ما بعد شارلي إيبدو: أي تجديد ديني يرنو إليه عالمنا

الثلاثاء 2015/03/10
أحداث شارلي إيبدو كغيرها من المفاصل التاريخية طرحت إشكالية علاقة المسلم بالآخر

لم تصل تداعيات أحداث شارلي إيبدو واستتباعاتها إلى نهاياتها، ففضلا عما أثارته من نتائج سياسية مباشرة فإنها أثارت جملة من الأسئلة متعلقة بصورة الإسلام لدى الآخر، ومدى وجاهة بذل جهد وضرورته للفصل بين الإسلام والعنف، لكن الحدث أعاد طرح قضايا مفصلية من قبيل سبل تجديد الخطاب الديني وأولوياته ومنطلقاته، وهل يجب أن يتوجه حصرا إلى داخلنا أم أنه مجبر على أخذ الآخر في الاعتبار.

توقفت مطولا عند محاضرة صاحب كتاب الثابت والمتحول أدونيس التي ألقاها في معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم 5 فبراير 2015، والتي كان عنوانها تجديد الخطاب الديني، لأطرح التساؤل؛ إلى أي مدى يمكن اعتبار الخطاب الديني مسؤولا عن تخلف العالم الإسلامي والدعوة إلى ممارسة العنف ضد الآخر؟

ومن خلال تتبع المشهد الإعلامي والثقافي نرى أنه يعرض موقفين في غاية التطرف والتشدد في قضية الخطاب الديني، يقف الأول في مقابل الثاني إلى درجة أنه يريد أن يسلب المثقف حرية التفكير ويجعله أسير أحد الموقفين، أما العامة فحدث ولا حرج.

وبالعودة إلى موضوع المحاضرة نرى أن الشاعر أدونيس، أحد أقطاب الموقف الأول، كرر فيه أفكاره السابقة مثل أن الإسلام رسالة وليس دولة، وأنه لا يمكن معالجة قضايا العصر بفتاوى الشافعي، أو ما قاله سابقا في محاضرته التي أثارت ردودا والتي كانت عن المرأة في القرآن حيث ألقاها بالمكتبة الوطنية بالجزائر في أكتوبر 2008، وجاء فيها أنه لا يوجد نص واحد واضح يحدد حرية المرأة وذاتها المستقلة في القرآن، إنما هناك تأويلات أو قراءات للفقهاء، وبنفس المنطق صرح لجريدة النهار الجزائرية بتاريخ 16 أكتوبر 2008 قائلا : جد لي مفكرا واحدا من بين مليار و300 مليون مسلم مثل سبينوزا والفارابي وابن رشد.

التجديد يتطلب بيئة ركائزها منظومة تعليمية تسعى لرفع مستوى الفرد المسلم ليخطو نحو الانعتاق وتقبل الآخر

التيار التجديدي بما يمثله من السمات السابقة، مع تفاوت فيما بين أصحابه يمكن تصنيفه من حيث المنطلقات إلى ثلاثة مناهج:

1 – النموذج الذي تعامل مع التراث الديني الإسلامي بطريقة تعامل المفكرين الأوروبيين مع تراثهم الديني المسيحي، بأسلوب يطفح بالتحامل والإرباك على خلفية التخلص من تراث القرون الوسطى مثلما فعل الغرب، ويمثل هذا النموذج محمد أركون، نصر حامد أبو زيد، محمود طه، سعيد العشماوي، وغيرهم.

2 – النموذج العقلاني: الذي عرفه العرب في العقود الأخيرة، وهو نمط من الباحثين له مهارات خاصة في لعبة التلفيق المعرفي، والعمل على الغرائب واللافت المستفز من المعاني والآراء والأفكار، كما أنه نمط لا يجهد نفسه كثيرا في البحث عن الحقيقة في التراث لأنه وعر جدا ويتعامل مع القرآن كونه تراثا لا كلام الله، والذي يمثله أدونيس، حسين مروة، الطيب تيزيني، حسن حنفي، وغيرهم.

في المقابل نجد تيارا سلفيا، كما يسمي نفسه لأن السلفية مرحلة تاريخية وليست مذهبا، يعبر عن بنية تفكير تتميز بانغلاقها على التراث، ونقصد بالتراث هنا ما أنتجه الفقهاء من فتاوى وأحكام، ترى أن التجديد دعوة منحرفة تريد التفلت من الدين الإسلامي.

التيار الرافض للتجديد يمثل صدى وارتدادا لهزيمة فكرية وحضارية عاشها العالم الإسلامي منذ منتصف القرن الرابع الهجري، تاريخ شيوع دعوى غلق باب الاجتهاد وسقوط بغداد وما تلاها من سقوط الأندلس.

ويتميز هذا التيار فكرا وفقها بالجمود وتقديس نصوص الفقهاء القدامى مما ساهم في تبلد الأذهان وقصور الفهم، وصرنا كائنات تحفظ وتسلم بالمحفوظ، مما غيب الوعي التجديدي النقدي والتجاوزي وكأننا في ثقافة الهزيمة لا ثقافة الحكمة، وثقافة التقليد لا الاجتهاد والتجديد.

كما أن هذا الاتجاه سوّق لفقه ارتبط، شرعا وعقلا، بواقع لا يمت بصلة للواقع المعاصر، ومن أمثلة ذلك:

النظرة لغير المسلمين القائمة على أساس العداء، المنطلقة من فكرة دار الحرب ودار الإسلام، التي هي اجتهاد فقهي صرف أملته سياقات تاريخية معينة، وهي قطعا ليست نصوصا شرعية ثابتة.

استدعاء لغة فقهية حكمت العالم في زمنها مثل السبي، والغنائم، والجزية، في زمن تحكمه معاهدات دولية ومواثيق حقوق الإنسان.

نظرة تجاه المرأة قوامها (النقاب، المرأة عورة، المرأة لا يجوز أن تكون في موقع قيادة).

نموذج اللباس للرجال وإعفاء اللحية وشكلها وهو ليس من قطعيات الدين، بل هو انعكاس لأعراف وعادات المجتمعات.

ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن كل ذلك وغيره، ليس هو صورة الإسلام الحضارية التي يجب إبرازها، بل هو نمط من الوصاية على الدين يمارسها ضعاف العقول والناقمون لتمنح صكا للغفران لمن تشاء.

الاتجاه الرافض للتجديد سوق لفقه يقوم على نظرة لغير المسلمين قائمة على أساس العداء

وهذا التيار قدم خدمة مجانية للمستشرقين والمفكرين والإعلاميين في الغرب – إن لم يكن هو من قام بصناعتها – للطعن في الإسلام مما جعل واحدا منهم وهو ميشال أنفراي يصرح بأن العنف والدعوة إليه منصوص عليهما في القرآن.

وبعيدا عن هذين الاتجاهين ونظرة كل واحد منهما للتجديد، يجب أولا أن نطرح السؤال التالي: لمن نجدد الخطاب في وطننا العربي، هل للسياسيين الذين يعيشون غربة عن شعوبهم، ويتحدثون باسمها رافعين شعارات الممارسة الديمقراطية ليخفوا وجها كالحا من الصراعات المتخلفة؟ أم للنخبة المنقسمة على نفسها بين متشبث بالماضي نصا وتجربة في رحلة شوق وحنين لانتصارات صلاح الدين الأيوبي ومكتبة المأمون وأيام الأندلس المفقود، وبين من ولى وجهه للغرب داعيا إلى استنساخ تجربته لأنه طوق النجاة الوحيد؟ أم نجدد للعامة التي أنهكتها رحلة البحث عن لقمة العيش والعوز ورفع الجهل والعدالة والحرية؟ التجديد يتطلب بيئة صحية ركائزها ما يلي:

منظومة علمية وتعليمية تسعى لرفع مستوى الفرد المسلم، الذي لا يقرأ حتى يستطيع أن يدرك حالة التدني الحضاري، ويخطوا أولى الخطوات نحو التطور والتحضر والانعتاق وتقبل الآخر.

منظومة سياسية تدرك أن الممارسة الحقة للحكم لا تكون بالشعارات أو العنف، بل تكون بقناعات راسخة وممارسات فعلية لبناء الثقة، يشترك فيها الجميع لتجسيد دولة القانون وثقافتها، والتداول السلمي على السلطة، واستقلالية القضاء، واحترام المواطنة وحقوق الإنسان.

منظومة اقتصادية ناجحة، تنبع من جهد الأفراد، وليس من اقتصاديات الريع وتقلبات المناخ، تجعل الفرد يحس بالاطمئنان والاستقرار وعدم الخوف من غد مجهول.

وقبل ذلك لا يمكن أن نتحدث عن أي تجديد لأي خطاب، سواء أكان دينيا أم ثقافيا أم سياسيا، لأنه يبقى ترفا فكري لا يجد مكانه في واقع يعج بالرداءة، فرفع هذه الرداءة ينتج خطابات متوازنة وحضارية، لأنها بمنطق الحتمية العلمية سوف تفرق بين المقدس والمدنس.

13