ما الغلوّ

الخميس 2014/10/30

عندما أشاهد بعض البرامج الدينية في بعض القنوات التلفزية المغربية أشعر كأنّ شيوخ الاعتدال المفترى عليه في واد والحرب على التطرّف الديني في واد آخر.

الغلوّ في الدين الذي يحاربونه ويردّون عليه صبحاً وعشيّة لا علاقة له بقطع الرّؤوس وقهر النّفوس، وسفك الدماء وسبي النساء. الغلو الذي يقصدون محاربته لا يعني سوى الغلو في الزّهد والإكثار من التعبّد والامتناع عن النكاح والصوم عن ملذات الحياة إلخ، أو هكذا يقولون. الغلوّ في ملّتهم واعتقادهم هو أن يضيف المسلم إلى الصلوات المفروضة والمسنونة صلوات أخرى، وأن يزيد على الصوم المفروض والمسنون أياماً من التطوّع، وقد لا يأكل في سائر أيامه سوى النزر القليل، وقد لا يستفيد من الرّخص الممنوحة له كما ينبغي، وبالجملة فالغلوّ عندهم هو أن ينسى المسلم نصيبه من الدنيا.

وإذا صدقنا بأنّ هذا هو الغلو والتشدد والتطرف فقد نظنّ-وبعض الظن إثم- أنّ القاعدة وأخواتها، وداعش وملحقاتها، لا ينتمون إلى طائفة الغلاة في الدين طالما أنّهم لم ينسوا “نصيبهم من الدّنيا” من نكاح وشرب وغنائم، وهذا منتهى اللغو والاستهبال، بل محض تمويه وتنويم وتعتيم.

أيّها الثرثارون! كفاكم ضحكاً على الذّقون، فإنّ الغلو في التعبّد والتزهّد لا يطرح أية مشكلة أمنية، لا يدمر الأوطان، لا يخرب العمران، لا يهدد السلم والأمان. الغلو الذي يجب أن تحاربونه أنتم قبل غيركم هو الغلو الذي يستبيح دماء الناس ويسترخص أرواحهم ويضيع أرزاقهم، إنه الغلو الذي يدمر الثقافة والحضارة، فيجعل الإبداع بدعة، والسؤال ضلالة، والعشق زنا، والنغم من الشيطان، والنساء حطب النار، إنه الغلو الذي يقطع الطرقات، ويبيد الأقليات، ويفجر البنايات، وفي الأخير قد لا يبقي حجراً على حجر.

24