ما بعد سرت.. داعش يشد الرحال إلى الشمال

لماذا تتركز أبرز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية بالأساس في المنطقة الغربية لليبيا قرب الحدود مع تونس؟ ولماذا يقع الاختيار على أن يكون أغلب قياديي تلك العناصر في الغرب الليبي من التونسيين؟ وهل للتطورات في الصفوف القيادية لداعش في ليبيا تأثير على السياسة الخارجية والدفاعية لبعض دول جنوب أوروبا وبالأخص إيطاليا؟ هذه التساؤلات وغيرها يطرحها الصحافيان الإيطاليان دانيالي رانياري وماركو أرنابولدي، في سياق قراءة للمتغيرات الأخيرة خاصة في ظلّ التحقيقات التي تقول بقرب اندلاع موجة جديدة من العمليات الإرهابية في المنطقة قد تطال روما.
الجمعة 2016/04/15
الدور القادم على روما

روما – أبوطلحة التونسي وبشير التونسي وغريب التونسي وكمال التونسي وتميم التونسي، كل هذه الأسماء تنتهي بلقب “التونسي” للإشارة إلى جنسياتهم الأصلية بعد التخلي عنها لصالح الدولة الإسلامية في ليبيا، وهي أسماء إضافة إلى أسماء أخرى من قبيل ماهر القايدي ونورالدين النايبي وسيف الدين السندي وعبدالله الدباشي وأحمد ساسي هم قيادات ميدانية مباشرة للمجموعات المسلحة التابعة لتنظيم داعش. والمعلومة الأهم في هذا السياق أن نقاط تركز تلك المجموعات هو غرب ليبيا، أي قرب الحدود مع تونس.

ووردت هذه الأسماء وغيرها في وثيقة تصور هيكلة تنظيم داعش في ليبيا بعد عمل استقصائي دام أكثر من شهر قام به الصحفيان الإيطاليان دانيالي رانياري وماركو أرنابولدي، ونشر في مجلة “إيل فوليو” الإيطالية. وشمل العمل البحث في الأسماء القيادية ونقاط تركزها والمزيد من الاقتراب من استراتيجية الأمير الجديد عبدالباقر النجدي، خليفة الأمير السابق أبوالمغيرة القحطاني الذي قتل في غارة أميركية في نوفمبر الماضي.

الأمر الذي أثار انتباه رانياري وأرنابولدي، أنه بمجرد قدوم الأمير الجديد مبعوثا من أبوبكر البغدادي، حتى استهدف الغرب في أول خطاب مسجل له متوعدا بهجمات تزيد من حرارة الصيف القادم.

وفي التسجيل الذي نشره موقع النبأ، التابع لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، أكد عبدالباقر النجدي أن خلايا التنظيم موجودة في عدد من المدن الإيطالية الآن، “وهي في حالة كمون إلى حين إصدار الأوامر بالتحرك”. ويضيف النجدي قائلا “نسأل الله أن يوفق طلائع الخلافة في روما لغزوها”.

ذكر إيطاليا في خطاب أمير داعش يؤكد الخط الرابط بين العمق الأفريقي وشمال البحر المتوسط في مخططاته

هذا التصريح لئن أخذه بعض المحللين على أنه استعراض ضروري للعضلات في بداية إمارة رجل داعش الجديد في ليبيا، إلا أنه يزيد من توضيح المؤشرات المتعلقة بخارطة انتشار تنظيم الدولة الإسلامية على مستوى العمق الأفريقي وصولا إلى ليبيا، فشمال البحر المتوسط، حيث أن ذكر إيطاليا في هذا الظرف بالذات يعكس كيفية تفكير داعش في ليبيا واستراتيجية تحركاته.

لقد تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من الوصول إلى أفريقيا جنوب الصحراء وبعض الدول في الغرب، ومن ذلك تمركزه المكثّف في شمال مالي وبحيرة تشاد وشمال نيجيريا، إلى أن وصل مؤخرا إلى بوركينا فاسو وساحل العاج وتهديده للسنغال.

الرابط بين هذه المناطق وليبيا يكمن أساسا في ذلك الخط الذي يصل منطقة نفوذ بوكو حرام، التي بايعت تنظيم داعش والمتمركزة حول بحيرة تشاد، مع مدينة سرت الليبية، مرورا بدولة تشاد ذاتها. فهذا الخط مهمّته الرئيسية تأمين إمدادات السلاح والمقاتلين من قبائل تلك المناطق نحو نقاط تكثف عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد أكد دونالد بولدوك، قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية بأفريقيا، أن قواته “رصدت تحركات في جنوب تشاد تُعنى بتدريبات قاسية حول حمل أسلحة لمسافات طويلة مشيا على الأقدام”. وأضاف “هذه النوعية من التدريبات تعكس عزم الجماعات الإرهابية التوجه شمالا نحو ليبيا بأشكال مختلفة للتضليل، منها السفر بالسيارات وأحيانا المشي”.

استراتيجية الخطوط لا تزال قائمة بالنسبة إلى النسخة الشمالية نحو أوروبا، والهدف الأول ضمن هذه الاستراتيحية هو السواحل الجنوبية لإيطاليا. ويؤكّد صحة هذه القراءة تصريح الأميرال الإيطالي بييرباولو ريبوفو الذي قال إن “البحرية الإيطالية الآن على استعداد تام لأي هجوم مكثف بالزوارق الخفيفة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية على المياه الإقليمية الإيطالية التي تصل إلى القرب من جزيرة مالطة”. ويدل تصريح الأميرال ريبوفو على أن تنظيم الدولة الإسلامية يستعد في تحضيراته الآن للاستحواذ على مستودعات الزوارق البحرية التابعة لحرس الحدود الليبي، وهو ما تشير إليه المعارك في محيط مدينة سرت الساحلية حول مراكز الأمن البحري الليبي وكذلك المعارك في مدينتي بن جواد وزويتينة البحريتين والمعروفتين بمحطتيهما النفطيتين.

ولم يغفل القائد البحري الإيطالي رمزية هجمة محتملة على العاصمة روما، مؤكدا أن معلومات استخباراتية حصلت عليها الأجهزة الإيطالية، تشير إلى أن هجوما انتحاريا أو عبوة ناسفة قد يتم تفجيرها في أحد الأحياء السياحية في روما، والفاتيكان ليس بمنآى عن ذلك الهجوم.

التنظيم يضع روما في دائرة الاستهداف

تونس جس نبض

الهجمات الارهابية الأخيرة التي ضربت أكثر من مدينة، من بنقردان التونسية إلى بروكسل الأوروبية، تبرز عبثية النظر إلى الإرهاب الجهادي على أنه مشكل يمكن حصره جغرافيا، ولم يعد بالإمكان قراءة أي عملية إرهابية بمعزل عن أخرى، حتى لو كانت متباعدة جغرافيا. ومن هنا يربط الخبراء بين ما يجري في ليبيا من استعدادات وفي المنطقة الأفريقية من تدريبات مع العملية الإرهابية التي شهدتها مدينة بنقردان على الحدود بين تونس وليبيا.

الهجوم غير المسبوق الذي استهدف المدينة الجنوبية لتونس لم يكن بحسب مراقبين سوى مقدمة لهجومات أخرى هدفها، متوسط المدى، هو إعلان إمارة في الجنوب الشرقي لتونس وتكون امتدادا للدولة الإسلامية في ليبيا. ولئن تشابه سيناريو محاولة السيطرة على المدينة الحدودية مع ما حدث في مدينة الموصل العراقية، إلا أن الاختلافات تكمن في قوة الحضور والتكاتف الذي جمع المواطنين في بنقردان وقوة التحامهم بالأجهزة الأمنية ما حصّن مدينتهم من الخضوع إلى دعوات “الخلافة” التي ينادي بها تنظيم لداعش.

وما حدث في بنقردان يدعّم تسريبات في وسائل إعلام محلية تقول إن أجهزة الاستخبارات الأميركية لها نشاط مكثف في المنطقة الحدودية التونسية الليبية. وقد ورد في بعض المصادر الميدانية، أن المعلومات التي سلمت لتونس تفيد في مجملها بأن أغلب القيادات الخطيرة لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا تتمركز في غرب ليبيا، وتبقي بشكل دائم على الممرات نحو بوابة رأس الجدير الحدودية بين البلدين مفتوحة.

وكتب آوين ماكاسكل، محلل الشؤون الدفاعية في صحيفة الغارديان، مقالا حول نشر قوة دولية في ليبيا بعد العملية العسكرية في تونس، جاء فيه أن “قوة تقودها إيطاليا قوامها 5000 جندي على أهبة الاستعداد للانتشار في ليبيا، بينما تتزايد المخاوف بشأن التهديد الذي تمثله الجماعات المتطرفة العاملة فيها، خاصة بعد الاشتباكات في تونس المجاورة”.

وتتركز العناصر التونسية في المنطقة الساحلية الشمالية القريبة من الحدود التونسية، والممتدة من صبراتة إلى نقطة أبوكماش القريبة من بنقردان، وهو خط سير العناصر التي اقتحمت المدينة في مارس الماضي، كما تشير معلومات ميدانية حول القصف الأميركي على معسكر لتنظيم داعش في صبراتة أواسط فبراير الماضي إلى أن أغلب العناصر التي قتلت في القصف كانت تونسية بحسب ما أظهرته صور جوازات سفرهم التي وجدت بين ركام المعسكر.

باولو جنتيلوني: إيطاليا مستعدة لدعم الحكومة الليبية في مواجهة داعش

وتستعمل أعداد أخرى من العناصر الجهادية خطا آخر أكثر أمنا بالنسبة إلى الإرهابيين وهو الخط الرابط بين مدينة الزنتان ومنطقة وازن القريبة من الخط الحدودي التونسي.

ويتميز هذا الخط بعمقه النسبي نحو الجنوب والابتعاد عن المناطق الساحلية المكشوفة، ومن ناحية أخرى، فإن تلك المنطقة معروفة لدى شبكات التهريب التي أصبح عدد منها متعاونا مع الإرهابيين. وبذلك فإن الهجوم الذي استهدف مدينة بنقردان الحدودية لن يكون الهجوم الأخير، بل إن بعض الخبراء يصفونه بـ”بالونة اختبار” لجس نبض الشارع والقوات التونسية، وأيضا الدول القريبة والمعنية، تمهيدا لعمليات أخرى قد تكون أكثر تنسيقا.

وهذا الأمر دفع إيطاليا إلى لعب دور أكبر في السياسة الخارجية، على غير عادتها، وباتت لاعبا مؤثّرا في الملف الليبي وما يحيط به.

الإرهاب يغير السياسات

ليس من المعروف عن إيطاليا أنها دولة تبحث عن الانتشار العسكري العالمي، “حتى في محيطها القريب” كما صرح الرئيس الإيطالي السابق جورجيو نابوليتاني لصحيفة “إيل جيورنالي” الإيطالية ردا على سؤال حول نية إيطاليا تعزيز قواتها البحرية في وسط البحر المتوسط. لكن الأمر بدا مختلفا في السنوات الأخيرة، بعد سقوط نظام معمر القذافي عبر ثورة فبراير، ودخول ليبيا في مستنقع الصراعات الأمر الذي ساعد على تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة.

ويمكن ملاحظة تغيّر التفكير الإيطالي مع محيطه الإقليمي عموما استنادا إلى تغير مواقف روما السياسية من التدخلات الخارجية العسكرية على ليبيا. فقد أكد وزير الخارجية الإيطالي السابق فرانكو فراتيني بعد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أثناء الثورة الليبية في فبراير 2011 أن بلاده “ترفض التدخل العسكري على ليبيا وتطلب من فرنسا والولايات المتحدة إعادة طائراتهما إلى القواعد وفسح المجال أمام تسوية سياسية للأزمة”. وقد مثل هذا التصريح آنذاك إحراجا للاتحاد الأوروبي الذي ظهر غير متجانس في مواقفه أمام الرأي العام الدولي، وأثار غضب فرنسا التي بدأت في تسويات جديدة مع الجانب السوري آنذاك.

ولكن الأمر مختلف في الوضعية الحالية التي تعيشها ليبيا بالنسبة إلى إيطاليا، حيث ولئن عبر فراتيني سابقا عن رفض بلاده القاطع لتدخل عسكري على ليبيا، فإن وزير الخارجية الحالي باولو جنتيلوني ألمح في العديد من المناسبات عن إمكانية مشاركة بلاده في حرب على تنظيم داعش الذي يهدد المنطقة بكاملها بهجمات على البحر أو عبر خطف طائرات أو تسريب خلايا ومقاتلين لبعض الدول كما حدث في تونس.

وإلى حد الآن ترفض إيطاليا، القوة المستعمرة لليبيا سابقا، عودة التدخل العسكري إلى ليبيا لكن في نفس الوقت تبدي ليونة بخصوص التعامل مع هذا الرفض وقد عبّر عن ذلك بصفة واضحة تصريح لجينتيلوني الذي يقول فيه “إن بلاده لن ترسل قوات عسكرية إلا بناء على طلب حكومة الوحدة الوطنية الليبية”.

ولعبت إيطاليا دورا كبيرا في دعم حكومة الوحدة الوطنية، بما يؤكّد أن تنظيم داعش، والتهديد الإرهابي عموما، يعتبر عاملا مؤثّرا في سياسات الدول الخارجية، وقد يصعد ببعض الحكومات من الظلّ إلى الصف الأول ضمن الفاعلين الدوليين والمؤثّرين.

6