ما بعد تثقيف العين

التربية على التعفف عن "مدّ العين" تعصم من قواصم تبدأ بإهدار الكبرياء وقلة القيمة والإهانة، وقد تبلغ فقدان الحياة. وقلما يصيب العينَ في سن متأخرة شيء من هذا التثقيف، سيكون تطبّعا سرعان ما يغلبه الطبع، في أول فرصة لغياب القانون.
الأحد 2018/10/07
تجربة تثقيف العين وتهذيب السلوك (لوحة مروان قصاب باشي)

بعد نشر مقالي السابق "تثقيف العين"، رآه البعض فرصة لتجديد الانتصار لموقف صارم لا يتسامح مع من يرفض ثياب الشاطئ، بحجة أن البديل يؤكد التمييز لا الستر.

وأبدى آخرون تمسكا أشد صرامة بالحق في رفض المايوه الذي لم يفرضه إله للبحر على رواد الشواطئ وحمامات السباحة، ولكنه مجرد عرف اكتسب قوة القانون، والقوانين وضعت لكي يتم التحايل والتمرد عليها فتتغير، ولكن هذا الأمر الذي أثاره سيد قطب عام 1938 لا يشغلني بطرفيه المتشدد والمتنطع، وإنما ألح على أهمية التربية الثقافية للعين. ومفهوم الثقافة هنا يعني تهذيب العين، وترويضها لتعتاد على الجمال، وتسمو به ومعه إلى مراتب تتعدى الرغبة في الامتلاك، ووقاحة الاقتحام بنظرات تتحرش وتعرّي وتؤذي.

التربية على التعفف عن "مدّ العين" تعصم من قواصم تبدأ بإهدار الكبرياء وقلة القيمة والإهانة، وقد تبلغ فقدان الحياة. وقلما يصيب العينَ في سن متأخرة شيء من هذا التثقيف، سيكون تطبّعا سرعان ما يغلبه الطبع، في أول فرصة لغياب القانون.

وكنت شاهدا على رفض مصري لفكرة العودة إلى بلاده التي توطّن فيها الفضول والحرمان من الخصوصية، كما قال.

أما في بريطانيا بلد الجنسية والإقامة لأكثر من ثلاثة عقود فلا أحد ينظر إلى أحد، أنت بالنسبة إلى الآخرين في الشارع والمترو مجرد هواء، لا يراك أو يقتحمك أحد.

وحدث أن مرت بنا سيدة ذات ملامح هندية، تذكّرني بكاترينا كيف، فغازلها بكلمات إنكليزية تحتمل المجاملة اللطيفة ولم تستجب. وواصلت سيرها، فلاحقها بسباب باللغة العربية، "بنت … فاكرة نفسها محترمة"، وهي سمعت ولم تفهم، ولكن إيقاع الحروف الغاضبة وخز جسدها، فتصرفت مثل أي سيدة راقية تتعالى على حماقات الجوعى وشراهتهم.

قد يغري الصمت على الأذى بالتمادي، ويمنح الغشيم شعورا باقتراب القنص، ومدّ اليد إلى الصيد، فيقع الصياد في الفخ، مثل المحامي المسكين مسعود الشرنوبي (عادل إمام) في فيلم "البعض يذهب للمأذون مرتين" الذي أغوى امرأة تعاني مشكلات مع زوجها، فتظاهرت بالاستجابة، واستدعت زوجها الذي ضبط المحامي بثيابه الداخلية، وبعد أن دخل البيت بوقاره وثيابه، خرج بنظارته الطبية، في مشهد تكرر حرفيا مع "مثقف" مغترب تخلصت زميلته من إلحاحه بطريقة الاستدراج نفسها، ثم توسل إلى زوجها ألا يقتله، فأمره بغسل أرضية البيت، وتجفيفها بثيابه، وإلقاء الثياب من النافذة، وسمح له بالخروج بلباسه التحتي، فانطلق باحثا عن ثيابه، تلازمه رعشة عصفور انتشل من الماء والعشب عالق بقدميه.

وبدلا من التوبة، ومحاولة خوض تجربة تثقيف العين وتهذيب السلوك ولو مرة، يتجدد الإغراء بنجاح الصيد. ويحلو لمتثاقفين خوض مغامرات غير مأمونة، لا تخلو من تحرش ومساومات. وهم لا يصونون سرا، بل يسعون إلى استعراض يمد جسرا إلى صيد لاحق.

وفي سهرة بمقهى شعبي ذات ليلة بصحبة الشاعر محمود قرني، وردت سيرة تذكّر بالمحامي مسعود في فيلم "البعض يذهب للمأذون مرتين" وابتسمت، إشفاقا على محام لا يزعم محاربة الفساد، مثل مثقفين مرضى بالتناقض.

 وقلت إن الكذب وادعاء النزاهة والوطنية وبقية العدة الزائفة قصيرة العمر، وسرعان ما يسقط قناع المريض، وسيتم ترحيله خلال شهرين على الأكثر، وأخشى ألا يكون السبب فضيحة. وفي الصباح أخبرني محمود قرني بأن صاحب السيرة تلقى اليوم أمرا بالمغادرة خلال ثلاثة أيام، وأنه اتصل بصديقه الوزير لكي يجد حلا، فأمره بتنفيذ قرار الترحيل. وسألني محمود: كنت أمس تعرف شيئا؟ قلت: لا شيء، هل تحتاج هذه النتيجة إلى نبي؟ كل ما هنالك أن الثمرة نضجت أسرع مما توقعت.

10