ما بقي من "انتفاضة الهوية": الإسلاميون يتمردون على واقع يرفضهم

الأربعاء 2014/12/03
لم تكن شعارات تحالف الإسلاميين أخيرا في مستوى تطلع المصريين، فمطالبهم دائما منحصرة في مظاهر فلكلورية

القاهرة - بنسق تدريجي بدأت الحركة الإسلامية بشكل عام وخاصة الإخوان المسلمين في مصر في التصدع، تحت وقع الصدام مع الواقع الشعبي والسياسي والقانوني الذي أفرزته التغيرات الداخلية في الوطن العربي (من صحوات تتضاد مع الإسلام السياسي)، والتغيرات الدولية التي أفرزت محورا يحارب إرهاب داعش في الشرق العربي.

ولعلّ فهم الاندفاع الأخير الذي أحدثته الجماعات الإسلامية خاصة في مصر، بالدعوة إلى “انتفاضة الهوية” في نهاية الشهر الماضي، يتم من خلال هذه المتغيرات الجذرية التي بدأت تعصف بالجيل القديم للإسلاميين وتصدر جيل جديد (ذكي) يتسم بالقدرة على المناورة والمرونة في قبول الصدمات.

من الديمقراطية والحرية إلى الثورة الإسلامية، هكذا تبدلت الشعارات التي يرفعها الحراك الميداني لجماعة الإخوان المسلمين وحلفائها، من خلال الدعوة التي أطلقتها الجبهة السلفية للاحتشاد في الأيام الماضية، وذلك كبداية لما أسمته “انتفاضة الشباب المسلم من أجل الحفاظ على الهوية”، وهو ما يعكس تغيّرا نوعيا في أسلوب وطبيعة حراك جماعة الإخوان والتيار الإسلامي بشكل عام.

ويرى خبراء سياسيون أن تصدر الجبهة السلفية للمشهد واستبدال الشعارات، جاء كمحاولة لاستقطاب شرائح جديدة وإعادة إنتاج للحراك الميداني المعارض، في الوقت الذي يقول فيه آخرون إن الدعوة للخروج إلى الشارع هي محاولة يائسة من جماعة الإخوان لإرباك النظام الحالي ونشر حالة من الفوضى الدائمة.

وتعتبر الدعوة لتظاهرات 28 نوفمبر تغيُّرا نوعيا في طبيعة الحراك الميداني لجماعة الإخوان وحلفائها، حيث تغيّرت الشعارات والأهداف والسياسة المتبعة، وأصبحت الأيديولوجية والشعارات الإسلامية تتصدر المشهد، وهذا يُعتبر نقلة في أسلوب الإخوان الذي يخفي توجهاته الإسلامية وراء شعارات المدنية والديمقراطية.

إن الدعوة لتظاهرات 28 نوفمبر تعتبر تغيرا نوعيا في طبيعة الحراك الميداني لجماعة الإخوان وحلفائها

وهي الفكرة التي فسر بها صبحي عسيلة الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الخروج المكثف الذي أعلنته جماعة الإخوان، لافتا إلى أن الدعوة تُعتبر أحد أشكال التصعيد التي تستخدمها الجماعة للضغط على السلطة الحالية، نظرا لأنها ستزيد الاضطرابات وتغذي حالة عدم الاستقرار.

ويعود سبب تصدر الجبهة السلفية للمشهد في هذا التوقيت بغض النظر عن تحليلات الخبراء في الجماعات الإسلامية، ودعوتها لما أسمته (انتفاضة الشباب المسلم) إلى عدة أسباب لعلّ من أهمها حاجة الحراك الإسلامي إلى ضخ دماء جديدة ورؤية واستراتيجية مختلفتين، كذلك تصدر الشباب للمشهد لكي يكون عامل جذب للحركات الشبابية والثورية التي ترفض جماعة الإخوان والقوى التقليدية. بالإضافة إلى عودة التيار السلفي إلى الميدان بعد حالة الإحباط واليأس التي أصيب بها. فهذه “الانتفاضة” التي دعا إليها الإسلاميون تهدف إلى تحريك قطاع كبير من الإسلاميين ذي نفس طويل ويسعى للحسم في نفس الوقت، لافتا إلى أن التيار السلفي تيار يميل للحسم وليس عنده طول نَفَس، بينما تتميز جماعة الإخوان بسياسة النَفَسْ الطويل لكنها لا تتحرك بقوة نحو الحسم.

وفي كل الحالات، فقد تمت “مشهدية” الخروج إلى الشارع والدفاع عن الهوية كما يقول الإسلاميون، لكن تكتيكات الإخوان ومناوراتهم الدائمة دائما ما تسقطهم في الفشل السريع، خاصة إذا اشتركت الجماعة في حراكها مع جماعة إسلامية راديكالية مثل الجبهة السلفية.

فقد عكس الحراك الأخير قناعات الإخوان بتراجع شعبيتهم وأكد لهم أن طريقهم إلى الزوال لا محالة إذا تمسكوا بخيارات المواجهة والتصادم مع الدولة والثورة، فتراجع الحراك الميداني وضعف تفاعل الشعب معهم هو ما دفع بجماعة الإخوان المسلمين للرجوع خطوة إلى الوراء، والدفع بوجوه جديدة لتصدر المشهد، كمحاولة لتجديد الرؤية والسياسة المتبعة وإعادة تعبئة الشارع تحت شعارات مختلفة.

وفي السياق يقول علي ليلة أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة إن التحركات الأخيرة بدأت تتبلور بقيادة التيار الإسلامي خاصةً في الحراك الميداني المباشر في الشارع، لافتا إلى أنها استطاعت اجتذاب الشباب الإسلامي وسحب البساط من تحت جماعة الإخوان، وهذا طبيعي في إطار تسليم الراية بعد الإخفاقات المتتالية للجماعة وفشلها في تجربة الحكم.

فقد أصبح من الواضح أن جماعة الإخوان قرّرت الرضوخ للضغوط المستمرة من حلفائها وقواعدها بتغيير المطالب والشعارات، والتنازل عن عودة الرئيس السابق محمد مرسي حتى يمكن توسيع مظلة الحراك المعارض، لافتا إلى أن الجماعة وجدت في هذه الدعوة المخرج المشرّف للتنازل عن بعض المطالب، وجعلها أكثر مرونة بما يتوافق مع متطلبات المرحلة.

ويشير علي ليلة إلى أن الخروج عن أهداف ثورة يناير والتي تعتبر محل إجماع لدى جميع التيارات والاتجاهات السياسية، سيحدث انقساما في معسكر المعارضة، وسيقصر الحراك الميداني على جماعة الإخوان وحلفائها من التيار الإسلامي.

تكشف مناورات الإسلاميين عن رغبة في بلورة ثورة طائفية للرد على ثورة يونيو الشعبية التي أسقطتهم

وفي سياق التغيرات التي طرأت على الجماعات الإسلامية في الفترة الممتدة من ثورة يناير إلى حد الآن، يمكن ملاحظة اضطراب شديد في التوجهات بين الإسلاميين بمختلف توجهاتهم. فداخل التنظيم الإخواني تهتز آراء في اتجاه الرضوخ إلى الواقع الجديد وإعادة البناء والتأقلم، بينما ترتد آراء أخرى متشددة لتؤكد المسار الذي عليه الحركة الآن وهو التصعيد المقابل والهجمات على كافة الأصعدة.

فخروج الدعوة من الجبهة السلفية التي تُعتبر حركة شبابية راديكالية بمرجعية إسلامية، يأتي في إطار إعادة هيكلة التحالف وتواري القوى التقليدية، وتصدر الشباب لقيادة العمل السياسي في التيار الإسلامي، وتجدر الإشارة إلى أن التيار الإسلامي يمر بحالة إعادة هيكلة ذاتية سواء على مستوى القوى أو الأحزاب، بتصدر الحركات الشبابية و”الثورية” للمشهد وتواجدهم في المواقع القيادية، ومُشاركتهم في صنع القرار ووضع الرؤى، على حساب تراجع القوى التقليدية والمرجعيات الدينية والفكرية.

فظهور الحركات الشبابية بشكل مؤثر هو تطور طبيعي للتيار الإسلامي، ويمثل شكلا من أشكال تمكين الشباب (وفق عقيدة التمكين الإخوانية)، خاصة بعد فشل القوى التقليدية في إدارة الدولة وإخفاقاتها المتعاقبة في المسار السياسي والثوري.

ويجب لفت الانتباه إلى أن القوى والحركات الشبابية الإسلامية تتبنى الفكر الإسلامي الراديكالي المعهود، الذي يمزج بين العمل المتطرف والضوابط الشرعية (الإسلامية) بعيدا عن خلافات الفقه والفتاوى، ويمكن التأكيد هنا أن الانتفاضة هي محور أساسي في الثورة وليست بديلا عن الثورة، لذلك تم استعمال لفظ الانتفاضة الشبابية في الحراك الأخير والذي يتضمن دعوة لـ”ثورة” تقلب الوضع لصالح الإسلاميين، أي ثورة إسلامية في مقابل تلك الثورة الشعبية التي وقعت في يونيو الماضي.

13