ما بعد القرضاوي: أي خطاب ديني نحتاج

الاثنين 2014/04/28

أن يأتي الوعي متأخراً خيرٌ من أن لا يأتي أبداً. وفعلاً يبدو وكأنّ وعياً جديدا بدأ يتبلور هذه المرّة، سواء في ساحة الخليج العربي، أو داخل إمارة قطر على وجه الدّلالة البالغة، أو على امتداد العالم العربي الذي ضاق ذرعاً بالعنف العبثي والتّفجير المجّاني.

إنّها بوادر وعي جديد يتشكل على أنقاض خطابات التجييش والتهييج، وثقافة الهرج والمرج، بكافة ألوان المزايدة والابتزاز. اليوم، يدرك الكثير من الفاعلين الإقليميين والدّوليين أن تغيير الخطاب الديني السّائد، بل تحديثه، أصبح حاجة أمنية وضرورة تنموية، وأننا اليوم أحوج ما نكون إلى إنتاج خطاب ديني جديد متحرر من كل أشكال التّحريض الفتنوي والطائفي، ومتصالح مع روح العصر ومع حاجة مجتمعاتنا إلى الارتقاء والنّماء.

كيف لا ينبلج مثل هذا الوعي- ولو بنحو متأخر- وقد أوصلتنا الأيديولوجيات الغوغائية إلى الباب المسدود، وجعلت نصيبنا من الحكمة الموصوفة في القرآن الكريم بالخير هو صفر مكعّب.

بل بلغ الخراب مبلغه، وأخرجت الفتنة ألسنتها، وأوشك العنف الجهادي أن يحرق اليابس والأخضر، قبل أن يرتدّ على نحره. ولربّما دفعت ليبيا ثمناً غالياً لخطاب تكفيري امتلك في لحظة فارقة ما يكفي من المال والإعلام والغطاء السياسي، ولربّما الثمن السوري أغلى بكثير، لكن مقابل هذه الكلفة الباهظة على شعبين عزيزين ثمة بوادر تحوّل كبير في الوعي العربي على وجه العموم. هناك بوادر إدراك جاد وجدي بأنّ جذور العنف الديني الذي يهدد النّسيج الاجتماعي في معظم البلاد العربية لا تنحصر في الخلايا الإرهابية ذاتها والتي يمكن التعامل معها أمنيا وحتى عسكريا، لكنها مبثوثة داخل مفاهيم وتصورات الخطاب الديني الرّائج على مقربة منا، على مسامعنا، داخل المساجد والمدارس والفضائيات، إما جرّاء الجهل أو الجهالة، أو بفعل الاستغلال الغوغائي للدين في سباق الرمال نحو سراب السلطة.

والواقع أنّ المقرّرات التعليمية الدينية، وكذلك خطب الجمعة، وأيضاً الجلسات الوعظية التلفزية، جميعها كانت ولا تزال في الغالب من مخلفات الحرب الباردة شكلاً ومضموناً.

فلقد عرض الخطاب الديني التحريضي نفسه أول الأمر باعتباره سيفاً بتاراً ضدّ “الشيوعية الملحدة”، فباركه الكل من أميركا إلى الخليج، ثم قدّم نفسه باعتباره سدّاً منيعاً ضدّ “القومية والناصرية”، ومرّة أخرى باركه الكل من أميركا إلى الخليج، وهو الآن يريد أن يقدم نفسه باعتباره حامي الدين من الملحدين، وناصر السنة ضدّ الشيعة والمجوس الصفويين.

فهل يجد هـذه المرّة من يُصدق مزاعمه؟ لعلّ الزّمن قد تغيـّر، والمعطيات أصبحت أكثر تشـابكاً وتعقيـداً، وشعـوبنـا تحتـاج إلى التسلـح بالحكمـة والمعـرفـة بدل صيحـات النفير والتكبير، وواقع الخليج اليوم- كما قال عبد المطلب الهوني في مناسبة سابقة- لم يعد في حاجة إلى قرضاوي جديـد. انتهت اللعبة إذن. ستكون المادة الأولية في القرن الواحد والعشرين هي المادة الرّمادية، أي الدماغ البشري. وبكل تأكيد، لم يكن أب الفلسفة السياسية أفلاطون يمزح عندما قال إن الممارسة السياسية تحتاج إلى النّفس العاقلة لا إلى النّفس الغضبية.

هناك إدراك عميق وغير مسبوق بأنّ كلّ ما يفعله الخطاب الفتنوي الطائفي عندنا أنّه يشلّ التّنمية الاجتماعية، ويُهدد السلم المدنيّ، ويُسمم الوعي الديني للمواطنين.

إنّ المطلوب الآن هو العمل على بلورة خطاب ديني جديد، لا يُحرض الناس على الفتنة، لا يُحرضهم على الطائفية، لا يُدمر الدّول لأجل أن تعلو كلمة الله فوق الخرائب، لا يفسد الثورات ويحرفها عن موضعها فيضيع معنى الإنسان، خطاب لا يحرض الدّهماء على النساء، ولا الأكثرية على الأقلية، ولا الجاهلين على الفنّانين والمثقفين، خطاب لا يورط الشّعوب في معارك وهمية، ولا يُبدد زمن الشعوب في حملات وسواسيـة على تنّورة قصيرة هنا، أو سروال ضيق هناك. وإن كان ولا بدّ من تحريض فليكن التّحريض على البناء والنماء والارتقاء. وفي ذلك فليتنافس العقلاء.

إنّ المطلوب هو استبدال كل مفاهيم القدامة في الخطاب الديني من قبيل الولاء والبـراء، ودار الحرب ودار الإسـلام، والطاعـة والجماعة، والزّحف والنّفير، والحريم والعورة وأشياء أخرى، بمفاهيم تنتمـي إلى حقل الحداثة والمواطنة وحقوق الإنسـان.

وبكل تأكيد، يجب الكفّ عن التعامل مع المصطلحات كأوثان مقدسة، كعجل ذهبي، كهيكل سليمان، فليست المصطلحات بمعبودات، حتى ولو كانت واردة في الكتب المقدّسة؛ لأنها مجرّد وسائل بلاغية ترتبط بسياقات تداولية وتواصلية محدّدة.

إنّ المطلوب على وجه التحديد، هو ضمان تكوين حداثي للأئمة والخطباء، بحيث يتمتّعون بحرية أكبر في الكلام والاجتهاد، لكن مقابل دورات تدريبية مكثفة لاستلهام قيم الحوار والسلم والتعايش، واحترام الحريات الفردية وحرية التفكير، وترسيخ المعايير الدولية لحقوق الإنسان، دون التغاضي عن الحاجة إلى تحسين الظروف الاجتماعية للعاملين في الحقل الديني، والتي قد تمثل ثغرة ينفذ منها دعاة الفتنة. وأرى أنّ هذا المنحى الإصلاحي سيكون أفضل بألف مرّة من أن تتحكم الدولة في الحقل الديني، مقابل أن يبقى الخطاب الديني الرائج هو نفس الخطاب، غريباً عن روح العصر.

المشكلة كما أقول دائماً ليست في الحقل الديني وحاجته إلى الضبط والتحكم، فلو كان الأمر كذلك لهان علينا المصاب، وإنّما تكمن المشكلة في الخطاب الديني نفسه وحاجته إلى التّحديث.

والسؤال الفعلي حول الخطاب الديني ليس أن نسأل، من الذي يقول (انتماؤه)؟ أو كيف يقول (مظهره)؟ أو أين يقول (منبره)؟ أو لماذا يقول (نواياه)؟ بل السؤال الواجب طرحه هو: ماذا يقال بالضبط (مضمون الخطاب)؟ إنه السؤال أي خطاب ديني نحتاج؟

كاتب مغربي

8