ما بعد بعد القنيطرة

الخميس 2015/01/22

لم تمض أيام معدودات على المقابلة التي أجرتها إحدى الفضائيات العربية مع السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله، والتي توعد فيها بردود مزلزلة على أي عدوان تشنه إسرائيل على لبنان، حتى وجّهت مروحيات العدو الصهيوني ضربتها الموجعة لهذا الحزب في القنيطرة، على بعد كيلومترات من خط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل.

لم تكن تهديدات زعيم حزب الله الموجهة إلى الكيان الصهيوني إلا رسائل طمأنة للقواعد التنظيمية والشعبية التي بدأت تتبرّم من طول مدى واتساع رقعة التدخل العسكري لهذا الحزب إلى جانب النظام الأسدي في مواجهته لثورة الشعب السوري، وتنوء تحت وطأة الخسائر التي يتلقاها في جبهات عدة هناك.

هذه الرسائل التي تدغدغ عواطف اللبنانيين، بالقول إنّ الحزب لا يزال على عهده في المقاومة، وأن تدخله الواسع والمكلف في سوريا لن يؤثر على قدرته الرادعة في التصدي لأي اعتداء صهيوني على لبنان، كانت ضرورية خاصة بعد أن كُشف عن الخرق الكبير على مستوى قيادي في الحزب والذي مثله تعامل محمد شوربة، مسؤول العمليات الخارجية، مع الموساد الإسرائيلي.

وبالتالي فإن هذه التهديدات لم تكن تعني قيمة استراتيجية لدى الكيان الصهيوني، فجاءت تلك الضربة في عمق الجولان موجعة على المستويات العسكرية والسياسية والأمنية والمعنوية.

فعلى المستوى العسكري أكدت تلك الضربة أن الحكومة الصهيونية تعرف، تماما، الإمكانيات الحقيقية لحزب الله على الرد، وعلى المستوى السياسي تظهر أن الحكومة الصهيونية تستغل، إلى أبعد مدى، غرق حزب الله في سوريا وتحاشي النظام الإيراني، في ظل انتظاراته من مفاوضاته مع الولايات المتحدة الأميركية، أن يسهم في فتح حرب واسعة مع الكيان الصهيوني، وعلى المستوى الأمني، فإن الصهاينة يؤكدون لقيادة حزب الله أن خروقا أمنية على أعلى المستويات لا تزال موجودة.

هذه الخروق قد تكون لدى الحزب، أو لدى قيادات أمنية عالية المستوى في النظام السوري، وبنسبة أقل لدى قيادات إيرانية. وقناعتي أن الخرق الذي بنيت عليه ضربة العدو الصهيوني للقادة العسكريين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني في القنيطرة موجود وبنسبة توقعٍ مرتفعة لدى ضباط أمنيين بمستوى رفيع في أجهزة النظام الأسدي، نتيجة تبرّمهم من سلوكيات الإيرانيين وقـادة حزب الله الأمنيين العاملين في سوريا. فمن يقتل شعبه لن يتورّع عن التعامل مع المحتل. أما طبيعة الهدف ومستوى القادة المستهدفين بالضربة الصهيونية، فشكلا صدمة معنوية هائلة لحزب الله بقياداته وقواعده وجمهوره.

وفي حين أن جمهور المقاومة يطالب حزب الله برد موجع رغم كل العواقب، لا يزال الخط الأزرق (والحدود اللبنانية الفلسطينية) يشهد هدوءه المعتاد، رغم بعض التحركات العسكرية الصهيونية التي يفرضها الحذر.

أما الساحة السياسية في لبنان التي أجمعت على إدانة العدوان الصهيوني، فيعمّها الحذر والترقّب رغم إقرارها أن الرد على الاعتداء الصهيوني أمر لا مناص منه، ولكنها تنقسم حول كيفية وحجم، وبالأخص، ساحة هذا الرد، في وقت لم يصدر عن قيادة حزب الله إلا مزيد من التهديد والوعيد. فرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يقول: لبنان لا يحتمّل أي مغامرات. أما جريدة “النهار” البيروتية فقد توقعت ردا من خارج الأراضي اللبنانية، وتوقع آخرون أن يأتي الرد من الجولان.

وفي كل الأحوال، من يتوقع أن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي حيال أي رد من حزب الله مهما كانت ساحته وحجمه، فهو واهم. ببساطة، لأنها هي من بادرت إلى المواجهة كونها تدرك كم الحرج الذي سيصيب، وقد أصاب بالفعل قيادة حزب الله. هذا يعني أن أي رد من حزب الله سيقابله رد من الاحتلال الصهيوني لا ندري طبيعته ولا الشروط التي تحكمه ولا علاقته بالانتخابات المزمع عقدها في غضون شهرين من الآن.

لقد كان لتورط حزب الله في سوريا آثار مدمّرة ليس فقط على الشعب السوري وبلاده وثورته، وليس فقط على استقرار لبنان وأمنه وتماسك بنيته الاجتماعية، بل على المقاومة نفسها التي يتأكد، كل يوم، أنه احتكرها لنفسه ليوظفها في مشاريع النظام الإيراني لبسط هيمنته ومد نفوذه وتعميم النمط الاجتماعي الذي يكرس ويؤبد ولاية الملالي – البازار في إيران والمنطقة.

وللمناسبة والتذكير، فقد عاش الجنوب اللبناني منذ 25 أيار 2000، وحتى 12 تموز 2006 مرحلة لم تجرؤ فيها القوات الصهيونية على تنفيذ أي اعتداء يطال الأراضي اللبنانية أو المواطنين اللبنانيين. ولكن السنوات الأخيرة شهدت اعتداءات متكررة على المناطق الحدودية ذكّرتنا بمرحلة ما قبل التحرير.

وهذا يدل على انكفاء المقاومة للتحرير، وتحويل المقاومة إلى مادة للتوظيف السياسي ولتحشيد الشباب والمجتمع في لبنان خلف مشاريع لا علاقة لها لا بالتحرر ولا بالتحرير.

إن الإصرار على تلزيم المقاومة لحزب الله هو خصخصة لها لتوظيفها. وهو بالتالي، قضاء على المقاومة وإطلاق ليد الاحتلال الصهيوني في لبنان وفي المنطقة، مستفيدا من كل هذا الإجرام الذي باشره نظام الأسد، فحوّل المنطقة إلى كومة من دمار، وشعوبها إلى أشلاء، ومواطنيها إلى كتل من اللاجئين.


كاتب لبناني

8