ما بعد إعلان النوايا

الأربعاء 2015/11/11

ربما يكون الموقف الموحد الصادر عن حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، وعن التيار الوطني الحر بزعامة الجنرال ميشال عون، أولى النتائج العملية لإعلان النوايا الذي تم توقيعه بين المرجعيتين قبل أشهر، فالحزبان اتخذا قرارا برفض “تشريع الضرورة” ما لم يدرج على جدول أعمال الجلسة التشريعية قانون الانتخابات البرلمانية وقانون استعادة الجنسية، علما بأن هناك رأيا له مسوّغه الدستوري، بأنه لا يحق للبرلمان التشريع في حال الفراغ لأنه أصبح هيئة ناخبة ليست لها غير مهمة واحدة هي انتخاب رئيس الجمهورية.

مهندسا ورقة النوايا، الصديق ملحم رياشي والنائب إبراهيم كنعان، تحدثا بأن ما يجري هو تحقيق لهدف أصيل من أهداف إعلان النوايا، ألا وهو تشكيل فيتو مسيحي.

إعلان النوايا، شكل انتصارا للقوات اللبنانية، لأنها أجبرت عون على توقيع وثيقة تؤصل نظريا قيم ومبادئ ثورة 14 آذار، لكن ما أتمناه، أن يكون لنظرية “الفيتو المسيحي” في هذا التوقيت أقله، ثمن من الواجب أن يقدمه عون إلى القوات اللبنانية وإلى الدولة، فمنذ عودته المشؤومة من المنفى لا يمارس غير التعطيل والتفشيل والابتزاز ضد الدولة ودستورها، واصطفاف القوات بجواره في أي ملف، يعطيه شرعية وطنية ومسيحية من الواجب أن يكون ثمنها السياسي باهظا وملموسا، خصوصا وأن أقرب حلفائه (حزب الله) لا يتعاطى مع مطالبه بجدية، فقد وافق ضمنا على تسريح صهره شامل روكز من الجيش، وفي ملف الرئاسة يفاوض على سليمان فرنجية أو جان قهوجي.

إعلان النوايا شكل انتصارا للقوات اللبنانية، لأنها أجبرت عون على توقيع وثيقة تؤصل نظريا قيم ومبادئ ثورة 14 آذار

ما أريد قوله إن ظاهرة عون في لحظاتها الأخيرة، فأقطاب التيار تصب كل جهدها لوراثته، وبعد توريث رئاسة التيار لصهره المدلل جبران باسيل وانفضاض شريحة واضحة من الكوادر الحزبية عن الجنرال، وعدم تعاطي الخصوم والحلفاء مع مطالبه بجدية، تكون حاجة الجنرال إلى القوات أكبر وأكثر من حاجة القوات إليه، بل يمكننا القول إن التيار وجنراله في طريقهما إلى الماضي والقوات في سباقها نحو المستقبل.

من الملفت أن يتفق أكبر حزبين مسيحيين على مقاطعة جلسة لا تناقش قانون الانتخابات النيابية، لكن الملفت أكثر أن الحزبين لم يتفقا على القانون نفسه، وإن لم تخن الذاكرة، فإن القوات، خلال التفاوض على إعلان النوايا، اقترحت على الجنرال عون تبني القانون الذي اقترحته القوات ووافق عليه تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي (قانون مختلط بين النسبي والأكثري)، واكتفى الجنرال بوعد الدراسة، وعلى صعيد آخر، إذا كان إعلان النوايا نجح في توحيد موقف الحزبين الكبيرين من جلسة تشريعية في سبيل المصلحة المسيحية، ما الذي يمنع أن تدفع المصلحة المسيحية والوطنية، معا، الحزبين إلى التفاوض المباشر على ملف رئاسة الجمهورية أقله تأمين النصاب الانتخابي، وإذا لم يرد عون تقديم شيء في ملف لماذا نعطيه نحن في آخر وبالمجان؟

لبنان مسيحي الهويّة والوجدان والذاكرة، وإذا كان مسيحيوه بخير فالدولة ستكون بألف خير، لكن الجنرال ليس إلا طفرة شاذة في المسيرة الوطنية والمسيحية، وأعتقد أن تصنيفه كسياسي مسيحي أو لبناني إساءة للمسيحيين وللمسيحية وللبنان وظلم لهم، وإذا نجحنا في الحصول على توقيعه في الإطار النظري، فلا بد من الحذر من الانجرار إلى منطقه العملي الذي قد يعطي الشرعية لممارسات التعطيل التي يسعى عون من خلالها إلى نسف اتفاق الطائف والدولة، فليس منطقيا أن يتعامل مع البرلمان واستحقاقات الدولة على هواه، وليس منطقيا أكثر أن يتذكر إعلان النوايا حين يريد وينساه حين يريد. ليس المطلوب غير التزامه بإعلان النوايا والدستور، ولا بد أن يعطي القوات قبل أن تعطيه القوات، وربما يحسد الدكتور سمير جعجع على صبره في التعامل مع هكذا بشر، لكن العاقبة للمتقين.

كاتب سعودي

8