ما بقي من انتخابات إسرائيل.. إلى اليمين المتشدد در

نتائج الصندوق تؤكد رغبة راديكالية لدعم المشروع الاستعماري ويهودية الدولة.
الثلاثاء 2020/03/10
نحو مواقف يمينية أكثر تشددا

زادت نتائج الانتخابات العامة الثالثة في أقل من عام من قتامة المشهد السياسي في إسرائيل في ظل الضبابية التي تحف بتشكيل الحكومة الجديدة وسط تنافس كبير بين حزبي الليكود وأزرق أبيض، لكن تبقى أهم الاستخلاصات التي يمكن الخروج بها متعلقة بتوجه إسرائيل أكثر من أي وقت مضى إلى مزيد من الراديكالية في ضوء ما كشفته النتائج من توجه الناخب نحو اليمين بمختلف أشكاله وهو ما سيؤثر مستقبلا في الكثير من القضايا الإقليمية خاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

لندن - يكشف توزيع مقاعد الكنيست عقب انتخابات شهر مارس الأخيرة، أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لثالث مرة في العام ذاته، لم تحمل معها تغييرا كبيرا في ملامح الواقع الحزبي السياسي الجديد، فالنتائج الأخيرة توضح عدم وجود حسم في السباق بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود، ورئيس الأركان السابق بيني غانتس أبرز قيادات تحالف أزرق أبيض (يمين الوسط).

يتوجه المجتمع الإسرائيلي بفضل نتائج الانتخابات نحو اليمين بمختلف أشكاله التقليدية والوسطية والمتطرفة، فيما تبقى القائمة المشتركة ذات الأغلبية العربية حتى وإن حققت تقدما كبيرا بزعامة أيمن عودة في المرتبة الثالثة بزيادة مقعدين عن الانتخابات الأخيرة، غير مرحب بها من أكثر من 54 في المئة من الكتلة المصوتة البالغة 5.8 مليون في أن تقوم بأي دور يذكر في تشكيل أي حكومة إسرائيلية مقبلة، ما يطرح معه مرحلة من الغموض في ظل غياب أغلبية لأي حزب أو قائمة.

 وفي الوقت الذي يتجه فيه المجتمع الإسرائيلي نحو مواقف يمينية أكثر تشددا، لا يبدو أن الأطراف الحزبية تبحث عن حلول معقولة، بل أن مآل تشكيل حكومة تجمع بين الليكود وأزرق أبيض وإسرائيل بيتنا أصبح في أعين من يدافع عنه بعيد المنال في ظل ما سبقه من صراعات محتدمة خرجت عن المألوف بشكل غير مسبوق بحسب تصريح الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين.

 أما السيناريو الذي يراهن على تشكيل حكومة تجمع بين تحالف أزرق أبيض وتحالف العمل وميرتس وجيشر وأحزاب أقل تشددا لن يكتب له أي نجاح عددي، بينما السيناريو الثالث الذي يدفع نحو انتخابات رابعة لا يخفي تداعيات تنظيمه من جديد على الاقتصاد الإسرائيلي والذي بلغت تكلفته حوالي 3.4 مليار دولار قيمة الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة.

كل هذه السيناريوهات المطروحة تفيد بأن الانتخابات الأخيرة لم تجد حلا لمعضلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية في ظل تصاعد الجدل حول سعي نتنياهو للحصول على منصب رئيس الوزراء للتمتع بالحصانة القانونية، وبالتالي تفادي الملاحقة القضائية، بينما يصر خصومه على قطع الطريق عليه، خاصة أن حزب “إسرائيل بيتنا” مصر على عدم الانضمام لأي من الكتلتين، وهو ما أدى إلى إخفاق كل من نتنياهو وغانتس سابقا في تشكيل ائتلاف حكومي يتمتع بأغلبية برلمانية.

تداعيات داخلية وخارجية

الانتخابات الأخيرة لم تجد حلا لمعضلة تشكيل الحكومة في ظل تصاعد الجدل حول سعي نتنياهو لكسب منصب رئيس الوزراء للتمتع بالحصانة القانونية
الانتخابات الأخيرة لم تجد حلا لمعضلة تشكيل الحكومة في ظل تصاعد الجدل حول سعي نتنياهو لكسب منصب رئيس الوزراء للتمتع بالحصانة القانونية

يدل المشهد السياسي في إسرائيل على حجم الاضطراب وتأثيره في دول الجوار العربي، وما تواجهه الأحزاب الرئيسية من غياب في توافقاتها لتشكيل حكومة ائتلافية بسبب تزايد وزن الأحزاب الصغيرة وابتزازها للكبار، كما أن طبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي تضيق من آفاق وجود تحالفات وائتلافات مستقرة.

يتجه المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من الراديكالية في غياب أي بديل حقيقي في ظل انحسار حزب العمل وميرتس وغيشر. وعلى مستوى آخر، تفيد معطيات مركز الإحصاء المركزي بأن الانتخابات كشفت عن خارطة سياسية مليئة بالتناقضات، أولها أن عرب 48 سيحظون بهامش كبير من التأثير مستقبلا، حيث 43 في المئة منهم دون 18 عاما مقابل 22 في المئة بين اليهود، ما يعني أن عرب الداخل يمكن أن يلعبوا أدوارا طلائعية مع 5 في المئة من اليهود من أصول مسيحية لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم.

ولا يوجد لدى الناخب الإسرائيلي اليميني والمتطرف اليوم أي حرج في دعمه المشروع الاستعماري عبر بناء الآلاف من الوحدات الاستيطانية، حيث أخذ هذا النزوع منعطفا تاريخيا عبر الإعلان عن صفقة القرن، بينما كانت الحكومات الإسرائيلية تقبل على الأقل في السابق بحل “الدولتين” رغم دعمها الاستيطان، لكن الانتخابات الأخيرة تبين بأن هذه الكتلة الانتخابية الهامة اتجهت أكثر فأكثر نحو دعم قانون القومية اليهودي (يهودية الدولة) التي يروج لها حزب الليكود واليمين المتطرف، بينما الشرائح الاجتماعية الشعبية المحافظة تتجه أكثر نحو الأحزاب الدينية (شاس ويهودوت هتوراه).

هذا التوجه تفسره ميدانيا أرقام الاستيطان في عام 2019 عبر وجود أكثر من 700.000 ألف مستوطن يهودي، يتواجد 470.000 ألف منهم في الضفة الغربية، و230.000 منهم في القدس الشرقية بإجمالي 25 مستوطنة وبؤرة استيطانية، بحيث لا يتورع تحالف أحزاب اليمين المتطرف ‘’يمينا’’ (إلى اليمين) برئاسة وزير الأمن الإسرائيلي نفتالي بينيت الزعيم السابق لحزب البيت اليهودي عن المناداة بقيام إسرائيل الكبرى ودعوته إلى ضم الضفة الغربية، فضلا عن قيامه في السابق بسن قانون في الكنيست الإسرائيلي في 6 فبراير 2017 في هذا الاتجاه.

سيكون من الصعب تجاهل نتائج الانتخابات وتفتت المشهد الحزبي الإسرائيلي إلى قائمتين أساسيتين، إذ لم تستقر الحكومات الإسرائيلية منذ انسحاب حزب “إسرائيل بيتنا” بعد أن حرم ليبرمان من افتعال معركة عسكرية في الجنوب لتحقيق مكاسب سياسية، كما أن ظهور مواقف شديدة التطرف أغلق أي إمكانية لعقد أي تحالف مع الليكود بقيادة نتنياهو الذي شغل السلطة منذ مارس 2009 حتى ديسمبر 2019، بل إن اتهامات الفساد تتجه نحو دعم مقترح قانون جديد يمنع أي نائب من تشكيل أي حكومة إذا لاحقته أي تهم فساد. وهو ما لا يساعد زعيم الليكود في تجاوز الاتهامات القضائية التي يواجهها.

وعلى صعيد المناورات السياسية التي تبناها الليكود مؤخرا، بات من الواضح أن خطوته المقبلة ستعمل على تنفيذ مخططاته الاستيطانية التي تشكل 10 في المئة من الضفة الغربية، وتصل إلى 45 في المئة إذا تم ضم الأراضي البلدية، خاصة وأنه تم كشف النقاب عن مشروع استيطاني جديد يتضمن ضم 5 مناطق موجودة في القدس الشرقية، تحول دون أن تصبح المدينة العربية عاصمة للدولة الفلسطينية.

كل هذا ترجمه عمليا قانون 8 يناير 2018 الذي قام بتعديل قانون 1980 حول وضع القدس التاريخي، وينص على ضرورة تصويت 80 نائبا عوض 61 نائبا من أصل 120 (قانون 1980 السابق حول القدس) على أي قرار يريد أن يعيد أي أراض في المدينة للسيادة الفلسطينية. وهو ما يضع عمليا الأحياء الفلسطينية الموجودة خارج السور في وضع وحدات سكانية مشتتة ومتفرقة.

يصعب تجاهل نتائج انتخابات سارت بالمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بكل أشكاله التقليدية والوسطية والمتطرفة

ميدانيا، تجلى ذلك في ترسانة قانونية تم التصويت عليها في الكنيست عبر إصدار قانون يقطع ويمنع التمويل عن أي مؤسسة تقوم بإحياء النكبة (2011)، وأضيف إلى ذلك قانون يجبر المنظمات غير الحكومية على الإعلان عن المساعدات المالية التي تحصل عليها من حكومات أجنبية إذا كانت هذه التمويلات تتجاوز نسبة 50 في المئة من ميزانيتها.

وتجلى أغرب قانون تم التصويت عليه في السماح لـ90 نائبا (من أصل 120) بإمكانية طرد زملاء نواب لهم من البرلمان (2016)، كما تم التصويت على قانون يمنح الدولة صلاحيات استثنائية في وجه من ترى أنهم يمثلون “تنظيمات إرهابية” في إسرائيل.

وشمل القانون الأخير حتى من ترى فيهم إسرائيل مجرد مناصرين محتملين وغير نشطين (2016)، كما سن اليمين المتطرف قانونا يسمح باعتقال أحداث السن بدءا من 12 سنة بمجرد اتهامهم بارتكاب أفعال عنيفة (2016)، بالإضافة إلى إصدار قانون يبعد أي مواطن إلى الحدود إذا دعا لمقاطعتها (2017)، فيما سمح قانون تم تبنيه في عام 2018 بأن يسحب وزير الداخلية الإقامة من الفلسطينيين في القدس بمجرد التشكيك في ولائهم للدولة (2018).

لا تنفصل هذه السياسة عن تراجع في عملية السلام القائمة حول خمسين عاما من القرارات الدولية، وذلك عبر محاولة قبر حل الدولتين، وقيام نظام أبارتهيد مقنن، يجعل الفلسطينيين مواطنين من درجة ثانية بحسب القانون الجديد الذي تم التصويت عليه في 19 يوليو 2018، والذي غير كليا من تعريف إسرائيل القديم كـ”دولة يهودية وديمقراطية” إلى “دولة – أمّة للشعب اليهودي”، حيث تنص مادته الأولى على أن “الحق في تقرير المصير الوطني حكر على الشعب اليهودي في إسرائيل” لوحده، فيما تلغي المادة الرابعة وضعية اللغة العربية الرسمية كلغة إلى جانب العبرية.

إن التغييرات الجيواستراتيجية التي تجري في المنطقة، بدءا من الملف النووي الإيراني والأزمة السورية والعراقية واللبنانية وصولا إلى الأزمة اليمنية جعلت خطة السلام متشابكة مع العديد من الملفات الإقليمية الساخنة، وهي بذلك تفسح المجال لإسرائيل بأن تلعب دورا مؤثرا في خارطتها المعقدة وتحدد تحالفاتها المستقبلية، حيث كشفت خطوات عدة كصفقة القرن وقرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان وقطع المساعدات عن وكالة غوث، استمرار نتنياهو في سياسة الجزرة والعصا مع حماس عن تغيرات كبيرة منشودة في توجهات اليمين الإسرائيلي مستغلا جميع الفرص للمشاركة في الترتيبات الإقليمية واستغلالها سياسيا في الداخل.

كما أن التغييرات الجيواستراتيجية التي تجري في المنطقة، يمكن أن تجعل خطة السلام المقترحة متشابكة ومشاركة في الترتيبات الإقليمية الجديدة ولصالحها أولا وأخيرا. لذلك إن صفقة القرن تذهب لتغيير قضايا الشرق الأوسط بطريقة هيكلية، ما يزيد من الهوة الفاصلة مع الطرف العربي والطرف الفلسطيني.

6