ما بعد عدن.. اليمن يمنان

من عدن إلى شبوة وحضرموت ومأرب والحديدة وصعدة كانت الدماء الجنوبية تتسابق مع دماء السعوديين والإماراتيين، دون أن يتردد جنوبي واحد في المشاركة في معركة قطع اليد الإيرانية عن تراب العرب.
الخميس 2019/08/22
للقضية الجنوبية حقوقها التي لا يجب أن يتم حشرها في زوايا الغرف المظلمة

ارتدادات أحداث عدن طفت على السطح الإعلامي في سابقة غير مألوفة على الرغم من أن القضية الجنوبية تعتبر أكثر الأزمات على صعيد الجزيرة العربية تعقيدا، فعلى امتداد ربع قرن نشأت الأزمة ومرت بمسارات مختلفة، ومع ذلك ظل الإعلام العربي يشيح بوجهه عنها حتى قرر أبناؤها أن تتحول القضية إلى العنوان الأعرض في مانشيتات الإعلام العربي والدولي.

كان لافتا تناول النخب الصحافية العربية لقضية الجنوب، بمختلف أبعادها التاريخية والسياسية، وبهذا النطاق من الشفافية في طرح القضية ما زال هناك “تعمد” لتغييب أبنائها عن الظهور الإعلامي. فرغم أن الإعلام العربي اضطر تحت ضغط الحدث أن يستضيف عددا من الجنوبيين، إلا أنه كان يؤتى بهم وكأنهم متهمون في قضية ما، ويجري إخضاعهم للتحقيق على الشاشات الفضائية بدلا من اعتبارهم حاملين لقراءة سياسية لقضيتهم. ومع ذلك فإن ما تبادلته النخب الإعلامية الخليجية كان مثيرا ليس فقط للاهتمام، بل إن ما تقاذفته آراء الكتاب؛ عبدالرحمن الراشد ومحمد الرميحي وسعد بن طفلة العجمي، كان كرة من لهب أصابت ثوب الكويت وأحرقت طرفا منه بقصد أو بغير قصد.

في مقالة الأستاذ عبدالرحمن الراشد، “الجنوبيون ومؤتمر جدة”، تجنب لما يجرؤ البعض على أن يطرحه علانية، ففيما تضمن المقال مسوغات الحق الجنوبي في الانفصال فقد احتوى معارضة أشد للحق في الانفصال. ما لم يجرؤ الراشد على كتابته هو المخاوف الضمنية من أن يؤدي انفصال الجنوب عن اليمن إلى انفجار الخزان البشري في الشمال إلى خارج اليمن ما قد يضر بالإقليم العربي، وسيصبح على الجنوب أن يتحمله نيابة عن البشرية كلها.

لكل حدث إفرازاته فكيف بحرب كـ”عاصفة الحزم” لها إفرازاتها على كل الأصعدة والمستويات، وهي جاءت على خلفية تراكمات تاريخية بدأت بغزو الشمال للجنوب في العام 1994، وفي تلك المرحلة من التاريخ العربي كان للملك الراحل فهد بن عبدالعزيز والشيخ زايد آل نهيان والرئيس المصري حسني مبارك مواقف ما زالت محفورة في التاريخ السياسي اليمني، شماله قبل جنوبه، لأنها رفضت الغزو وفرض الوحدة بالقوة، بل إن السعوديين ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الضغط على مجلس الأمن الدولي بإصدار قراراته (924 و931) دون أن تتضمن ذكر الوحدة حتى لا يستخدمها نظام صنعاء لقتل المدنيين الجنوبيين.

وعلى الرغم من كل تلك المواقف المشهودة استباح الشمال الجنوب، وكان الجنوبيون أول الشعوب ضحية لفتاوى التكفير قبل أن يولد تنظيم داعش، وقبل أن يخرج تنظيم القاعدة الذي كانت اليمن وما زالت حاضنته وحاضنة الفكر المتطرف الذي يدفع ثمنه الجنوبيون، وحتى الشماليين، قتلا واغتيالا في مشاهد إرهاب ورعب ارتبط بها اليمن بعد أن استقطب نظام صنعاء، وحلفاؤه من الإخوان، الآلاف من الأفغان العرب في تلك الحرب المدمرة.

الجنوبيون استبقوا الشعوب كلها، فكان الحراك السلمي عام 2007 يخرج ضد نظام صنعاء بينما كان الإعلام العربي يغمض عينيه عن قضيتهم، وحتى عندما جاء ما يسمى بالربيع العربي كان الجنوبيون يحتشدون في عدن والمكلا، يطالبون العالم بالالتفات إلى قضيتهم التي اختزلت في مؤتمر الحوار الوطني بمعالجات لا تليق بقضية سياسية، واختصرت في شخص الرئيس عبدربه منصور هادي وكأنه ولي على الجنوب وقضيته السياسية.

ما لا يجرؤ أحد على طرحه أن الاستحقاق السياسي الجنوبي تضاعف مع سنوات الحرب التي وثقت بالدم السعودي والإماراتي تراب كل شبر من أرض الجنوب، وكذلك أرض اليمن، فمن عدن إلى شبوة وحضرموت ومأرب والحديدة وصعدة كانت الدماء الجنوبية تتسابق مع دماء السعوديين والإماراتيين، دون أن يتردد جنوبي واحد في المشاركة في معركة قطع اليد الإيرانية عن تراب العرب.

لا تحتاج الإمارات ولا السعودية إلى أن يكف المجلس الانتقالي عنهما الإحراج بعد أن أعلن فورا موافقته على الاستجابة لدعوة الرياض بالتهدئة والانخراط في جولة حوار برعاية المملكة.

فعلى مدار الربع قرن طرق الجنوبيون أبواب الرياض تقديرا وتكريما وإدراكا لدورها وثقلها. العشم وحده لا يدخل هنا أو في أي اختناق كان في تجنيب السعوديين أو الإماراتيين الإحراج، فالمجلس الانتقالي هو الذي قرر أن يحرج نفسه منذ نشأته في مايو 2017 عندما أعلنت موالاته للسعودية والإمارات وألزم نفسه بحظر كل الجماعات الإرهابية، من حوثيين وإخوان ودواعش وقاعدة، على غرار ما اتخذته الرياض وأبوظبي في حربهما على الإرهاب واقتلاعه من جذوره.

الهروب من الاستحقاق الذي فرضته أحداث عدن بالغمز واللمز في هذه الدولة وتلك، لا يليق بالنخب الفكرية والإعلامية فضلا عن النخب السياسية. فللقضية الجنوبية حقوقها التي لا يجب أن يتم حشرها في زوايا الغرف المظلمة تحت عناوين لا تلامس الواقع السياسي، وما فرضه المجلس الانتقالي الجنوبي هو تغيير معادلات. وتبقى المعادلة الأهم في تجميع القوى الجنوبية والشمالية في حرب على الحوثيين، بهيكلة الشرعية وتقويمها وتخليصها من الشوائب العالقة بها، فلن تجدي سياسة المؤلفة قلوبهم مع الذين تركوا بيوتهم ومخازن أسلحتهم تحت أشعة شمس صنعاء، وهربوا تاركين الجمل بما حمل للحوثيين القادمين من كهوف الجهل والتخلف.

8