكثر من 50 بالمئة من استهلاك الطاقة بحلول عام 2050. وستستمر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الارتفاع وستستمر ظاهرة الاحتباس الحراري.

يقول شتيرن، وهو أحد الأعضاء البارزين للجنة الدولية للتغيرات المناخية، إن التقدم التكنولوجي كان أسرع بكثير مما كان يعتقد أنه ممكن عندما نشر تقريره في عام 2006، وهو يعتقد أن الأمر الذي يقبله جميع صانعي السيارات من الشركات الكبرى الآن هو أن عصر محرك الاحتراق الداخلي يقترب من نهايته.

ويحذر شتيرن “لكن سرعة العمل لا تزال بطيئة للغاية. الانبعاثات تصل الآن إلى ذروتها ويجب أن تشهد انخفاضا حادا. لم نتصرف بعد وفقا للمقياس، على الرغم من أن الموارد متاحة”.

إن الفوز في سباق الزمن يتطلب قيادة سياسية ناجحة. وهذا يعني الاعتراف بأن النموذج الصيني للرأسمالية المدارة والموجهة قد يكون أكثر ملاءمة من النموذج الأنجلوسكسوني. وهناك حاجة إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وذلك لأن 300 مليار دولار التي تم إنفاقها على إزالة الكربون في جميع أنحاء العالم في العام الماضي تضاهي تقريبا تكلفة الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة بسبب الأحداث المتعلقة بالطقس والمناخ.

وهذا يعني أيضا زيادة حجم إقراض البنك الدولي ومصارف التنمية الإقليمية لمساعدة الدول الفقيرة لبناء موارد طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وهذا بالتالي يعني تقبل حقيقة أن العالم بحاجة إلى شن حرب ضد تغير المناخ، ولكن الأشخاص ذوي المصالح سيقولون إن هناك الكثير من العمل، وهم مدعومون بالطبع من هؤلاء الذين ينكرون حقيقة تغير المناخ والذين يقولون إنه لا يوجد ما يدعو للقلق.

7