ما بعد الفردوس المفقود.. طفولي ومرعب

الأحد 2013/10/13
ريم يسوف في معرض أردني

معرض "حوار"، هو المعرض الشخصي الأول للفنانة السورية ريم يسوف، ويقام ضمن فعاليات "أسبوع الفن في عمان" لهذا العام، ويشكل نقلة في تجربة الفنانة الشابة (1979) التي تعمل جاهدة للبقاء في عالم الطفولة، طفولتها وطفولة العالم نفسه، ليست الطفولة هنا موضوعا للأعمال وحسب، بل هي أسلوب في الرسم والتلوين، تبرز من خلال الأشكال والألوان والحركات الطفولية، حيث كل ما في اللوحة يحيل إلى ذلك العالم بما فيه من حيوية وحركة ونشاط، فيما يتعرض هذا العالم إلى الموت بأشكاله المتعددة. فمن طفولتها وطفولة العالم، تستحضر الفنانة عناصر عدة، وتستعيد أبرز ما في تلك الطفولة المبتعدة من كائنات ورموز تصنع عالمها الجديد وتحميه. هنا تحضر القطط الصديقة، والطيور المترنحة في الفضاء، والطائرات الورقية التي تحمل أفكارا ورسائل من ذلك العالم البعيد، عبر تكوينات وألوان تحيل إلى عالم من الحلم، والرغبة في التحليق بعيدا عن الواقعيّ المحتشد بالخراب والموت والدمار.

في هذا المعرض الحواري، تتحاور الأشكال والأجساد بتكويناتها الطفولية الحُلمية والحالمة والمحلوم بها ربما. أشكال أقرب إلى الحالة الهلامية للأشياء، حتى اللون الرمادي يكتسب دلالاته من مضامين اللوحات وأشكالها المعبرة عن الموت في صوره المتعددة، وليس بالضرورة الموت المادي. وكذلك ليس بالضرورة أن يكون موتا مرتبطا بحدث ما، حربا أو مجزرة أو سواهما، إنه الموت وحسب. ورغم ما يمكن أن يحيل إليه من صور الخراب، لكنه الموت فقط. وما بين الأطر دائرية الشكل، وتلك المربعة والمستطيلة، تظل أعمال الفنانة تشبه متوالية فنية، ضمن سلسلة متواصلة الحلقات، تربطها تلك العناصر المشتركة والمتشابهة، عناصر يغلب عليها تمزق الأشلاء، والعيون المعصوبة للأطفال، والأيدي المرفوعة إلى السماء، لترفع الطيارة الورقية حينا، وحينا لتبرز ذلك الدعاء والتوسل إلى الخالق ربما، لكنها جميعا تعبر عن حال الضعف وما يتعرض له الإنسان، الطفل والمرأة تحديدا، من العنف والقهر. المشهد كله يحيل إلى العذابات، حتى اللون الأبيض المختلط بالرماد يحيل إلى هذا الاختلاط في المشاعر لدى الفنانة، اختلاط يعبر عن امتزاج الأشياء ببعضها، واختلاط العناصر التي تشكل المشهد الكليّ في عملها. وهذا التمازج والاختلاط يعكس ما تلتقطه العين، وما تختزنه الذاكرة من مشاهدات ومعايشات تترنح بين الواقعي والحلمي والمتخيل. عالم شديد الكآبة، لكنه يحمل في طيّاته نظرة مستقبلية متفائلة، رغم كل ما ينطوي عليه من أسباب التشاؤم.

الأشكال والأجساد تتحاور

يقول عنها أديب مخزوم" ريم يسوف، إحدى أهم الفنانات الشابات في حركتنا التشكيلية السورية"، ويرى كيف تستعيد عبر "الأطفال وطائرات الورق والقطط وظلال العناصر والأشكال، بعض أحلام طفولتها الضائعة والمنسية، المقروءة في مواضيع طائرات الورق وأجواء الطفولة والقطط وظلال العناصر والأشكال". وهي أيضا "تؤكد يوما بعد آخر حيوية موهبتها، وقدرتها على التجاوز والتخطي، وتأخذنا في لوحاتها أحيانا إلى رؤية شكل طائرة الورق بألوان رمادية ومحددة، إنها الشكل الحامل لهواجسها وتطلعاتها التشكيلية، في هذه المرحلة السوداوية، وربما تكون ألوان طائرة الورق في لوحاتها افتراضية، لأنها تبعدنا مسافات عن ألوانها المختلفة الصريحة والزاهية، وتدخلنا في السياق التعبيري المأساوي، للوصول إلى التعبير اللوني الدرامي المعبر عن قلق حياتنا المعاصرة، والقادم من رؤية آثار الدمار والخراب الروحي والمادي".

وفي أعمالها عموما، وأعمال معرضها الراهن خصوصا، "ترسم ريم كما لو أنها تحلم"، كما كتب الشاعر علي العامري عن معرض الفنانة الحواري هذا، فهي تخلق مناخات تراوح في عالم الحلم، عالم التأملات العميقة التي تأتي من الغرابة واجتماع الأطياف الشبحيّة مع الأشكال ذات الإيحاءات والدلالات المؤشرة إلى البراءة، وكأن الفنانة تلملم شظايا من ذكرياتها وأحلامها لتصنع هذا العالم الذي يشبه الواقع لكنه يبتعد عنه ولا ينسخه. ففي عملها كما يرى العامري "يتداخل الواقع والخيال في لحظة هي ذروة الانهماك والحوار بين الفنانة وقماش اللوحة الأبيض، وفي الحوارية بين أبجدية الألوان والقماش والفرشاة المشحونة بالعاطفة تتخلق لوحة ريم يسوف بين يديها". ترسم أحلام أطفال سورية بغد جميل خالٍ من الرصاص القاتل، ومملوء بالطائرات الورقية المرفرفة في فضاء وطن حنون للجميع، وطن خالٍ من الاستبداد. وأنجزت الفنانة قبل أيام دفتراً فنياً، بعنوان "رسالة من طفل إلى طفل"، معبرة فيه عن الحلم بمستقبل جميل للأطفال الذين يتعرضون لانتهاكات صارخة. و"هي تعود إلى الطفولة، وتعود المرأة في لوحاتها إلى طفلة صغيرة تلعب مع أقرانها، في مشاهد تشير إلى الحلم بالحرية، حيث ترفرف طائرات ورقية، في فضاء اللوحات".

وهي كذلك كما تبدو في مَرسَمها الأنيق، حيث "تواجه في جبل اللويبدة العمّاني العتيق قماش اللوحة وتواصل إبداعها"، واصفة بياض قماش الرسم بأنه "المرعب الساحر"، وتقول في لقاء معها "طفولتي هي مركزي وبدايتي، والطائرة الورقية تمثل الصوت العالي بصمت لأطفال موجودين أو كانوا بيننا"، مؤكدة أنه "مع بداية الثورات في الوطن العربي تحولت المرأة في لوحاتي إلى طفلة، وصار القط صديق طفولة أو شاهدًا في أعمالي التي تظهر أحلام طفل هو ضحية أحداث كبيرة".

وتقول إنها "درست الفن في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق"، وتشير إلى أهمية التفاعل بالنسبة إلى الفنان، والانفتاح على مختلف التجارب التشكيلية، إذ أن "الفن يرتبط بفكرة السفر عبر الألوان والبلاد، ما يدعم تجربة الفنان فِكريًا وفَنيًا"، فالفنان كما ترى "ضد التقوقع. وكانت زيارتي مدينة عمّان فكرة مؤقتة لمتابعة عملي بمجال الفن، ولكن عند وجودي كانت الأحداث تتطور بشكل يقلق، نتيجة المفاجآت المرعبة التي تحدث، ومن بينها ما حدث أمام مرسمي، ما جعلني أتمسك بمسؤوليتي تجاه فني وعملي بشكل أكبر، واتخاذ القرار الحاسم بتأسيس مرسم لي في عمّان ومتابعة العمل بجدية".

والمكان بالنسبة إلى ريم يسوف "جزء من الذاكرة والاستقرار، كما الرائحة"، لذلك فهي تستعيد مرسمها (فردوسها المفقود في الشام)، وتؤكد اشتياقها له، وإلى بلدها سوريا، هذا الشوق الذي تقول إنه "فاق حد التعب، كما اشتياقي لأهلي وأصدقائي ولرائحة البلد التي تعشّش في ذاكرتي". لكن الفنانة تواصل شحن قدراتها بطاقة جديدة، وترى أنه "مع ازدياد قسوة الحياة، نزداد قوة وتعلُّقًا بالغد وإشراقة الشمس والأمل، فكان هدفي الأول هو الأسمى في ما يتعلق بلوحتي، فالتاريخ يثبت أن الفنان زائل والمكان متغير، لكن العمل الفني يواصل الحياة عبر الزمن، وهو جزء مهم في بناء ثقافة المجتمع".

16