ما بعد داعش، تحديات الوجود والهوية أمام العرب السنة في الموصل

السبت 2016/10/22

لن تكون معركة تحرير الموصل كبقية المعارك التي سبق أن خاضتها القوات العسكرية العراقية وميليشيات الحشد الشعبي المتجحفلة معها ضد تنظيم داعش سواء في ديالى أو الأنبار أو صلاح الدين، حيث ستكون المواجهة صعبة بكل المقاييس كلما اقتربت المسافة من حدود مركز المدينة وحيث ستعلو سحب الدخان الكثيفة لتختلط أوراق اللعب بين أيادي اللاعبين، مثلما ستختلط الدروب التي تؤدي إلى أحياء المدينة.

قساوة المعركة بوجهيها العسكري والسياسي تعود إلى سعة مساحة مركز مدينة الموصل، وإلى الكثافة السكانية العالية التي تصل إلى أكثر من مليوني نسمة، وهذا ما يزيد من تعقيدها من الناحية اللوجستية خاصة وأن نهر دجلة يشطر المدينة إلى قسمين: ساحل أيمن وساحل أيسر، ويرتبط الساحلان بخمسة جسور كلها مهددة بالنسف والتفجير من قبل تنظيم الخلافة في لحظة من لحظات المعركة إذا ما وجد إلى ذلك ضرورة لعرقلة عبور القطعات العسكرية إلى الضفة الأخرى، علما بأن اليوم الأول من معركة تحرير المدينة شهد تدمير جسر الحرية حيث تعرض للقصف من قبل طائرات التحالف الدولي مما ألحق به أضرارا كبيرة، وبذلك يكون جسر الحرية أول الجسور التي تخرج من الخدمة، وعسى ألا تكون الحرية التي طالما انتظرها أبناء الموصل قد خرجت من حسابات القوى العسكرية القادمة لتحريرها.

معركة تحرير الموصل لن تكتسب أهميتها لكونها عاصمة دولة الخلافة كما سبق أن أعلنها أبوبكر البغدادي من منبر الجامع الكبير بتاريخ 5 يوليو 2014، إنما تكمن أهميتها بما يحمله تاريخها المعاصر من دلالات تلقي بظلالها الكثيفة على حاضر ومستقبل المدينة، ويبدأ هذا التاريخ من اللحظة التي انتهت فيها الحرب العالمية الأولى وأمست فيها الموصل من حصة العراق بعد أن حاولت الدولة العثمانية الاحتفاظ بها واعتبارها جزءا من ممتلكاتها بعد أن كانت قد خسرت معظم مستعمراتها في تلك الحرب، ومازالت تحتفظ بأهميتها في ذاكرة الساسة الأتراك ولم تطو صفحتها من ملفاتهم ولا يبدو أنهم على قدر كاف من الاستعداد للتخلي عن فكرة استعادتها رغم تقادم السنين وتبدل الحكومات التركية، ولهذا اعتدنا بين فترة وأخرى أن نشهد تصاعد الدعوات التي تطالب بعودتها إلى حضن الدولة التركية كلما اشتدت الخلافات بين أنقرة وبغداد خاصة عندما تكون الدولة العراقية في حالة من الضعف كما هو عليه حالها بعد 2003، هذا ما يمكن استنتاجه من اللغة المتعالية التي استعملها رجب طيب أردوغان وهو يرد على تصريحات حيدر العبادي التي رفض فيها تواجد القوات التركية في معسكر زيلكان داخل ناحية بعشيقة التابعة لمحافظة نينوى.

هناك عدد من الأسباب دفعت أردوغان إلى أن يشعر بهذه الثقة بالنفس، حتى أنه لم يتردد في استخدام لغة تحمل سخرية من كل الأصوات التي طالبته بسحب قواته ويمكن التطرق إلى البعض من تلك الأسباب.

إن الأتراك يرتبطون بعلاقات وثيقة مع قوى وزعامات اجتماعية وسياسية موصلية تمتد جذورها إلى أيام الدولة العثمانية، حيث كانت التعاملات التجارية على درجة عالية من العمق بين أثرياء وتجار الموصل واقرانهم الأتراك وترتفع درجة العلاقة المجتمعية إلى مستوى من الخصوصية مع مجتمع مدينة ماردين التركية وتجارها، وسيتفاجأ أي عراقي من غير الموصليين عندما يجد سكان هذه المدينة يتحدثون بلهجة قريبة من لهجة أهل الموصل حتى يكاد صعب التمييز بينهما.

العلاقة بين الموصل وماردين نجدها في الكثير من صورها الاجتماعية أكبر من تلك التي ارتبط بها تجار الموصل مع بقية التجار في مدن العراق على الأقل حتى نهاية العقد الخامس من القرن العشرين، وهذا يعود أولا إلى تخلف طرق المواصلات بين المدن العراقية وإلى قرب المسافة بين الموصل وماردين، ومن هنا يمكن قراءة الدوافع التي جعلت طبقة التجار والأثرياء في الموصل تقف إلى جانب ضم المدينة إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى كما هو الحال مع عائلة النجيفي وهي من العوائل الثرية نتيجة عملها في ميدان الزراعة والتجارة، حيث طالب جد محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي السلطة العثمانية بأن تضم الموصل إلى سلطتها وكان ذلك عام 1925 أثناء الجدل بين بغداد وإسطنبول حول إجراء استفتاء يحسم انتماء المدينة إلى العراق أو إلى تركيا، وقد صوت أكثرية السكان لصالح البقاء ضمن حدود الدولة العراقية، علما بأن الموصل آنذاك كانت تضم مدن أربيل والسليمانية ودهوك، ويشكل الأكراد في هذه المدن غالبية سكانية. من هنا كانوا حصان الرهان في ذلك الاستفتاء عندما منحوا صوتهم لصالح بقاء ولاية الموصل مع العراق وبذلك يعود لهم الفضل في بقاء الموصل جزءا من الدولة العراقية.

إضافة إلى هذا العامل التاريخي، فإن العلاقة بين تركيا وبعض القوى السياسية والاجتماعية الموصلية تستمد جرعة قوية لصالح استمرارها من خلال الأخطاء التي ترتكبها الحكومة العراقية بزعامة التحالف الشيعي بعد 2003، والتي اتسمت بارتفاع وتيرة العنف والطائفية إضافة إلى الاعتقالات العشوائية ضد العرب السنة من سكان الموصل خاصة خلال فترة حكم نوري المالكي، حتى أن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2010 تطرق بشكل تفصيلي إلى ما تعرض له أكثر من 400 معتقل من العرب السنة في سجن مطار المثنى من عمليات تعذيب وحشية.

كان لتلك السياسات الطائفية أثر بالغ على العرب السنة لأنهم كانوا الهدف المرصود من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية المرابطة في المدينة، التي لم تبخل بأي وسيلة للإساءة إليهم، وكانت نقاط التفتيش والحواجز التي انتشرت في جميع شوارع وطرقات المدينة الرئيسية والفرعية ميدانا لتفريغ السموم الطائفية على العرب السنة تحديدا.

ويمكن القول إن سجون السلطة والميليشيات وهي كثيرة جدا، قد امتلأت بهم وحدهم دون غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى، علما بأن اختيار جميع القادة المسؤولين عن الأجهزة العسكرية والأمنية في الموصل كان يتم من قبل بغداد، وعادة ما كان يتم اختيارهم لهذه المهمة بناء على انتمائهم المذهبي، بمعنى أن جميعهم من الطائفة الشيعية وليس بالضرورة أن يكونوا عربا، وغالبية عناصر هذه الأجهزة كانوا ينتمون إلى ميليشيات طائفية قبل أن يتم دمجهم في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية حسب القرار رقم 91 الصادر عام 2003 من قبل الحاكم الأميركي بول بريمر.

من هنا يمكن تفسير صور العنف المفرط الذي شهدته الموصل بحق أبنائها حيث كان ينظر إليهم، انطلاقا من رؤية مذهبية، من قبل الأحزاب الإسلاموية الشيعية الممسكة بالسلطة على أنهم من أتباع النظام السابق، وعلى أساس تلك النظرة لن يكون لهم أي ولاء للسلطة الجديدة خاصة وأن النسبة الأكبر من قادة الجيش العراقي والضباط الصغار والطيارين الأكفاء الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية كانوا من مدينة الموصل.

هذه العوامل وأخرى غيرها مجتمعة تفاعلت مع بعضها لتزيد من مساحة العداء بين العرب السنة من سكان الموصل والسلطة في بغداد، وبذلك توفرت خلف ستارة المشهد اليومي بكل فوضويته كل العناصر الممكنة لتطفو على سطح الواقع مشاعر عنف وكراهية لا حدود لها ضد كل ما يمت بصلة للنظام القائم، فكان هذا المناخ المشحون بالطائفية مناسبا لظهور وانتعاش التنظيمات الإسلاموية المسلحة المتطرفة مثل أنصار السنة والقاعدة وتنظيم الخلافة، ولم تبذل هذه التنظيمات جهدا في استقطاب قطاع واسع من أبناء المدينة من الطائفة السنية خاصة الذين ينحدرون من أصول قروية بعد أن وجدتهم معبئين بمشاعر الحقد والثأر ضد سلطة عاملتهم بقسوة وحرمتهم من حقوقهم في العيش والحياة.

بناء على هذه الظروف المعقدة واللاإنسانية التي تتحملها أحزاب السلطة، لا يمكن التقليل من أهمية وجود تيار قوي مجتمعي وسياسي، داخل مدينة الموصل بين العرب السنة يدعو أنصاره إلى أي صيغة من صيغ النأي عن سلطة بغداد خلاصا من علاقة سيئة معها باتت تفرضها عليهم، ربما تأخذ هذه الصيغة لديهم شكل إقليم في أقرب صورة واقعية لها أو الانفصال في أبعد صورة لها، وجميع الصيغ باتت مطروحة هذه الأيام ضمن إطار هذه العلاقة التي يتم تداولها بين أوساط الفعاليات المجتمعية والسياسية الموصلية طالما لا توجد في الأفق أي مؤشرات تفيد على أن هنالك تغييرا ملموسا يمكن أن يطرأ في منظومة السلطة الأيديولوجية وممارساتها القمعية تجاه العرب السنة، بل على العكس هنالك الكثير من الدلائل أفرزتها وقائع كثيرة خلال العامين الماضيين اللذين شهدا عمليات عسكرية لطرد داعش من المدن العربية السنية.

ثم جاءت عملية تحرير الموصل وما صاحب الاستعداد لها من شعارات طائفية أطلقها العديد من قادة الحشد الشعبي حيث اعتبروا فيها معركتهم في الموصل تصفية حساب مع أحفاد قتلة الحسين، فكان لتلك التصريحات وقع سيء على العرب السنة خاصة وأنها ترافقت مع تقارير صحافية واستخباراتية نشرتها العديد من الصحف والوكالات الدولية تتحدث عن عزم الحشد الشعبي الوصول إلى عدد من مناطق الموصل أبرزها فضاء تلعفر الذي يقطنه خليط من التركمان الشيعة والسنة بهدف السيطرة عليه وإحداث تغيير ديموغرافي فيه لصالح التركمان الشيعة، ليكون ممرا تصل من خلاله قوافل السلاح والميليشيات إلى الأراضي السورية دعما لنظام الأسد حيث يبعد الفضاء عن الحدود السورية العراقية مسافة 60 كلم.

إزاء الذي جرى العرب السنة في الموصل، كان من الطبيعي أن تزداد مخاوفهم من سلطة بغداد وأن تتكرس في داخلهم خيارات الابتعاد عنها، وصولا إلى خيار القبول بالحماية التركية الذي يروج له عدد من ساسة المدينة ليس بهدف حماية المدينة من التقسيم بقدر ما يرتبط ذلك بطبيعة العلاقة التي يرتبطون بها مع أنقرة وما تحققه لهم من مكاسب ذاتية.

بذلك تكون بغداد قد وفرت كل المقدمات لكي لا يطمئن إليها أبناؤها من العرب السنة في الموصل بعد أن جردتهم سياساتها الطائفية من مصداقية انتمائهم إلى وطنهم ووضعتهم بين مطرقة داعش وسندان الميليشيات.

كاتب عراقي

9