ما بعد الإسلام السياسي: "الإسلام السياسي"!

الجماعات الدينية تنتج أحزابا بأسماء لا تشير إلى طابعها الديني بينما تبقى هذه الجماعات صناديق مغلقة وما الحزب إلا ذراع سياسية لها لا يعمل من دون توجيه مرشد الجماعة.
الخميس 2019/02/14
عمليات الرتوش لم تغير الوجه الحقيقي للأحزاب الدينية

طُرحت مفاهيم ومصطلحات محيّرة، في أكثر من مجال، تجعل للظاهرة “ما بعد”! وكأنها تحققت ولم يبق إلا بروز “ما بعدها”، من مثل: الحداثة وما بعد الحداثة، وحتى هذه اللحظة لم يُعرف شكل غير الحداثة، فما هي ما بعد الحداثة؟ هل العودة إلى ما قبلها مثلا؟! هذا بسحب ما يُطرح قبل فترة من الزمن عن ظاهرة الإسلام السياسي، لتلحق بها ظاهرة “ما بعد الإسلام السياسي”!

على ما يبدو فإن هذا الطرح جاء من أصحاب قناعات، في أن الأحزاب الدينية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، قد تغيرت وتبنّت الديمقراطية والتعددية السياسية، وهذا ما يُشجع الحوار معها والعمل على فسح المجال لها في الحياة السياسية.

بنى هؤلاء اعتقادهم هذا على التغييرات التي تبناها حزب النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية التركي وأحزاب وجماعات أخرى، كذلك لم يستثنوا المراجعات التي قدمها بقية الإسلاميين حتى من الجهاديين السلفيين، فهم يعتبرون قبول طالبان بالتفاوض مع السلطة الأفغانية وإشراكها في العمل السياسي العلني واحدة من تنبّئهم في وجود حقيقة ظاهرة “ما بعد الإسلام السياسي”.

غير أنهم لم يلاحظوا جماعات الإسلام السياسي كيف استغلت الديمقراطية، لأنها كانت لصالحها باستغلال المشاعر الدينية، فهناك فرق كبير في المجتمعات الإسلامية بين أن يكون المسجد مقرا للحزب ومكانا للدعاية الانتخابية، ويدخل في منافسة مع بقية الأحزاب، وهذا ما أشار إليه مبكرا رئيس حزب الوفد سراج الدين عندما سأله حسن البنا عن استغلال الدين في الداعية الانتخابية، وأن حزبه ليست له تلك السطوة الدينية، فنفى البنا أن يكونوا يعملون ذلك، لكن ما ثبت أن السياسة ركن أساسي لأي جماعة دينية منتظمة في حزب.

إن القبول بالديمقراطية وتداول السلطة لا يكفي أن تتحول ظاهرة الإسلام السياسي إلى ما بعد الإسلام السياسي، فلو دققنا في نهج الأحزاب الإسلامية والشيعية والسنية، فإنها لم تتخل عن مطلب “الدولة الإسلامية”، وهي عقيدتها الأساسية. كذلك فإن الانفتاح على بقية الأحزاب لا يعني إذابة التنظيمات الإسلامية، إنما طريق أو أسلوب آخر للعمل السياسي الحزبي.

فربما مما لا يعرفه دعاة مصطلح “ما بعد الإسلام السياسي” أن الجماعات الدينية أخذت تنتج أحزابا من داخلها بأسماء وعناوين لا تشير إلى طابعها الديني، مثل العدالة والتنمية أو النهضة، ويمكن أن يرفعوا عنها “الإسلامية” كلفظة. بينما تبقى الجماعات على حالها صناديق مغلقة، وما الحزب إلا ذراع سياسية لها، لا يعمل من دون توجيه مرشد الجماعة.

فقد تبيّن أن العام الذي حكم فيه مرسي كان الرئيس الحقيقي هو المرشد، وكذلك في حزب الدعوة الإسلامية في العراق، إن “دولة القانون”، أو أي مسمّى آخر مثلا، ما هي إلى واجهة لحزب الدعوة نفسه، فالحزب جزء من كيان مغلق تنظيميا وفكريا، يحافظ على الهدف الأساسي وهو إقامة دولة إسلامية آجلا أم عاجلا.

لا نعتقد أن الإسلام السياسي سيتحول، مع بعض الرتوش، إلى “ما بعد الإسلام السياسي”، لأن الظاهرة واحدة، والاختلاف مرحلي أو مجرد تكتيك حزبي. وهذا ما أغرى البعض بطرح الحوار مع القوى الإسلامية، في مصر مثلا، على أن تلك القوى قد تغيّرت وتخلت عن مفاهيمها، من دون الأخذ بعين الاعتبار أن الظروف السياسية دفعتها إلى تغيير شيء من الشكل، دون مسّ الجوهر بشكل من الأشكال.

فالعديد من الأحزاب الاشتراكية والقومية قد انتقلت شكلا وجوهرا إلى أحزاب وطنية، خالية من أيديولوجية أو عقيدة، ومَن بقى على وضعه أخذ وجوده ينحسر شيئا فشيئا. غير أن الأحزاب الدينية لم تقدم على هذه الخطوة، لأن وجودها، حتى في حال تغيير الاسم أو الشكل، مرتبط بالعقيدة الدينية نفسها، فهي ليس بمقدورها التخلي عن الهدف الأعلى دولة الخلافة أو دولة ولاية الفقيه، لأنه إسلام سياسي لا غير.

13