ما بعد إلغاء المادة 522: معركة مفتوحة مع قوانين الأحوال الشخصية في لبنان

ارتدت متظاهرات أثواب زفاف بيض مُلطخة بدماء ووضعن ضمادات وتجمعن أمام مقر الحكومة ببيروت (يوم 6 ديسمبر 2016) داعيات إلى إلغاء مادة في القانون تسمح للمغتصب بالزواج من ضحيته للإفلات من العقاب؛ في واقع يختزل في جزء كبير منه صورة المجتمعات العربية عموما، حيث يكافأ الجلاد المغتصب (الرجل) بالزواج من الضحية (المرأة) التي يتم اغتصابها مرّتين، ولم تعد تدري أيهما أكثر مرارة، لحظة الاغتصاب، غير القانوني، الذي حدث بعيدا عن الأعين، ولحظة الاغتصاب الشرعي، الذي أقيم له حفل زفاف وتمّ إشهاره بمباركة الأهل وحماية القانون.
الأحد 2016/12/11
الجلاد يغتصب واللوم على الضحية

بيروت - يعود تاريخ صدور المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني والقاضية بإسقاط العقوبة عن مرتكب جريمة الاغتصاب في حال أقدم على التزوج بضحيته إلى عام 1942. لا تزال هذه المادة حية ترزق، على الرغم من مرور كل هذه الفترة الطويلة، وكأنها علامة على أن البلاد لا تمتلك ماضيها بل تسقطه على حاضرها وتجهّزه ليكون مرجعية مستقبلها.

شعار “الأبيض لا يغطّي الاغتصاب” كان عنوانا لمجموعة نشاطات قامت بها منظمة أبعاد بهدف الضغط في سبيل إلغاء هذه المادة بالتزامن مع إطلاق فيديوهات ونشر بيانات وإحصاءات توثق لتعامل المجتمع اللبناني مع موضوع المادة 522.

يمثل نشاط أبعاد الذي نجح في التأسيس لمنظومة تشريعية نيابية ضاغطة في اتجاه تفعيل موضوع حقوق المرأة في البرلمان اللحظة الأكثر إشراقا في واقع البلاد الحالي.

حرصت الجمعية عل تصوير بشاعة التسوية العشائرية التي تتضمنها المادة 522 عبر إبراز التناقض بين بهجة ثوب العرس الأبيض وبشاعة الاغتصاب في ملصقات صورت مجموعة من النساء يرتدين أثواب العرس البيضاء، في حين تغطي الدماء والجروح والضمادات عدة مناطق من أجسادهن.

الاغتصاب إذن هو جرح مفتوح لا يمكن أن يندمل بسهولة، ولكن المرعب أن البنى الأخلاقية والاجتماعية السائدة تسعى إلى اعتباره نوعا من تقسيم الأدوار الطبيعي بين الجنسين، وانعكاسا مرّا لشكل السلطة في البلد والتي يسود فيها الاستقواء. هكذا فإن دور المغتصب هو الدور الطبيعي للذكر اللبناني في حين أن دور الضحية هو الدور الطبيعي للمرأة.

يمكن من خلال النظر إلى بعض الاعتراضات الواردة على إلغاء المادة 522، الخروج بانطباع مفاده أن هناك عقلا ينظر إلى تغطية الاغتصاب عبر الزواج، على أنه نوع من فائض الكرم الذي يعطى للمرأة التي لا يشكل وقوع الاغتصاب عليها فعلا يستحق الإدانة والشجب.

إيلي كيروز: المادة 522 تمثل اعتداء على المرأة يتكرر ثلاث مرات. الأول عندما تتعرض المرأة للاغتصاب مباشرة، والثاني عندما يتم تزويجها من مغتصبها، والثالث عندما يسمح للمجرم بالإفلات من العقاب

الجرح المفتوح

لاقت حملة أبعاد تجاوبا شعبيا وتشريعيا واسعا تجلى في طرح صيغة قانون تلغي مفاعيل هذه المادة وتفرض عقوبة مشددة على الجاني تصل إلى سبع سنوات من السجن مع مضاعفة المدة إذا كانت الضحية تعاني من إعاقة ما.

لا تقتصر المشكلة التي تثيرها المادة 522 في الحدود التي تتيح للمغتصب الإفلات من العقاب ولكن أخطر ما تمثله هو أنها تنطلق من بنى قيمية سائدة وتبني عليها منطقها فهي لم تكن ممكنة لولا وجود تلك القيم واستمرارها.

تفضح منظومة القيم التي شكلت الشرعية الاجتماعية والثقافية التي قامت على أساسها هذه المادة 522 النظام الاجتماعي والسيكولوجي والأخلاقي والسياسي اللبناني، بشكل عام.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة ليست مادة يتيمة، بل هي جزء من عائلة من المواد القانونية التي تشكل معها نوعا من شبكة قانونية، تؤكد على سيادة القيم البدوية والعشائرية كناظم أعلى للصيغ القانونية المرتبطة بالمرأة وحقوقها.

تناقض الصورة الواقعية الفظة التي يرسمها الواقع التشريعي والقانوني في تعاطيه مع قضايا المرأة، مع الصورة السياحية والإعلانية السائدة عن بلد الحريات الذي تتمتع فيه المرأة بأعلى قدر ممكن من الحقوق والتي تتفوق على كل البلدان الأخرى.

وتظهر القراءة الميدانية لواقع حقوق المرأة أن المرأة اللبنانية هي الأكثر معاناة بين أقرانها وخصوصا أن البلد يمر بحالة من السلم النسبي منذ أكثر من ربع قرن.

ولا يقف الإجحاف الواقع في حق المرأة عند حدود المادة 522 ومعناها بل يتجاوز ذلك بكثير، فالمرأة اللبنانية لا تزال ممنوعة من إعطاء الجنسية لأولادها من زوج غير لبناني، كما تحرم منهم في حال الطلاق أو الخلاف مع زوجها.

يعرض النائب إيلي كيروز، الذي خاض معركة إلغاء المادة 522 وقدم صيغة قانونية تركز على تشديد العقوبة على مرتكب جريمة الاغتصاب للواقع التشريعي اللبناني المزري، قائلا “المادة 522 موضوعة في التداول منذ أكثر من سبعين عاما، وهذا يدل على وجود حالة عميقة من العقم القانوني والتشريعي للأسف. هذا الأمر يقول الكثير عن طبيعة المجتمع اللبناني. نحن ندّعي أن لبنان هو بلد الإشعاع الفكري والحضاري والثقافي، ولكن على الرغم من ذلك نجد أن هناك من لا يزال يدافع عن هذه المادة”.

يؤكد كيروز أن المادة 522 تمثل “اعتداء على المرأة يتكرر ثلاث مرات. يقع الاعتداء الأول عندما تتعرض المرأة للاغتصاب مباشرة، والاعتداء الثاني هو عندما يتم تزويجها من مغتصبها، والاعتداء الثالث هو عندما يُسمح للمجرم والمغتصب بالإفلات من العقاب”.

يضيف النائب اللبناني “لا يقف الإجحاف في حق المرأة في هذا المادة فهناك انتهاك لحقوق المرأة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وعلى المستوى التمثيلي”.

يشرح كيروز المسار المؤدي إلى إلغاء تشريع الاغتصاب معلنا أنه تم حتى الآن” عقد مجموعة من الجلسات التشريعية في لجنة الإدارة والعدل تتعلق بمحاولة التوصل إلى إلغاء المادة 522. المحطة الثانية ستكون عبر وضع الصيغة التي توصّلنا إليها أمام الهيئة العامة للمجلس النيابي ويجب أن تقرّ، وحينها نكون قد توصلنا إلى نتيجة نهائية حول هذا الموضوع حيث نلمس وجود اتجاه فعلي لمعالجة هذه المادة وآثارها في التشريع اللبناني”.

يشير كيروز إلى أن المجتمع اللبناني لا يزال مجتمعا يتبنى العقلية الشرقية ويدافع عن الثقافة الذكورية وقيمها. يعرض وجهة نظره حول هذا الموضوع قائلا “أعتقد أننا لا نزال مجتمعا شرقيا، وثقافتنا لا تزال إلى حد كبير ثقافة ذكورية، والمرأة اللبنانية لا تزال مظلومة. من هنا ليس بالقانون يمكن أن نتوصل إلى إزالة التمييز الذي تعاني منه المرأة، بل يتطلب الأمر قيام ورشة إصلاح لصورة المرأة في الإعلام والتربية”.

80 بالمئة من الذين شملتهم الاستطلاعات يؤكدون أن الاغتصاب في نظرهم جريمة وينتهك شرف المرأة

أزمة الجهل

تبرز الدراسات التي قامت بها جمعية أبعاد عن وجود جهل عام بمفاعيل المادة 522 في وسط المجتمع اللبناني، حيث تشير مديرة الحملة علياء عواضة إلى مفارقة كبيرة كشفتها الدراسات التي أجريت، والتي أعلن عنها مع انطلاق الحملة.

تشير عواضة إلى أن “1 بالمئة من اللبنانيين الذين شملتهم الدراسة فقط لديهم معلومات واضحة حول المادة 522 وطبيعتها في حين أن أكثر من 30 بالمئة منهم أعربوا عن اطلاعهم على حالات تم فيها تزويج نساء من المغتصب”.

من هنا، وكما تؤكد عواضة “تتجاوز الأزمة حدود الإشكال القانوني لتتحول إلى مشكلة ترتبط بوجود ذهنية معينة عند جزء كبير من اللبنانيين، تضع المسؤولية عن حدوث الاغتصاب على المرأة وتعتبر أن هذا الفعل حين يقع فإن المرأة تصبح مصابة في شرفها، لذا لا يوجد حلّ سوى في تزويجها.

وقد جاء شعار ‘الأبيض ما بغطي الاغتصاب’ الذي شكل عنوان حملتنا لمحاولة التأكيد على أن التزويج لا يلغي الاغتصاب بل يستكمله، ويؤدي إلى أن تبقى المرأة ضحية وإلى تأييد حالة الاغتصاب”.

تضيف علياء قائلة “الثوب الذي لبسته النساء في المشهدية التي صممناها مصنوع من الشاش الذي يستعمل لتغطية الجروح، والقصد منه كان التأكيد على أنه مهما حاول المجتمع تغطية الاغتصاب عبر منطق اللصق والإخفاء فإن الجروح المتأتية عنه عميقة، ولا بد لها أن تظهر خلف القناع الأبيض الذي يستعمل للتغطية على بشاعة الفعل”.

ترد عواضة على التعليقات التي اتهمت الجمعية بأنها استعملت مشهدية عنيفة تظهر فيها الدماء للتعبير عن رفض الاغتصاب قائلة “قبل كل شيء لا بد من الإشارة إلى أن هناك في لبنان من لا يعتبر الاغتصاب جريمة في الأساس، وقد جاءت المشهدية التي صمّمناها والتي تظهر بعض بقع الدماء تلطخ الأثواب البيضاء للتعبير عن عنف الموضوع، وللتأكيد على أنه جريمة مرتبطة بالعنف، فكيف يمكن التعبير عن رفض موضوع جرمي قائم على العنف والانتهاك بطريقة لا توازيه؟ لقد انطلقنا من فداحة الموضوع وحرصنا على تصويره في حجمه الفعلي، ومع ذلك فإننا لم نعمد إلى المبالغة بل إلى البعد الرمزي، واستخدام الدماء كان محدودا ويقتصر على مناطق معينة من جسد المرأة. الفكرة لم تكن قائمة على إبراز مشهد الدم، ولكن على الثوب الأبيض في حد ذاته والدلالات المرتبطة به، لنقول إن هذا الثوب حين يستخدم في إطار التغطية على جريمة الاغتصاب فإنه يفقد معانيه المبهجة، ويتحول إلى رمز لتكرار جريمة الاغتصاب”.

أخطر ما في جريمة الاغتصاب وفق عواضة هو “أنها لا تنسى أبدا، والمفارقة أن نسبة فاقت الـ80 بالمئة من الذين شملتهم الاستطلاعات التي رافقت انطلاق الحملة يؤكدون أن الاغتصاب في نظرهم هو جريمة وينتهك شرف المرأة، ولكن مع ذلك فإن المعالجة المقبولة تبقى في تزويج المغتصب من ضحيته، انطلاقا من ربط شرف المرأة بعذريتها”.

لا تنكر عواضة أن المواجهة الفعلية ليست فقط مع المادة 522 بل مع الذهنية العامة، ومع العقل السائد والذي لا يزال يدافع عن تصور تبخيسي للمرأة. من هنا تعلن أنه سيتم العمل على “محاربة الجهل الذي يشكل العامل الأساسي وراء انتشار المفاهيم الخاطئة، وستعاد الاستطلاعات التي قامت بها الجمعية قبل إطلاق حملتها بغية تلمس الأثر الذي حققته لناحية زيادة الوعي العام حول قضايا المرأة، حيث يتوقع أن تكون نسبة الوعي قد ارتفعت بشكل كبير عند عموم اللبنانيين”.

المواجهة مع الذهنية العامة

الأحوال الشخصية

عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل نوال مدللي، والتي سبق لها أن أطلقت وشاركت في الكثير من الحملات الرامية إلى تمكين حقوق المرأة على كافة المستويات ومنها حملة أبعاد، تؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هناك “تناسقا واضحا ونوعا من التحالف بين قوانين الأحوال الشخصية وبين استمرار وجود مواد من قبيل المادة 522 التي يرجح أن يصار إلى إلغائها قريبا”.

تقول مدللي “الاصطدام المباشر هو مع قوانين الأحوال الشخصية، حيث يجب إبعاد رجال الدين عن الموضوع حتى يصار إلى إيجاد حلول للقضايا المرتبطة بحقوق المرأة، والدفع في اتجاه إقرار قانون مدني يسمو على قوانين الأحوال الشخصية. لقد سبق لرجال الدين رفض صدور قوانين تتعلق بالعنف الزوجي حيث يعتبرون أن إقدام الزوج على ممارسة الجنس مع زوجته بالإكراه لا يعتبر اغتصابا. هذه العقلية هي التي تمهّد للمنطق الذي لا زال الكثيرون يبررون من خلاله لبقاء المادة 522، لناحية تحوّل الزواج الذي يأتي بعد حدوث واقعة الاغتصاب إلى نوع من الستر للمرأة، في حين أنه يشكل فعليا الإطار القانوني والاجتماعي الذي يشرعن الاغتصاب، ويحوّله إلى شكل طبيعي من أشكال العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة”.

وتضيف “كل المواد والصيغ القانونية التي تضرب حقوق المرأة لم تأت من فراغ، بل نمت في وسط اجتماعي حاضن وفي وسط تشريعي حاضن كذلك، فلا يزال بعض النواب يملكون عقلية متحجرة تنسجم مع عقليات رجال الدين ومنطق قوانين الأحوال الشخصية. الدفع في اتجاه إلغاء المادة 522 ليس سوى الخطوة الأولى في طريق النضال من أجل إقرار قانون مدني”.

تشير مدللي إلى أن “الجيل الجديد لا يتقبل السياقات القانونية ولا الاجتماعية التي تقوم عليها شبكة القوانين والتقاليد البالية، وهو يشكل خط المواجهة الأساسي ضدها. هناك مشاركة كبيرة من الجيل الجديد في النضالات الرامية إلى إلغاء القوانين المجحفة بحق المرأة”.

وتؤكد عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل “نحن سنعمد إلى التشبيك مع كتلة المستقبل النيابية التي عبّر جل أعضائها عن مناصرتهم للدفع في اتجاه تصميم قوانين منح المرأة لجنسيتها وغيرها من القوانين، التي قد تشكل دفعا أساسيا في اتجاه تحقيق مشروع الدولة المدنية”.

كاتب لبناني

4