ما بعد مرسي.. الإخوان يرفعون قميص الديمقراطية

شعار "مسلمون ديمقراطيون" حيلة جديدة للإخوان لإعادة ترتيب الأوراق بعد تشتت صفوفهم.
الاثنين 2019/07/01
ديمقراطية العنف والنار

بعد تصنيفهم كتنظيم إرهابي من قبل الإدارة الأميركية وبالتزامن مع وفاة الرئيس المصري السابق محمّد مرسي، بات الإخوان يرفعون شعار الديمقراطية لإعادة ترتيب الأوراق وتفادي السقوط الأخير، وذلك في خدعة جديدة رفعها زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس بقوله إن حركته  كانت تنطلق من تحريم الديمقراطية «واليوم نعرّف أنفسنا بأننا ديمقراطيون مسلمون».

القاهرة - منذ 3 يوليو 2013، لم ينقطع رهان الإخوان على إعادة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الحكم، إلا بموته في 17 يونيو 2019. ألحّ خطابهم في ميدان رابعة وفي فضائياتهم على «حقيقة» العودة، وفي سبيل إقناع أتباعهم بها استعانوا بأماني اختلطت فيها الملائكة بالشيطان الأميركي.

 فبعضهم شاهد، أي رأى رأيْ العين، جبريل في مسجد رابعة العدوية، ولا يكون حضور جبريل إلا مسلحا للنصرة. وبعضهم رأى النبي في المنام يقدّم محمد مرسي، ليقف إماما في صلاة العصر. ثم أطلق الحشد تكبيرات بإعلان المنصة عن اقتراب بارجتين أميركيتين من السواحل المصرية. أما وقد أنهى الموت هذا الرهان، فلم يعد للإخوان قميص يرفعونه إلا الديمقراطية.

ديمقراطية الإخوان شعار خادع، حيلة جديدة يستجيب لها البعض بحسن نية، ناسين أن صاحب العقيدة لا يعلن التخلي عما يؤمن به إلا من باب التقية، مرحليا لكي يبلغ هدفه، ثم يعود إلى يقينه بأن الديمقراطية كفر، وإذا آمن بها فهي مرة واحدة ضامنة للصعود، ثم ينسفها لكي يمنع غيره من احتلال موقعه بالديمقراطية المستحيلة.

وكان هذا واضحا منذ البداية، إذ رفض مرسي في برنامج تلفزيوني فكرة نجاح منافسه أحمد شفيق، قائلا «لن يكون»، وكرر الإجابة عن السؤال نفسه؛ مطمئنا إلى استعداد الحشود في الميادين لحرق البلد، إذا لم يُعلن فوز مرسي. ويعرف كل مصري، أو غير مصري عاش بيننا في نهايات يونيو 2012، أن «حرق البلد» لم يكن كلاما، بل إرهابا متكامل الأركان، والإرهاب في اللغة هو الترهيب والتلويح باستخدام القوة لبلوغ هدف. وسيكشف المستقبل ألغازا عن الفائز الحقيقي في انتخابات الفتنة بين مرشح دولة حسني مبارك ومرشح اليمين الطائفي.

الآن يجد الإخوان في قميص الديمقراطية سلاحا عصريا يضمن لهم غلبة شعبية، وتفوقا نفسيا على عدوّهم، وهم يرون «الأغيار» أعداء محتملين، ولهم في التضليل سوابق كان مفوض العلاقات الدولية في التنظيم يوسف ندا طرفا في إحداها. ففي فترة التشويه الساداتي لعبدالناصر، راجت مظلوميات لضحايا نشرت باسمهم مذكرات من أشهرها كتاب «أيام من حياتي» المنشور باسم الحاجة زينب الغزالي.

 ثم راجع بعض الإخوان أنفسهم، فكتب رئيس حزب الوسط أبوالعلا ماضي، في صحيفة «العربي»، لسان حال الحزب الناصري، مقالا عنوانه «بيننا وبينكم الجنائز» يشيد بعبدالناصر الذي يكفّره الإخوان، واستشهد بمقولة أحمد بن حنبل «جنازة المرء شاهد له أو شاهد عليه»، وانتهى إلى أن «جنازة الزعيم جمال عبدالناصر، التى لم ير التاريخ مثيلا لها، تشهد للرجل وتؤكد مدى صلاحه ومدى اقترابه من الله ورضوان الله سبحانه وتعالى عليه».

مع التهافت الإخواني، تبنى الإخوان قميص الديمقراطية، فقال الغنوشي إنهم أصبحوا ديمقراطيين مسلمين
مع التهافت الإخواني، تبنى الإخوان قميص الديمقراطية، فقال الغنوشي إنهم أصبحوا ديمقراطيين مسلمين

فزاره يوسف ندا، وعاتبه بشدة على المقال. وسأله ماضي عن مدى صدق روايات الإخوان عن تعذيبهم في سجون عبدالناصر، وخصوصا كتاب «أيام من حياتي»، فانفجر يوسف ندا بالضحك، وقال «أنا مؤلف هذا الكتاب». ولم يكن ندا في مصر خلال قضية 1965 التي اتهمت فيها زينب الغزالي.

وثّق الدكتور محمد السعيد إدريس، في مقال بصحيفة الخليج الإماراتية في 11 أبريل 2014، هذه الواقعة، وقد سمعها من أبوالعلا ماضي الذي سأل ندا عمّا يدعوه إلى «تأليف» هذا الكتاب؟ «أليس هذا تلفيقا وكذبا وتضليلا»، وجاء رد يوسف ندا صادما «اللي تغلب به.. إلعب به».

«اللي تغلب به.. إلعب به» مبدأ يكاد يجسّده راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإخوانية في تونس، وتصريحاته ترتبط بوجود مدّ إخواني أو تراجع. ففي أكتوبر 2014، قدّم تمثيلا مشوّها للعلمانية، بوصف حروب الردة بأنها «أول حركة تمرد علماني مسلح يريد تجزئة الإسلام… كان ذلك أول حركة علمنة».

ولو تأمل سلوك أبي بكر الصديق لوجده علمانيا يهدف إلى الحفاظ على هيبة «الدولة»، باستمرار دفع الزكاة/ الضرائب، فلم تكن الجيوش تراقب أداء الناس لأركان الإسلام الأربعة الأخرى، فهي تخص علاقة المسلم بالله لا بالدولة. وفي 12 أكتوبر2016 قدّم الغنوشي لسناء العالول، في صحيفة القدس العربي، تفسيرا لإجرام داعش، الذي منحه اسم «الدولة الإسلامية»، قائلا إن «الإسلام الآن في حالة غضب والغاضب أحيانا يخرج عن طوره، ويعبر تعبيرات غير معقولة حتى تخاله مجنونا، ما حصل وما تعرض له السنة في العراق والسنة في سوريا يخلّ العقل».

وفي هذا أسوأ تدليل على أن داعش هو الإسلام، وأنه حقيقة وليس وهما اصطنعته أميركا في العراق والشام وسيناء وتونس، وأنه غير مسؤول عن سلوك يردّ البشرية إلى مراحل التوحش وتطبيع مظاهر السبي والاسترقاق، وأن على العالم مراعاة عقيدة الدواعش؛ تفاديا للغضب المقدس، وما ينتج عنه من كوارث يتحملها بالطبع من أثاروا الوحش، وأخرجوه «عن طوره».

ومع التهافت الإخواني، وتسوّل التعاطف الشعبي، تبنى الإخوان قميص الديمقراطية، فقال الغنوشي في ختام الندوة السنوية الثالثة لكوادر الحزب، الأحد 23 يونيو 2019، إنهم كانوا ينطلقون من تحريم الديمقراطية «واليوم نعرّف أنفسنا بأننا ديمقراطيون مسلمون». فهل يوجد ميثاق يضمن للشعب ألا يستعيد الغنوشي المبادئ الإخوانية السابقة، ويحرّم الديمقراطية، حين ينتهي دورها جسرا إلى الحكم؟

كيف يفهم الإخوان الديمقراطية في الشيخوخة، وقد تجاوز التنظيم المحكوم بالسمع والطاعة عامه التسعين؟ الديمقراطية في مكان آخر، فهي تربية سياسية تخاصم مبدأ الحلال والحرام، هي ديمقراطية فقط، إجراء سياسي من الاستخفاف أن يتخيل الإخوان أنهم يحلونه عاما ويحرّمونه عاما.

من الإجراءات الديمقراطية، التي رفضها الإخوان بشدة في نهاية حكم مرسي، الاستفتاء على الرئيس والانتخابات الرئاسية المبكرة. (لاحقا، في عيد الأضحى، أغسطس 2018، سيعتقل السفير السابق معصوم مرزوق؛ لكتابته نداء «إلى شعب مصر حكاما ومحكومين في كل مكان كي يتوافقوا سلميا من أجل إنقاذ مصر من خلال: إجراء استفتاء شعبي عام وفقا للمادة 157 من الدستور للإجابة على سؤال واحد: هل تقبل استمرار نظام الحكم الحالي في الحكم؟». ولبث في السجن تسعة أشهر).

لا يختلف التخوين الوطني عن تكفير ديني ينتهجه الإخوان، فلا يعلنون موقفهم لو أتت الديمقراطية برئيس مسيحي لمصر. لا يحتملون هذا «الكابوس»؛ فهم ينكرون المواطنة الكاملة لغير المسلمين، ويرفضون تهنئة المسيحيين بأعيادهم ويعارضون انضمامهم إلى جيش المسلمين، ويلزمونهم بدفع الجزية مقابل الحماية.

ليس من الديمقراطية أن يدعو زعيم أنصاره إلى الحشد المسلح إذا ألغى دكتاتور الدستور وعطّل البرلمان، كما فعل محمد محمود عام 1928، وفي عام 1930 أصدر إسماعيل صدقي «عدو الشعب» دستورا انقلابيا. وفي المرّتين، لم يلجأ مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد صاحب الشعبية الكاسحة إلى الاعتصام المسلح انتصارا للشرعية، وراهن على أن تعيده الانتخابات إلى الحكم. فهل يحتمل الإخوان ضريبة الديمقراطية؟

13