ما الهدف من العدالة الانتقالية.. مصالحة التونسيين أم تقسيمهم

الخصومات التي أشعلتها هيئة الحقيقة والكرامة مع مراجع التأريخ والبحث الجامعي بشأن الحقائق التاريخية دفعا بمسار العدالة إلى مفترق الطرق وإلى نزاعات أكثر خطورة.
الأربعاء 2018/04/04
مسار مرتبك

سلكت العدالة الانتقالية في تونس مسارا مختلفا لم يكن مألوفا في تجارب مقارنة معروفة وأبرزها في جنوب أفريقيا ورواندا والمغرب، أو الأرجنتين وألمانيا الشرقية أو حتى يوغسلافيا سابقا.

تبدو المبررات موضوعية لهذا المسار المختلف الذي يلاحظه التونسيون اليوم ويثير نقاشات حادة في تونس على الرغم من محاولات الانفتاح والاستئناس بالتجارب المقارنة، والتي سبقت بدء أعمال هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بالتقصي في انتهاكات الماضي.

هناك إشادة بلا شك بتجربة جنوب أفريقيا بفضل الزعيم الفذ نيلسون مانديلا، على الرغم من الهنات والنقائص التي حفت بهذا النموذج مثل إحجام أقلية من الطغمة الحاكمة من البيض عن الاعتراف بما اقترفوه بحق السود، أو منع الكثير من الضحايا من الإدلاء بشهاداتهم ومن ثم فرض عفو عام غير نزيه كأمر واقع على الجميع من دون محاسبة.

لكن، تونس التي مرت إلى حكم الحزب الواحد بعد إلغاء النظام الملكي عقب الاستقلال منذ العام 1957، لم تعرف على خلاف جنوب أفريقيا اضطهادا قائما على العرق والجنس كما لم تشهد نزاعات عرقية ومذابح كالتي عرفتها رواندا أو حكما عسكريا فاشيا كما حصل في الأرجنتين.

تمثل تونس نموذجا مختلفا قياسا إلى كل تلك التجارب السابقة، وهذا ما دفع الخبيرة والفيلسوفة الفرنسية كورا أندريو، أحد الذين عملوا بالهيئة العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في مكتبها بتونس، إلى الاعتراض، أثناء تعليقها على مشروع العدالة الانتقالية إبان الثورة، على الفكرة القائلة بجلب قوالب جاهزة للتجربة التونسية.

تقصت كورا تسع تجارب في كتابها “العدالة الانتقالية من جنوب أفريقيا إلى رواندا”، وفي تقديرها فإن العدالة الانتقالية هي الوصفة الأساسية في نظر القانون الدولي لطي انتهاكات الماضي، لكنها لا يمكن أن تصبح حقيقة من دون أن يتحول ضحايا الدكتاتورية إلى فاعلين حقيقيين في النظام الجديد.

ومع أن التجارب المقارنة لم تقدم في واقع الأمر عدالة انتقالية مكتملة أو مثالية، فإن جوهر فكرة كارو على الأقل، يجد صداه بقوة في تجربة الانتقال السياسي في تونس، حتى قبل بدء عمل هيئة الحقيقة والكرامة.

لقد صعد الإسلاميون، الخصم الأكثر تمثيلا في سجون الحكم السابق، إلى سدة الحكم في أول اقتراع ديمقراطي بعد الثورة وبأغلبية ساحقة، ثم خسروا قرابة نصف مليون صوت في المحطة الانتخابية اللاحقة بعد أخطاء شابت فترة حكمهم، أبرزها محاولة اختطاف الدولة والنموذج المجتمعي.

تاريخ التجارب المقارنة للعدالة الانتقالية يحيل إلى أنه لا مناص من التعثر والاحتجاج والخيبات في مسار شائك يتسم بالتعقيد

لكن المفارقة في ذلك أن الجزء الأكبر من الأصوات عاد لخصمهم الأيديولوجي الأول بمكوناته المتعددة، الليبرالية واليسارية والنقابية، بما في ذلك أيضا جزء من أركان النظام السابق. والصورة الأكثر استثناء التي أعقبت التصويت، هي تبني خيار التحالف الجماعي بين الخصوم وأعداء الأمس في ائتلاف واحد، والهدف من ذلك هو إعلاء التوافق في مرحلة دقيقة تقتضي البناء والمصالحة بدل الاستقطاب والتناحر وخيار العودة إلى الوراء.

كان يفترض أن يمنح هذا الانتقال الفريد في الحكم، على الرغم من هناته الاقتصادية والسياسية، أكثر أريحية لعمل هيئة الحقيقة والكرامة الذي تزامن فعليا مع بداية حكم الائتلاف.

فإذا كان الهدف الأسمى من العدالة الانتقالية هو تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات وفي بعضهم البعض إلى جانب إنصاف الضحايا، فإن الخطر المحدق بهذا المسار في نظر الخبيرة الفرنسية هو أن يتحول هذا المنبر إلى مناصر لفئة على أخرى، أو أن يوظف للدعاية والتبييض.

في تقدير المتابعين من المراكز المتخصصة بالتأريخ، فإن الزج بالهيئة في حسابات سياسية داخل البرلمان وانتخاب أعضائها باعتماد قاعدة الأغلبية الحاكمة من خصوم النظام السابق، أمر أفقد الهيئة منذ البداية الكثير من مبدأي الحيادية والتجرد ودفعها لاحقا إلى أن تلعب في الغالب أدوارا أبعد من مجرد الإنصات إلى الضحايا.

يحيل تاريخ التجارب المقارنة للعدالة الانتقالية إلى أنه لا مناص من التعثر والاحتجاج والخيبات في مسار شائك يتسم بالتعقيد والتضارب ومشاعر الاحتقان والغضب، غير أن العبرة دائما بخواتيمها، والسؤال يرتبط دائما بمدى توفر الإرادة الجماعية من أجل السير نحو الخلاص والمصالحة الوطنية من دون أن يتم الانحراف بمسار العدالة الانتقالية أو اختطافها من جهة واحدة وشخصنتها.

في تونس لم تتم الإجابة بعد عن سؤال “ماذا نريد من العدالة الانتقالية؟”، هل الوصول في نهاية المطاف إلى مصالحة التونسيين ببعضهم البعض أم إلى تقسيمهم؟

فالخصومات التي أشعلتها الهيئة مع مراجع التأريخ والبحث الجامعي بشأن الحقائق التاريخية دفعا بمسار العدالة إلى مفترق الطرق وإلى نزاعات أكثر خطورة مما ينبغي عليها معالجته بحذر، وهي لا تقتصر فقط على معالجة أحقاد وضغائن الماضي ولكن أيضا فرقعة ذاكرة وطن والادعاء بإعادة التدوين، هذا عدا الخصومات الداخلية والاستقالات التي حفلت بها تركيبة الهيئة.

وفي هذا يتحدث كبير المؤرخين في تونس عبدالجليل التميمي الذي نظم العشرات من جلسات الإنصات للضحايا ومسؤولي النظام السابق في مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، أنه على عكس هيئة الإنصاف والحقيقة المغربية فإن أكثر ما يعاب على هيئة الحقيقة والكرامة بتونس هو افتقادها لعمل المؤرخين، وهذا الغياب الفادح يدفع إلى عدم الاطمئنان حيال المسؤولية التاريخية التي تتولاها الهيئة من دون أن تكون لها الآليات والأهلية للتعاطي مع الوثائق التاريخية.

6