ما بعد الإخوان.. مصر عند مفترق طرق

الجمعة 2014/01/17

قطعت مصر خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح. خطوة أخرى، يفترض أن تستتبعها خطوات جديدة. كان الاستفتاء على الدستور، الذي شهد إقبالا أكثر من معقول على الصناديق، دليلا على امتلاك “ثورة الثلاثين من يونيو” شرعية شعبية حقيقية. لم تؤثر في الاستفتاء مقاطعة الإخوان المسلمين له من جهة، والعنف الذي لجأ إليه هذا التنظيم لترهيب المواطنين وحملهم على البقاء في منازلهم من جهة أخرى.

تبيّن أن الشعب المصري يمتلك وعيا، على الرغم من كلّ الظلم الذي تعرّض له خلال حكم العسكر، وخلال حكم الاخوان الذين أرادوا وضع اليد على البلد العربي الأكبر وعلى مؤسساته عن طريق نشر البؤس والجهل.

لم يكن لدى محمّد مرسي، وهو ليس في الواقع سوى واجهة للإخوان، ما يقدّمه للمصريين أو لمصر. لم يكن يمتلك مشروعا سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا. لم يكن لديه سوى مثل أعلى واحد ينظر إليه. كان يستعين فقط بالتجربة المتخلّفة لحركة “حماس”، التي هي جزء لا يتجزّأ من الإخوان، في قطاع غزّة.

تطلق “حماس” شعارات، تتحدّث عن تحرير فلسطين كلّها بصفة كونها “وقفا إسلاميا”. في الواقع، تستفيد “حماس” من الحصار الإسرائيلي إلى أبعد حدود وتعمل من أجل ديمومته بغية تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في العمق وتطويعه وجعله أسير ثقافة الموت التي تنادي بها. إنها ثقافة بديلة عن تلك التي اعتاد عليها واعتمدها الشعب الفلسطيني. إنّها الثقافة التي مكّنت هذا الشعب من المحافظة على هويته الوطنية. إنها ثقافة الحياة التي تقوم على الانفتاح على كلّ ما هو حضاري في العالم وعلى العلم الحقيقي.

بإقبالهم على صناديق الاقتراع والمشاركة في الاستفتاء على الدستور الجديد، أراد المصريون توجيه رسالة واضحة. فحوى الرسالة أن مصر لم تنته بعد. مصر بنسائها قبل رجالها، تحدّت الإخوان في وقت تخلى عنها العالم، على رأسه الولايات المتّحدة حيث إدارة لا تعرف ماذا تريد في الشرق الأوسط باستثناء حماية أمن اسرائيل.

يؤسس الاستفتاء على الدستور لمرحلة جديدة بدأت بنزول المصريين إلى الشارع في الثلاثين من يونيو الماضي. تميّزت هذه المرحلة بظهور قوى عربية، على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية، تعرف تماما ماذا تريد. أخذت هذه القوى علما بأنّ ليس في الإمكان التخلي عن مصر وأنّ ذلك لا يجوز.. وأن مصر كانت ولا تزال حاجة عربية.

نعم، مصر القوية مصلحة عربية عليا نظرا إلى أنها عنصر أساسي في إعادة التوازن إلى المنطقة في ظلّ جهل أميركي شبه كامل بالشرق الأوسط. ولذلك، كانت هناك مسارعة عربية لدعم الشعب المصري وثورته من منطلق أن المصلحة العربية تتقدّم على أي مصلحة أخرى، بغض النظر عمّا تريده الولايات المتحدة بإدارتها الحالية.

المهمّ الآن أن يتابع المصريون ثورتهم. وهذا يعني في طبيعة الحال إدخال البلد في مرحلة جديدة تختلف كلّيا عن حكم العسكر الذي استمر ستة عقود وحكم الإخوان الذي لم يدم، لحسن الحظ، أكثر من سنة. الأكيد أن هناك مخاوف من أن يمهّد إقرار الدستور في الاستفتاء الشعبي، ثم انتخاب وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، للعودة إلى الماضي، أي لمرحلة 1952 – 2011. الأكيد أيضا، أن الفريق السيسي يمتلك شعبية كاسحة وأنه مؤهّل للموقع الأول في مصر. لكنّ ما يحتاجه البلد العربي الأكبر والأهمّ هو عقلية مختلفة تساعد في التأسيس لدولة حديثة بالفعل ذات نظام ديمقراطي حقيقي.

يبدو ذلك التحدي الأول أمام الفريق السيسي الذي سيترتب عليه إظهار أن مصر لم تنقلب على حسني مبارك من أجل العودة إلى نظام مشابه. يفترض به تأكيد أن مصر، بما في ذلك المؤسسة العسكرية فيها، تغيّرت في العمق وأنّ مصر الجديدة ستلبي تطلعات الشباب المصري الذي قام بـ”ثورة الخامس والعشرين من يناير” التي خطفها الإخوان.

سيكون سهلا على أي رئيس مصري جديد، خصوصا إذا كان هذا الرئيس عبد الفتّاح السيسي، تأمين أول ما يطالب به المصريون حاليا. إنهم يضعون الأمن والأمان في طليعة أولوياتهم.. وهذا ما يجعل كثيرين يحنون إلى أيّام حسني مبارك، أي إلى الماضي القريب.

لكنّ تأمين الأمن والأمان لن يكون كافيا، على الرغم من وجود قوى خارجية عدّة تعمل على تشجيع العمليات الإرهابية في ظلّ بيئة حاضنة يوفّرها التعاون والتنسيق القائم بين الإخوان و”حماس”.

تبدو مصر بمشاكلها الكثيرة والضخمة عند مفترق طرق. ما نشهده اليوم بداية مرحلة ظهر فيها رجال يستطيعون بالفعل أخذ البلد إلى مكان مختلف بدل جرّه في اتجاه التخلّف، كما كان يفعل الإخوان. المكان المختلف هو مصر المتصالحة مع نفسها، مصر الآمنة، التي تعترف بالحاجة إلى نظام ديمقراطي يؤمّنُ تداولا على السلطة من جهة، وبداية معالجة ما يعاني منه البلد من جهة أخرى. فمصر كانت ضحية الديكتاتورية العسكرية والنمو السكّاني العشوائي وهي في حاجة إلى خطة اقتصادية تشمل، بين ما تشمل، تطوير القطاع الزراعي وقطاعات أخرى. إضافة إلى ذلك، هناك مشكلة، بل أزمة، البرامج التربوية التي لم يعرها النظام السابق اهتماما يذكر. على العكس من ذلك، عمل الإخوان المسلمون على التسلل إلى التعليم والسيطرة على المدارس كي ينشروا فكرهم.

بصراحة، هل في استطاعة القيّمين على المرحلة الراهنة في مصر التأسيس لنظام جديد يتفادى السقوط في كلّ ما سقط فيه نظام حسني مبارك بحسناته وسيئاته؟

في حال أمكن التوصّل إلى مثل هذا النظام، الذي لا يكتفي باستعادة الأمن والاهتمام بما يعانيه المواطن العادي، ستزداد الحاجة إلى مصر على الصعيد الإقليمي. يكفي التفكير بالجوار المباشر للدولة المصرية، أي بقطاع غزة وما يدور في سيناء، ثمّ بالوضع في ليبيا والسودان لتصوّر حجم التحديات التي تواجه الشقيق الأكبر الذي يحتاج العرب اليوم إليه أكثر من أيّ وقت..


إعلامي لبناني

8