ما بعد النصر المر، ماذا عن عراب الإرهاب

الثلاثاء 2017/07/11

كان العالم سيكون أكثر سعادة وامتنانا لدور قطر في توظيف نحو ما يناهز 65 مليار دولار في تحسين أحوال العرب بدل ضخها في حسابات الإخوان والتنظيمات والجمعيات المشبوهة.

بينما يعم الخراب هنا وهناك، كان يجدر بالعالم أن يحتفي بما كان يمكن تحقيقه في جهود الحد من نسب الفقر وسوء التغذية وعمالة الأطفال وتهريب البشر بدل الانكباب على إحصاء عدد الموتى والمفقودين وترديد قصص المآسي في رحاب أخطر تنظيم على وجه الأرض.

لكن الآن وبعد أن أسدل الستار على معارك الموصل واتضحت الرؤى على الجبهات السورية الرئيسية، فإنه تُلقى على عاتق السلطات القطرية مهمة إيضاح حقيقة هذه الأرقام المتداولة بشأن الأموال التي تحولت إلى ما يشبه بنكا دوليا للإرهاب، قد مكنت جماعات وميليشيات مخربة بأن تحاكي دولا وجيوشا في حجم موازناتها، وبأن تكون لها اليد الطولى في تغيير خارطة الشرق الأوسط.

فمهما تكن القضايا التي تم التسويق لها في سوريا وفي أماكن أخرى من العالم العربي فإنه لا يبرر مطلقا المقامرة بمصير الملايين من البشر وباقتصاديات دول ومعالم حضرية وإنسانية، دون أن تكون لكل ذلك تبعات مباشرة على الدول الممولة والمحرضة أو أي التزام أخلاقي تجاه الأضرار والدمار اللذين لحقا المنطقة.

لم يسبق أن شاهد العالم في القرون الحديثة مثل هذا الدمار الهائل نتيجة حروب لم تحدث بين جيوش نظامية وإنما نتيجة الدفع بجماعات من المرتزقة. حتى مدن درسدن وكوفنتري ووارسو، الأكثر تدميرا في الحرب العالمية الثانية، تعتبر أكثر حظا قياسا بما لحق الموصل وحلب والرقة.

يكتسب هذا الدمار الحاصل في أراضي “خلافة المرتزقين” فظاعة أكبر لكونه حصل على أيدي عصابات مأجورة تمتعت بتمويل ضخم وبأيديولوجيا التخريب والموت والظلامية.

لكن الأهم من الاحتفال بالنصر المر والمكلف جدا على حساب التنظيم الوحشي في الموصل وفي مدن سورية هو الهدف الأول في المرحلة التالية الذي يقتضي أن يرتبط بتقصي الحقائق كاملة بشأن الدول والجهات المورطة في التمويل والدعم اللوجستي والدعاية.

لن تكون لمحادثات أستانة وجنيف أي معنى ما لم تحدد المسؤوليات كاملة في تمزيق الشرق الأوسط. قد يحتاج العالم لما يشبه “محادثات فرساي” جديدة بموازاة تحريك الدعاوى لدى المحكمة الجنائية الدولية من أجل إقرار التعويضات والعقوبات وتحجيم القوى العابثة بأمن العالم.

كما أن صحوة إدارة ترامب وعدد من العواصم الغربية بشأن أولوية تجفيف مصادر تمويل الإرهاب لا يمكن أن يكون الهدف الأول بحد ذاته ما لم يكن مقترنا بعمليات تقصّ فعلية. مثلا كان يجدر طرح السؤال بصوت عال، إلى أي مدى ساهم التمويل القطري في إحداث تدمير هائل لسوريا وفي نزوح الملايين من هذا البلد وتفجير أكبر موجة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية تأذت منها دول الجوار ودول أخرى في أوروبا؟

وكيف تورطت هذه الدولة في نقل الاضطرابات إلى عدة دول عربية أخرى إما بالسعي سرا أوعلنا إلى تمكين الإسلاميين منها، أو بمحاولات قلب نسيجها المجتمعي بقوة المال والترهيب والتكفير؟

كما يحتاج العالم الآن إلى فهم واضح بشأن التدفق العلني على مرأى ومسمع من السلطات التركية، للآلاف من المرتزقة عبر أراضيها نحو سوريا والعراق وسياسة غض الطرف عن سرقات داعش الممنهجة وأنشطته التجارية في المنطقة.

بل إن الأسئلة تحوم أيضا حول مدى تورط الغرب نفسه في صناعة هذا الجسم ومد جذوره وسط منطقة ملتهبة. لعل بعضا من العالم لم يفق بعد من صدمته لحظة دخول موكب داعش المفاجئ لمدينة الموصل بهيئة الفاتحين المهللين مقابل انسحاب محير للجيش العراقي ووسط دهشة العالم وصمت مطبق وغير مفهوم لإدارة أوباما.

إن مسؤولية القوى الغربية ليست بعيدة في كل الأحوال عما يجري في الشرق الأوسط.

فبالعودة إلى الوراء في عام 2012 ساد نقاش لدى محور باريس لندن بشأن جدوى تسليح المعارضة المسلحة للنظام السوري، مع أن الجيش السوري الحر آنذاك لم يتعد كونه غطاء فضفاضا لجماعات متشددة تصدرت واجهة المعارك على الأرض وفي مقدمتها جبهة النصرة وتنظيم جبهة فتح الشام.

كان واضحا ومنطقيا آنذاك أن أي تفاهمات بشأن الأسلحة ستصب في النهاية في مصلحة الحركات المتشددة ذات النفوذ والمبادرة على الأرض، وأن الأهداف الحقيقية أبعد من مجرد الدعوة إلى إصلاحات سياسية في سوريا، مع ذلك تم الإفراج عن الأسلحة للجيش الميليشياوي ليتحول جزء كبير منه لاحقا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

لكن الأخطر مما حصل في سوريا والعراق هو التحضير المبيت لتعميم تجارب التنظيم في ليبيا وبدرجة أقل في تونس ومصر وفي مناطق أخرى مفككة بأفريقيا. مع أن الكل يعاني اليوم وبنسب متفاوتة من استنزاف الحرب على الإرهاب على حساب جهود التنمية ومقاومة الفقر والبطالة.

إن أكبر جريمة حصلت من وراء تمويل الإرهاب ليس الخراب العرضي والمؤقت للأوطان والتدمير الممنهج لمقدراتها فحسب، وإنما مضاعفة محنة الدول العربية بالأساس في إبطاء عجلة التاريخ والتقدم لعقود أخرى طويلة لصالح جهود إعادة البناء والإعمار. وكأن هذا ما كان ينقص العرب بوضعهم المتأخر أصلا في حال السلم والاستقرار.

كاتب وصحافي تونسي

7