ما بعد الرهان على الإسلام السياسي

الاثنين 2014/11/03

بصرف النّظر عن الحال والمآل وحجم التوقعات والإخفاقات، كان الإسلام السياسي في نظر بعض الدوائر الغربية مرشحا قويا لقيادة دول ما بعد “الرّبيع العربي”، كان محط رهان استراتيجي انخرط فيه الكثيرون، كان يمثل في رأي البعض منظومة قادرة على ضبط الاستقرار في بيئة معرضة لتقلبات دراماتيكية، كان بديلا محتملا في حال انهيار الاستبداد المتحدر من إرث الحركات الوطنية والقومية، كان بديلا مقبولا للتخلص من بقايا حركات التحرّر في المنطقة.

هكذا، وعلى مدى زمني طويل، كان الرهان على الإسلام السياسي رهانا عالميا كبيرا، أعلن عن نفسه، رسميا، مع بدء ما يسمى بالرّبيع العربي، وتَجسّد في عدة لحظات كاشفة: منح جائزة نوبل للسلام للناشطة الإسلامية توكل كرمان؛ التحالف بين حلف الناتو ومختلف الفصائل الجهادية الليبية، التفاهم بين المفكر الصهيوني هنري برنارد ليفي والقائد الجهادي عبدالحكيم بلحاج لغاية إسقاط نظام معمر القذافي؛ التساهل -في مرحلة سابقة- مع التجنيد العالمي لإرسال المقاتلين المتشددين عبر الأراضي التركية إلى سوريا، بالموازاة مع فتوى أصدرها مفتي قناة الجزيرة يوسف القرضاوي، والذي ليس صدفة أن يحمل لقب مفتي الناتو.

وسواء في سوريا أوغيرها فقد كان معوّلا على الوسطيين والمعتدلين لغاية احتواء الجهاديين المتشددين القادمين من كل فج عميق. فهل كان هذا الرهان معقولا؟

في الواقع، كانت ظروف الحرب الباردة مواتية لبدء الرهان على الإسلام السياسي كحليف أساس في الحروب ضد الأنظمة الشمولية، الشيوعية والناصرية والبعثية، وكان هذا ممكنا طالما ينتمي العدو المشترك بين الإسلاميين والغرب إلى أيديولوجيات “غير دينية”، لكن ما إن أصبح العدو الأساس نابعا من الأيديولوجية الدينية نفسها، بل من داخل الإسلام السياسي بالذات -من قبيل القاعدة وأخواتها ثم داعش وملحقاتها- حتى أصبح الرهان على الإسلام السياسي في موضع مساءلة. ويبقى السؤال، هل سيتغير الرهان أم أنّ الإسلام السياسي سينجح -ولو بعد حين- في تغيير ثقافته لأجل الانخراط المأمول في الحرب الفكرية على التطرّف الديني؟

الانتقادات اللاّذعة التي وجّهها وجدي غنيم -وهو من أشهر الناطقين باسم جماعة الإخوان المسلمين ويستقر الآن في تركيا- إلى الشيخ راشد الغنوشي لمجرّد أنه هنّأ العلمانيين “الكفار” على فوزهم في انتخابات تونس الأخيرة، مؤشر دال على حجم التخلف الفقهي الغالب على أقطاب الإسلام السياسي، علماً بأنّ وجدي غنيم الذي ينتقد الانقلاب على “الديمقراطية” في مصر -وهذا من حقه- هو نفس الشخص الذي سبق له الحصول على شهادة الدكتوراه في موضوع يتعلق ببيان ربّانية الشورى وشركية أو كُفرية الديمقراطية!

واضح أنّ اعتراف إسلاميي تونس بخسارة الانتخابات الأخيرة، بقدر ما يفتح الباب أمام إمكانية ظهور أفكار جديدة، فإنه في المقابل يمثل فرصة لعودة مكبوت الكفر بالديمقراطية. وبالتأكيد، لسنا ننكر أنّ الكفر بالديمقراطية لا يقتصر على الإسلاميين بعضهم أو جلهم، إذ يشمل أطرافا قومية وطائفية وشعبوية وإيديولوجيات كثيرة، لكن -وهذا ما يجب التنبيه إليه- فإنّ إنكار الديمقراطية باسم الدين سرعان ما يتجذر في الوجدان الشعبي، وهنا تكمن إحدى معضلات استغلال الدين في التواصل السياسي.

بكل تأكيد، وبلا مواربة، فإن الباطل باطل سواء قاله شخص إسلامي أم قاله شخص علماني؛ كلاهما قد يكذب، كلاهما قد يغش، كلاهما قد يعتدي على حقوق الناس، لكن الفرق الحاسم هو أن الباطل حين يلبس لباس الدين، يصبح أكثر رسوخا في النفوس والوجدان ويصعب إبطاله. ولذلك، من الطبيعي أن يتغلب الباطل الذي يلبس لباس الدين على الحق الذي لا يلبس لباس الدين. وكم كان علي بن أبي طالب بليغا يوم رد على أحد الشعارات الدينية بالقول، كلمة حق يراد بها باطل. استغلال الدين لعبة خطرة في غير صالح أي أحد. وهنا يكمن المدلول الفعلي لمصطلح الفتنة. لا سيما وأن النص القرآني نفسه حمّال أوجه، كما ورد في الحديث المشهور.

الحرب على “داعش” استحقاق دولي كبير، ستُبنى عليه تحالفات دولية وإقليمية جديدة، وقد يُشكل ملامح منظومة مغايرة من العلاقات الدولية، لكنه استحقاق غاب عنه الإسلام السياسي بكل فصائله وأطيافه. هذا الغياب لم تتوقعه كثير من الدوائر الغربية والتي اعتادت أن ترى في الإسلام السياسي حليفا في الحرب على الأنظمة الشيوعية والناصرية والبعثية. والأدهى أن الإسلام السياسي لم يقدم لهذا الغياب أي مبرر يُذكر عدا مناورات أردوغان والتي تخص “مصلحة تركيا” بالذات. إنه غياب أقرب ما يكون إلى الفشل الذريع والإخفاق الشنيع! وهكذا، طبيعي أن تتهاوى بعض الاستراتيجيات المراهنة على الإسلام السياسي.

الحكاية، بكل وضوح، هي أن الإسلام السياسي الذي تشكل في ظروف مناهضة المنظومات “غير الدينية” من قبيل الشيوعية والاشتراكية والليبرالية والعلمانية إلخ، وجد نفسه هذه المرة بلا فاعلية تُذكر أمام استحقاق الحرب على التطرّف الديني، الذي بات يُفَجر ويُهَجر ويقطع الرّؤوس ويسبي النساء ويشعل الفتن في كل مكان أمام عجز المسلمين وتقاعس الإسلاميين وذهول البشرية جمعاء.

كثيرون من راهنوا أيضا على أن انخراط الإسلام السياسي في الفعل السياسي قد يعني “توريط” الإسلام في حقل الممارسة السياسية، والتي هي مجال المحاولة والخطأ والتفاوض والتنازل، ما قد يفرز في آخر المطاف أفكارا جديدة غير دوغمائية، قد تصير منطلقا للإصلاح الديني. وفعلا، ثمة رهان معقول على أن قبول الإسلاميين بنتائج الانتخابات في تونس سيتيح ظروفاً نفسيّة ملائمة لأجل إجراء بعض المراجعات الضرورية. هذا ممكن ومأمول في كل الأحوال. لكن المؤكد أيضاً أنه بمعزل عن المواقف السياسية، والتي قد تبدو براقة في بعض الأحيان، هناك مراجعات مطلوبة في مستوى الأسس الفقهية والفكرية وحتى العقائدية أحياناً. ومن دون شك فإنّ جرائم الجهاديين، والتي طالت جيش تونس نفسه، والمشهود له بالنزاهة وبالحياد التام، تستدعي مثل هذه المراجعات.

في انتظار ذلك، فإنّ الأحداث لا تنتظر أحدا. هناك تفاعلات وتحالفات وتجاذبات ترسم ملامح جديدة للمنطقة. ووحدهم الحاضرون الآن من سيجلسون في الأخير على المائدة المستديرة.


كاتب مغربي

8