ما بعد الألم أو الحق في التفكير

الاثنين 2013/08/19

بصرف النظر عن الأسباب والمسببات والنتائج والمسؤوليات، ليس هناك إنسان لا يتألّم لمشهد الدماء الآدمية النّازفة. الفارق الوحيد، وربما الفارق الأوحد، أن هناك من يتألم فتتعطل قدرته على التفكير. أيّا يكن، فإن سقوط عشرات القتلى يُعدّ مشهداً مؤلماً بكل المقاييس، لكن التفكير يظل أوجب واجبات العقل السياسي حتى في أحلك الظروف الإنسانية. الآن أمامنا أسئلة محدّدة: ما هو أفق هذا الغضب الإخواني في مصر؟ وإلا، فأي هدف لإضرام النار في المحافظات ومؤسسات الدولة والكنائس، إلخ؟ أي هدف لحرق مصر بأكملها؟ وبالأحرى، ماذا بعد المحرقة؟

بمعزل عن دواعي الغضب، كان يُفترض وجود خطة بديلة، خطة باء، في حال فشل اعتصامي النهضة ورابعة. كان يُفترض وجود وسائل وخطوات احتجاجية وفق تسلسل في الأهداف، وبنحو يغني الجماعة عن إشعال النّار في كل شيء، فليس للنار من أفق آخر غير الرماد. وإلا هل هناك عاقل يعوّل على خروج الملايين من الشعب المصري بعد الرماد لإعادة محمد مرسي إلى كرسي الرئاسة؟ أم هو الرهان على سياسة الأرض المحروقة؟ واضح أنّ الطاقة الغضبيّة لدى الإخوان صارت كبيرة جداً. هذا قد نتفهّمه. لكن ما يصعب تبريره هو أن ينتهي الغضب إلى شل القدرة على التفكير. في كل الأحوال، لا يكفي أن تكون «مظلوماً» حتى تنتصر، لا بد من قدر من الذكاء الإيجابي بحيث أن أيّ كلمة تقولها أو فعل تقوم به يجب أن يساهم في توسيع دائرة أصدقائك وتقليص دائرة أعدائك، سواء في مستوى السياسة الداخلية أو في مستوى السياسة الخارجية. ذاك هو المعيار الأساس لقياس جودة الفعل السياسي.

يصعب التقييم في لحظات الغضب لكن لا بأس من السؤال: خلال عام من الحكم، هل اتسعت دائرة أصدقاء الإخوان المسلمين في مصر وفي مستوى العلاقات مع الدول الخارجية أم العكس؟ دعونا من هوس المؤامرات على الإسلام والعرب والمسلمين؛ فإنّ الذي يسكن في القعر لا يمكن لأحد أن يتآمر لأجل إسقاطه! أعيد السؤال: هل اتّسعت دائرة أصدقاء الإخوان أم تقلصت؟

لنفكر في كل المعطيات المتوفرة: الجيش، الإعلام، القضاء، الأقباط، الأزهر، سلفيو حزب النور، المثقفون، أثيوبيا، الإمارات، سوريا، السعودية، إلخ. في كل الاتجاهات كانت دائرة الأصدقاء تتقلص إلى حد النزيف.

الذّكاء الإنساني كما يُعرّفه عالم النفس الفرنسي جان بياجي هو القدرة على التكيّف مع كل الظروف، وحتى مع أسوأ الظروف. أضيف، الذكاء السياسي هو أيضا القدرة على تفادي أسوأ الظروف. هنا يكمن نبل العمل السياسي.

بالتأكيد، حجم الغضب عند الإخوان كبير جدّاً، وحجم الألم عندنا أكبر. لكن كل هذا لا يجب أن يشلّ قدرتنا على التفكير. ما هو الأفق الآن؟ الحد الأدنى من التعقل يؤكد أن عودة مرسي إلى الكرسي من سابع المستحيلات، وهذا منذ العريضة الملايينية لحركة تمرّد، أو على الأقل منذ التفويض الشعبي للجيش. أفلا يوجد ما يكفي من الخيال لتصور وضعيات أخرى بديلة؟

لقد اعترف قادة الإخوان أنفسهم بأنّ «الشعب منقسم»، بعد أن كانوا يرددون أن الإرادة الشعبية معهم حيث هم. وغايتهم في تأكيد الانقسام أن يُبينوا أن الجيش قد انحاز لطرف من الشعب على حساب طرف آخر. لكن، مجرّد ذلك الاعتراف دليل على أن الحكمة كانت تستدعي أن لا يبقى في الحكم من أصبح يمثل جزءا فقط من الإرادة الشعبية.كان الخيار الأسلم التفكير في خيار ثالث.

المعضلة أن الخيار الثالث هو من قبيل «الثالث المرفوع» داخل منطق قُطبي (بالمعنيين) يقوم على عقيدة تقاطبية القيم: الولاء ضدّ البراء، الكفر ضدّ الإيمان، الحق ضدّ الباطل، الحلال ضدّ الحرام، دار الحرب ضدّ دار الإسلام.

أما بعد، فبعد الترحّم على كل القتلى من الجماعة ومن الشرطة ومن الشعب، والدّعوة إلى إحداث لجنة تقصي قضائية لتحديد المسؤوليات والتجاوزات، فإننا من حيث المنظور الفكري، ننتظر ظهور جيل إخواني جديد يتجاوز المرجعية القطبية (مرجعية سيد قطب) يتجاوز الحاكمية الإلهية وجاهلية القرن العشرين، من أجل آفاق اجتهادية متصالحة مع روح الحياة وقيم العصر وعالم الحداثة، ربما على طريقة ما بعد أربكان في تركيا، أو حتى ما بعد بعد أربكان.

8