ما بعد داعش في شمال سوريا: مآلات مياه نهر الفرات

الأربعاء 2016/06/01
منذ سيطرة داعش على معظم أراضي وادي الفرات أنشأ وزارة زراعة شبيهة ببيروقراطية النظام أكثر عجزا

واشنطن - بدأت توقعات الخبراء تتزايد في ما يخص مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية في المناطق التي تهيمن عليها، فانحسار التنظيم أصبح باديا بوضوح أمام القوى الإقليمية والدولية. لكن نقطة الاهتمام عند الدخول في تفاصيل ما بعد داعش هي مسألة مياه الفرات، التي أصبحت أكثر ندرة نظرا لسوء إدارتها من قبل عناصر داعش واستغلال تركيا لفرصة الحرب السورية للاستحواذ على نصيب غير قانوني من مياه الفرات.

وقد دفع هذا الأمر فابريس بالونش، الباحث بجامعة ليون 2 والأستاذ الزائر في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى الكتابة عن الموضوع باستفاضة.

ويؤكد بالونش أن التحركات العسكرية في شرق سوريا تشير إلى أنه سيتم القيام بهجوم كبير هذا العام للقضاء على وجود تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة. ويتقدم الجيش السوري نحو مدينتي دير الزور والطبقة بمساعدة الطيران الروسي، في حين يتقدم المقاتلون الأكراد والعرب المدعومون من الولايات المتحدة تحت راية قوات سوريا الديمقراطية من الشمال، وفي الوقت نفسه، تعهدت العشائر العربية التي تعيش تحت حكم تنظيم داعش في وادي الفرات بالولاء للتنظيم في الوقت الراهن، لكن من المرجح أن تتخلى عن هذا الولاء إذا شكّلت قوى خارجية تهديدا خطيرا عليها.

وبناء على ذلك، فقد حان الوقت، حسب فابريس بالونش، للاستعداد لـ”المرحلة التي تلي حكم تنظيم الدولة الإسلامية” في منطقة الفرات في سوريا، لا سيما في ما يتعلق بمختلف القضايا الاقتصادية التي من شأنها أن تشكل الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار السياسي المحلي.

وبغض النظر عن الجهة التي ستسيطر على المنطقة في المرحلة المقبلة، سواء نظام الأسد أو قوات سوريا الديمقراطية أو غيرها من الأطراف الفاعلة، فإنها ستواجه عددا من المعضلات الكبرى أهمها ندرة المياه التي طالما دفعت الديناميكيات السياسية والاقتصادية في منطقة شمال سوريا، ومخلفات الأيديولوجيا المتشددة لتنظيم الدولة الإسلامية على سكان المنطقة.

منذ أن أحكم داعش سيطرته على معظم أراضي وادي الفرات أنشأ وزارة زراعة شبيهة ببيروقراطية النظام أكثر عجزا

منذ أن أحكم تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته على معظم أراضي وادي الفرات خلال الحرب، أنشأ وزارة زراعة شبيهة ببيروقراطية النظام. فهذه الوزارة هي التي تحدد المحاصيل التي يمكن زراعتها، وتستخدم مخططات مماثلة لإدارة الري، وتفرض ضرائب مرتفعة على المزارعين. ومع ذلك، ونظرا للنقص الكبير في الخبرة بين عناصر التنظيم، تدهورت خدمات الري بشكل حاد مقارنة مع فترة ما قبل الحرب، مما جعل جباية الضرائب في ما يسمونه صندوق الزكاة التابع للتنظيم صعبة جدا.

إن نقص المياه في الأراضي التي كانت تُروى من قبل الدولة سابقا دفع بالعديد من المزارعين إلى حفر الآبار غير النظامية. وهذا بدوره يعني زيادة في الضخ، وهو أمر مكلف جدا في ظل هذه الظروف غير الطبيعية، بل هو أكثر تكلفة الآن لأن قصف التحالف لمنشآت النفط جعل من الصعب الحصول على الوقود اللازم لتشغيل المضخات. وفوق كل هذا، يفتقد المزارعون المحليون إلى الأسمدة والمبيدات الحشرية التي أصبحت نادرة ومكلفة لأنه لا يمكن شراؤها سوى من منطقة تابعة للحكومة بواسطة مهربين.

ونتيجة لهذه الإشكالات، تتراجع المحاصيل الزراعية بشكل حاد، وسط عدم قدرة تنظيم داعش على إعادة ملء خزانات القمح التي كان قد أفرغها في وقت سابق من أجل كسب تأييد السكان. وبالتالي، إذا استمرت الظروف الحالية فإن دورة الجفاف الحتمية القادمة ستكون كارثية.

ومن الضروري، كما يقول فابريس بالونش، توقع التحدي المتمثل في حل مشاكل الري في وادي الفرات قبل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في تلك المنطقة. ومن هنا، يقول خبراء إنه لا بد من العمل على خطة تحديث كبيرة للري والزراعة من أجل تحقيق الاستقرار في الوادي.

فموارد المياه المحلية محدودة بطبيعتها، ومن المرجح أن تصبح أكثر ندرة في العقود المقبلة، ومن الممكن الحد من بعض الهدر عبر استخدام تقنيات الري الحديثة والتخلي عن المحاصيل التي تتطلب استخداما كثيفا للمياه مثل القطن، إلا أن هذه الجهود تتطلب انضباطا كبيرا ومستوى عاليا من التنمية لا يتوافق حاليا مع المجتمع العشائري في الوادي.

7