ما بعد الرقمية معادل تاريخي لأزمنة الراديو والتلفزيون والصحيفة الورقية

الأربعاء 2014/06/25
هيمنة العصر الرقمي لا تلغي التجربة الحية

لندن- لم تنجح الرقميات في تعويض وسائل الإعلام التقليدية. بل دفعت المتلقي إلى السعي المستمرّ وإنفاق الأموال الطائلة في سبيل التمتع بالتجارب الحية.

توقعات مغايرة عما هو سائد، وضعها كاتب بريطاني في تصوره للعصر الرقمي، الذي لن يستحوذ برأيه على رغبات التصفح والمشاهدة وحضور الحفلات المباشرة.

وبدأ الكاتب سايمون جنكيز مقاله بصحيفة “الغارديان” البريطانية، بطرح تساؤلاته، لم لا نكتفي بما تقدّمه لنا شبكة الإنترنت من معلومات لا متناهية ؟ لماذا نعجز عن الاكتفاء بصحبة أجهزة الكمبيوتر المحمولة والشاشات؟ ما الذي يدفعنا إلى السعي باستمرار نحو التواصل الإنساني المباشر؟ أليس من الأفضل أن نحصر علاقاتنا في هذا التواصل الالكتروني الآمن؟

ثم يبدأ بطرح رؤيته والقول، أنه في عصر تسود فيه الرقميات محتكرة كافة المجالات، من المطمئن أن نشهد الحضور المتواصل والمكثّف الذي تسجّله المتاحف والمعارض والمهرجانات الحية.

وأضاف جنكيز الحاصل على جوائز صحفية ويكتب عمودين أسبوعيين في الصحف البريطانية، “أتذكر خطابا قدمه الخبير بيتر دروكر في التسعينات، حذّر فيه أن شبكة الإنترنت، على غرار جميع الابتكارات السابقة له، هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. سيكون مثل صناعة الكمبيوتر التي سرعان ما ستندرج تحت سقف صناعات شبه احتكارية أخرى تفقد بريقها في خضمّ العالم المملّ للأعمال والشركات. و في نهاية المطاف، ستصبح أمرا اعتباطيا وجزءا من المرافق العادية في حياتنا اليومية. ولعلّ مجال صناعة الموسيقى الشعبية (البوب) كان أوّل من اكتشف هذه الحقيقة”.

التلفزيون والإنترنت أخفقا في خلق البهجة التي نعيشها خلال تجربة الحدث مباشرة

ولم يلغ سايمون جنكينز، عندما وضع تصوراً لمرحلة ما بعد الرقمية، قيم القراءة التقليدية وطقوس زيارة المتاحف ودور العرض والمكتبات.

ويعتبر أن العصر ما بعد الرقمي سيكون بمثابة معادل تاريخي لأزمنة الراديو والتلفزيون والفاكس والصحيفة الورقية وبعدها الالكترونية، دون أن يقلل من مستقبل قيم القراءة الشائعة والاستماع والمشاهدة الحية للحفلات الموسيقية والغنائية.

ويتابع، “إذا كان البعض يعتبر أنّ الصحافة المطبوعة في تدهور مستمرّ، فإنّ الفنون الأدبية والمهرجانات والدورات والمناقشات تواصل ازدهارها، فالشعراء والكتاب صاروا يعتمدون على تقنية الإلقاء الحيّ، النشرات الإخبارية لا تكتمل اليوم بدون مراسل على عين المكان لتغطية الحدث، وهي أساليب تمتدّ كذلك إلى المؤتمرات، والحلقات الدراسية، والدورات، وندوات نوادي الكتاب، كلّها أنشطة ازدهرت على حساب الإنترنت.

ويصف جنكينز الحاصل على وسام تقدير في مجال الصحافة، تلاشي الصحف الورقية لحساب الالكترونية بالأمر المثير للسخرية، مطالبا بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي.

ونجحت جاذبية المدن الكبرى في الفوز على موجة العمل عن بُعد، وفشلت الجامعات عبر الإنترنت أن تُعوّض الحضور الفعلي للطلبة بالجامعات. وعلى الرغم من أن ظهور الشخصيات الكاريزمية يثير موجة من الهستيريا في التجمعات الكبيرة، لكن الجديد هو أن هذه الظاهرة تُعتبر اليوم وسيلة للتصدي لزحف الرقميات.

من جهته يقول مدير سربنتين، هانس أولريش أوبريست، “في العصر الرقمي، هناك ضرورة حقيقية لتجربة حية للتفاعل الجسدي”. وهو ما نشهده اليوم بالفعل.

وفي يناير كشفت دراسة قامت بها مجموعة بوسطن الاستشارية دراسة “إنفاق الترف”، أنّ هذا المجال يشهد تحولا سريعا من الامتلاك السلبي للأشياء إلى التجربة الحية لها.

ويقول جنكينز، إذا قمت بزيارة كاليفورنيا هذه الأيام، ستسمع باستمرار عن “قوّة التجربة الحية”. كلّما كرّسنا وقتا إضافيا أمام شاشات الكمبيوتر، كلّما تاقت أجسادنا إلى صحبة الآخرين، وهي حاجة ملحّة لا تتردّد الشركات في استغلالها لمضاعفة أرباحها. قد يخفّف الإنترنت من آلام العزلة، لكنه يبقى عاجزا عن علاجها.

سايمون جنكينز: تلاشي الصحف الورقية لحساب الإلكترونية أمر مثير للسخرية

وفي دراسة لـ “شيري تركل” تحت عنوان “وحدنا معا: لماذا نتوقع أكثر من التكنولوجيا وأقل من بعضنا البعض”، تقول الباحثة، “تبقى الرسائل النصية والبريد الالكتروني وسائل للهروب من الحوار المباشر”.

وتدل كل هذه الحقائق على أن التلفزيون والإنترنت أخفقا في خلق البهجة التي نعيشها خلال تجربة الحدث مباشرة. كان من المفترض أن يؤدي ظهور هذه الوسائل الحديثة إلى نهاية الحفلات الموسيقية والمسارح والمحاضرات ومقابلات كرة القدم، وحتى المطاعم. لكن بدلاً من ذلك، سرعان ما استعملت هذه الأنشطة شبكة الإنترنت لتعزّز نموها وازدهارها.

وفي حين تبقى الرقميات وسيلة جديدة ومدهشة للاتصالات، إلّا أنها لم تكف لإشباع التوق البشري للتحرك، وللاجتماع وللتجربة الملموسة. وبدل إحداث الثورة المنتظرة منها في مجال النشاط السياسي، اكتفت هذه الوسيلة الحديثة في تعزيز السياسة القديمة، إذ لا يزال السياسيون يشعرون بالحاجة للقاء الجماهير وجها لوجه.

وسائل الإعلام الاجتماعية يمكن أن تدفع الاضطرابات إلى الشارع، ولكنها لا تنفكّ تتغذّى من أحداث الشارع، لا سيما عندما تحرم الدولة المستعملين من خصوصية الإنترنت. ونحن نستخدم الشاشة للعثور على أي شيء وكلّ شيء، ولكننا نتوق دائما إلى التواصل الحي والمباشر.

وينظر جنكينز بعين اليقظة إلى تصاعد جمهور المتاحف والصالات الفنية في تعويض عن نسب القراءة المتواضعة في المهرجانات الأدبية وانحسار القراءات الشعرية والصحف الورقية، لأن أحد أسباب هذه العودة يعود إلى الملل والفرار من شاشة الكمبيوتر والتلفزيون مساء إلى أجواء طبيعية وفي عطلات نهاية الأسبوع. كذلك يبدو أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الانترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.

فكما يقول “كلما ازدهرت فرص التعامل الجماعي كلما خف الشعور بالوحدة، وهذا لا يقدمه الجلوس الدائم أمام شاشة الكمبيوتر، فالرسائل النصية الهاتفية تمثل نافذة على العالم وليس باباً”.

وجنكينز ليس من أعداء التكنولوجيا، لأن الانترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، ألا أن العودة إلى الكياسة تبدو مبهجة.

18